م تتم أي خطوة لإنقاذ التعليم الخرب الذي أثبت فشله بجدارة
كارثة نعيشها كل يوم وكل شهر وكل عام، ويتخلف عنها ضحايا لا حصر لهم ولا ينجو منها سوى ندرة، ورغم ذلك لا تحفز بداخلنا أي دفعة لإنقاذ أنفسنا ولا القفز من المركب المحترق قبل أن يأتي على المزيد.
كارثة (التعليم) أو كتعبير أدق ( التدمير) المصري الذي يتم بطريقة ممنهجة ودورية على كل المواطنين التعساء.. التعليم بكل مراحله صار مأساة إغريقية تعزز الجهل المتنكر وتؤكد البلاهة المستترة وتدعم اللاوعي بشهادات!
ورغم ذلك؛ لا تتم أي خطوة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النظام التعليمي الخرب الذي أثبت فشله بجدارة.. فالمناهج تتغير تغيّراً طفيفاً؛ إما بإضافة فصل أو حذف درس؛ لكن يبقى الجوهر كما هو.. شكل خارجي منمق لداخل أجوف تماماً.. ولتتأكد من الأمر اسأل أي طالب أن يستذكر دروسه سيجيب بآلية فورية: "يعني أحفظ إيه بالظبط"؟!
فتجد أن الأمر لم يعد فقط أن المذاكرة صارت هي الحفظ؛ بل انعدمت كل ذرة خيال وتفكير لدرجة أنه بات بحاجة لمن يشير له على الجزء المحدد للحفظ كذلك!
اسأل أي خريج عما يتذكره مما درسه؛ سيصيبه الارتباك وسيتصبب عرقاً، ويكتشف أنه يعجز عن إفادتك سوى بصورة عامة عما يفعلونه بكليته لا تزيد عما يعرفه أي سائح عن بلد أجنبي رآها في الصور!
حين أردت الحديث عن مأساة التعليم وجدت أن الكارثة مخيفة بالفعل وتحتاج موسوعة وليس مقالا، والأدهى أنها تكاد تكون السبب في كل ما نحيا فيه من كوارث مترتبة على تعليم منهار، ومن ثم وعي متراجع وثقافة معدومة، ومن ثم لن ينتج عنها سوى ما يحدث كل يوم ونشكو منه.
والتعليم لا يحتاج لإصلاح لأنك إن أطلت إصلاح باب قديم متهالك بلي خشبه، ستظل منكفئاً للأبد، وسيظل الباب متهاوياً يأبى الإصلاح، وسينهار مع أول ريح خفيفة، والحل هو صنع باب جديد قوي واستعمال الآخر كحطب للتدفئة.
بدأ الأمر بموضوع قراءة للصف الأول الإعدادي.. وإيضاحاً للأمر؛ فليس الأمر حنيناً للطفولة ولا إعادة تأكيد معلومات الإعدادية بعد التخرج.. إنما السبب هو.."يوسف"!
و"يوسف" هو ابن لأحد حارسي العقارات الوافدين حديثاً من الصعيد.. شيئاً فشيئاً عرفت أنه طالب بالصف الأول الإعدادي رغم قصره الذي يعطيه عمراً أقل، وأنه يواجه صعوبات بالدراسة لأن والديه أميين.. بعد الكثير من الضغط والإلحاح لخجله الشديد، جعلته يحمل كتبه لأستذكر له ولمعاونته في الإنجليزي.. حيث أوضح أنه جيد في باقي المواد عدا اللغة الإنجليزية.. وهكذا بدأنا نستذكر سوياً لأفاجأ بما لم أتوقعه!
بداية المفاجآت أنه لا يعرف قراءة أي كلمة بالإنجليزية رغم أنه أمضى عامين قبل ذلك يدرسه بالمدرسة! بل والأدهى عندما طلبت منه أن يكتب حرف الA وجدته ينظر لي ببلاهة كأني أحدثه عن نظرية الثقوب السوداء بالفضاء!
وهكذا بدأنا محو أمية في الإنجليزية بداية من تعلم الحروف الأبجدية.. وحاولت سبق الزمن كي يجاري منهجه المتقدم كثيراً عن مستواه.. تغاضيت عن هذه الكارثة وعن كيفية نجاحه طيلة العامين السابقين في هذه المادة لأفيق على كارثة أخرى وهي مادة العربي.. أي لغته الأم!
بدأنا بالنحو فوجدته لا يعلم عنه أي شيء على الإطلاق سوى اسمه!.. لا يعلم الفاعل من المفعول.. ولا يفرق بين الكلمة إن كانت اسما أم فعلاً.. أي أن مستواه لا يؤهله سوى للصف الرابع الابتدائي على أكثر تقدير؛ ورغم ذلك ها هو بالصف الأول الإعدادي!
ولما رأى خيبة الأمل على وجهي أراد رفع معنوياتي فأخبرني بزهو أنه يعد من المتفوقين بفصله؛ فزميل له لا يعرف القراءة ولا يستطيع كتابة سوى اسمه الثلاثي فحسب!! وبعد الإفاقة من تأثير ما قال أدركت أن الأمر تحول لكارثة مخيفة بالفعل؛ لم يعد الأمر فقط خطر القضاء على ملكة البحث والخيال والتفكير وإعمال العقل عند الطلاب بأوامر الحفظ واختبارات التسميع؛ إنما تفوّقوا على أنفسهم ليصير هناك طالب بالمرحلة الإعدادية لا يعرف القراءة ولا الكتابة بلغته الأم!
وإزاء علامات الصدمة والتساؤلات البلهاء رد علي بمنطق يراه وجيهاً أن زملاءه ينجحون؛ حيث يقوم المدرسون بكتابة الحل على السبورة في الاختبارات لينقلوها، ومن يتعسر عليه النقل يتولون عنه المهمة!. هذا في امتحانات النقل، أما في امتحانات سنوات الشهادة يصير الأمر أكثر صعوبة؛ فلا يتدخل المراقبون لكنهم يجعلون الطلبة يساعدون بعضهم البعض ويمارسون التكافل!
وحدثني إذن عن تصريحات الوزارة أن إنفلونزا الخنازير كانت السبب في تردّي العملية التعليمية هذا العام!!
الفتى شديد الذكاء؛ لازالت فطرته لم تدمرها سنوات التعليم بعد، ربما لأنه لم يتعلم من الأساس! لكنه بالفعل أذهلني بقدرته السريعة على الالتقاط واستيعاب أبجديات اللغة الإنجليزية، وفي غضون ثلاثة أشهر بمعدل حصة أسبوعياً صار قادراً على القراءة وصناعة الجمل البسيطة، ومعرفة الأفعال الماضية والحاضرة..
رغم كل شيء أحسست بالسعادة لذلك، وأن الأمل لازال موجوداً بالفعل.. فقط لو تركوهم وشأنهم! فالحال بالفعل كما يقال "لا منهم ولا كفاية شرهم".. لا تعليم ولا حتى يتركون الطلاب على فطرتهم وذكائهم الذي خلقهم الله عليه.. كأن هناك تعمّدا وإصرارا شديدا للقضاء على هذه الأمة تماماً بتدمير العقل والوعي منذ البداية لتصير حفنة من الحفّاظ المرددين أو مجموعة من الجهلة حاملي الشهادات.
فعند مقارنة حال التعليم بالخارج وفي دول عربية شقيقة ولن نقول إسرائيل وأمريكا سنجد بالفعل أن ما يدور لدينا هو جريمة كاملة الأركان لتدمير العقول.. أمريكا قررت نسف نظامها التعليمي فور أن أطلقت روسيا مركبة للفضاء لتصبح ما عليه الآن..
أما نحن؛ فرغم كل المركبات الفضائية والأقمار والاختراعات التي تتم كل دقيقة لم تهز أي منها شعرة في ثقتنا بنظامنا العقيم! فكم نحتاج من مركبات فضائية تطلق لندرك أن علينا التخلي عن الحكمة الزائدة هذه قبل أن يتم شحننا على أول مكوك للتخلص منا!
ولم يمض كثير من الوقت حتى فاجأني "يوسف" بمفاجأة أخرى!.. وأظن أن الأمر يحتاج مقالاً آخر!