اختر لونك:


المنتدى العام كل ما لا يخص الاقسام الاخرى

مذكرات المفكر الكبير د.مصطفى محمود

الجزء الأول : الحلقةالأولى .. بذرة الشك تمهيد واجب من كان يصدق ذلك؟ أخيراً بعد عشرين عاماً من الاختفاء وقبل وفاته.. يتكلم..

أضف رد جديد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

قديم 2010-01-10, 12:09 PM   #1
الصورة الرمزية محمد الجزار
الدفاع الجوى
تاريخ التسجيل: 2009-10-27
الدولة: مصر _ الأسكندرية
المشاركات: 1,741
التقييم: 467
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى محمد الجزار إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى محمد الجزار
الصورة الرمزية محمد الجزار
الدفاع الجوى
تاريخ التسجيل: 2009-10-27
الدولة: مصر _ الأسكندرية
المشاركات: 1,741
التقييم: 467
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى محمد الجزار إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى محمد الجزار
New مذكرات المفكر الكبير د.مصطفى محمود


الجزء الأول :
الحلقةالأولى .. بذرة الشك

مذكرات المفكر الكبير د.مصطفى محمود photo.aspx?ID=107129&ImageWidth=240

تمهيد واجب

من كان يصدق ذلك؟
أخيراً بعد عشرين عاماً من الاختفاء وقبل وفاته.. يتكلم.. سأل عنه الناس.. وتكلموا.. ويئسوا.. ثم سألوا.. واندهشوا.. وصمتوا.. تعددت الشائعات فمنها أنه تم إبعاده لأسباب سياسية ومنها أن مرضاً لعيناً أصابه وأجلسه فى البيت، ومن روج أنه ترك عائلته ووطنه وسار هائماً على وجهه فى البلاد يبحث عن اليقين.
أخيراً وبعد عشرين عاماً من العزلة وقبل وفاته.. يتحدث.. ويطل على الناس.. ويروى.
أكثر من أثار الجدل فى مصر خلال القرن العشرين.. وأكثر الشخصيات التى تعرضت للهجوم والشائعات طوال حياته.. أخيراً يتكلم صاحب أكثر الكتب الدينية إثارة للجدل فى القرن العشرين (الله والإنسان) كتابه الأول الذى حوكم من أجله فى شهر رمضان وقد كان بداية لموجة التكفير، التى عانى منها المفكرون فى مصر خلال الخمسين عاماً الأخيرة.

مصطفى محمود.. العالم، المفكر، الفيلسوف، الطبيب، الفقيه، الصحفى، السياسى، الكاتب، الأديب، يتكلم ويروى ويتحدث ويعلم أجيالاً افتقدوا القدوة وبحثوا عنها كثيراً، وحتى الآن لم يعثروا عليها.
ننشر هنا حقائق لأول مرة من خلال مذكراته التى روى منها جزءاً كبيراً وتم استخراج باقى هذه المذكرات من خلال أعماله وكتاباته، وهنا يجيب عن تساؤلات كثيرة ظلت بدون إجابات حول طفولته وجمعية الكفار التى كونها فى الثانية عشرة من عمره وكيف كانت حشرات الصراصير بداية رحلة الشك الطويلة، وهل بالفعل وصل مصطفى محمود إلى اليقين التام وما المنهج الذى استخدمه وكيف كان لوالده تأثير قوى عليه وكيف احتلت ابنته أمل مكانة الأم عنده.. وهل كان الموساد الإسرائيلى سبباً فى فشل زيجاته، وهل كان له يد فى الشائعات التى دارت حوله وهل حاول اغتياله؟
نكشف علاقته بكل من (هيكل.. صلاح حافظ.. عبدالوهاب.. صلاح جاهين.. هتلر.. السادات.. إحسان عبدالقدوس.. لويس جريس.. عبدالناصر.. لوتس عبدالكريم.. بنت الشاطئ.. روزاليوسف.. ماركس والشيوعية).
عن أزمة الشفاعة التى لم تنته حتى الآن يتحدث.. قصة البرنامج الذى كانت تخلو شوارع مصر من المارة أثناء إذاعته.. ولماذا أراد مصطفى محمود أن يصور للناس عذاب القبر بالصوت والصورة؟
أين مصطفى محمود؟
لم يكن اقترابنا منه سهلا أبدا.. هو ناسك فى صومعته الآن.. غير مسموح لأحد بالتطفل أو الاختراق.. لذلك كان السماح لنا بالاقتراب أمراً غير عادى.. ذهبنا فوجدناه ولم نجده.. فقد كان جسده الذى نحل يملأ المكان.. وصوته الذى وهن يخترق سمعنا.. لا يشغله شىء عن قضاياه التى تفرغ لها.. ابتعد عن المشكلات التى تشغل المصريين هذه الأيام.. الفلاسفة دائما لا ينظرون إلى التفاصيل وإنما يرجعون كل المشاكل إلى العلل الكبرى، وعلل مصر والأمة العربية والإسلامية تتلخص الآن من وجهة نظره فى (تدنى الأخلاق، والبعد عن الدين، والفرقة).
اقتربنا منه فى اليوم الذى شهد مولده والعائلة تحتفل بعيد ميلاده الـ٨٨ فى السابع والعشرين من شهر ديسمبر عام ٢٠٠٨.. شاهدناه.. راقبناه.. حاورناه.. جادلناه واستمتعنا بالخصوصية التى خصنا بها هو وعائلته الكريمة.. طفنا فى صومعته الخاصة التى لم تتجاوز شقة مساحتها ٨٥ متراً عبارة عن حجرتين وصالة صغيرة، واجهنا صعوبة شديدة فى التحرك داخل أرجاء صومعته بسبب تلال الكتب المترامية، التى كادت تخفى معالم الجدران.
لم يتغير برنامجه طوال فترة اقترابنا منه فهو بعد الاستيقاظ فى الثامنة صباحاً يتناول وجبة إفطار خفيفة فى السرير «جبنة ومربة وعيش توست وشاى بلبن أو نسكافيه»، ثم يحصل على حمام دافئ، وبعد ذلك يبدأ بقراءة الجرائد، ويحصل على جولة قصيرة ليتابع أخبار العالم أمام التليفزيون، لينكبّ بعدها على كتبه ودفاتره يدون أفكاره مستنداً إلى لوحه الخشبى الشهير «مصطفى محمود لم يجلس على مكاتب أبدا» لا يتوقف إلا لتناول الغداء فى الخامسة والذى لم يتغير أبدا عن السمك المشوى يتلوه تفاحة وموزة، ليستمر فى اجتهاده بين كتب الفلسفة والدين وعلوم الكون، ويحاول تفسير بعض الآيات الكونية التى وردت فى القرآن الكريم ويتناول وجبة العشاء فى العاشرة مساء وهى مثل الإفطار ليواصل اجتهاده إلى الثانية عشرة مساء.
وعن عزلته هذه تقول ابنته أمل إنها ليست بجديدة عليه فقد كنا أطفالاً صغاراً لا نستطيع دخول غرفته.. والذى تغير هذه الأيام أن فترة العزلة قد طالت، لدرجة أنه يظل لأيام لا يتحدث مع أحد، مما يدفعها للقلق عليه فتذهب لتطمئن عليه فتجده فى حالة تأمل وسكون تام أو غرق فى القراءة، وعندما أظهرت قلقها عليه ذات مرة طمأنها وقال: «لا تقلقى على فأنا لا أعيش وحدى فالله معى ولا يتركنى».
إلا أن الأزمة الأخيرة التى أرقدته داخل المستشفى الذى يحمل اسمه، حيث عانى من التهابات شديدة فى قرنية العين.. ربما حسم أمره وقتها وقرر أنه آن الأوان أن يخرج من عزلته ويفتح دفاتر أسراره.

هناك صور لا تنمحى من الذاكرة أبداً مثل:

■ متى فقدت الأمل فى الحلم ورضيت بالواقع؟
■ ما اللحظة الفاصلة بين أنا القديم الحالم الساعى لتغيير العالم وبين أنا الذى صرت
■ فى أى يوم وفى أى ساعة وفى أى لحظه فهمت أن الحلم حلم والواقع واقع أكان ذلك أيام الجامعة أم فى دهاليز المجلة «سنة أولى تدريب» وأنا أرى القيم تتساقط أمامى الواحدة تلو الأخرى على يد أساتذتى الكتاب الكبار الذى كنت أحلم يوماً بالحديث لهم
■ أم حين كفرنى من كفرنى، لمجرد أن اعترضت على شعار الإسلام هو الحل وأشاعوا تنصيرى
■ أم حين شعرت بالغربة لأول مرة عن أهلى وأنا فى بلدى واخترت العزلة؟


l`;vhj hglt;v hg;fdv ]>lw'tn lpl,]

محمد الجزار غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 2010-01-12, 10:02 AM   #2
الصورة الرمزية محمد الجزار
الدفاع الجوى
تاريخ التسجيل: 2009-10-27
الدولة: مصر _ الأسكندرية
المشاركات: 1,741
التقييم: 467
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى محمد الجزار إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى محمد الجزار
الصورة الرمزية محمد الجزار
الدفاع الجوى
افتراضي من مذكرات د / مصطفي محمود الحلقة الثانية

من مذكرات د / مصطفي محمودالحلقة الثانية
الهروب من الطفولة
إن سر القلق:
أننا نعيش بلا دين .. بلا إيمان وأن ديننا هو من الظاهر فقط.. كلمات علىالألسن فى المناسبات وصلوات تؤدى بحكم العادة.. فاعرف نفسك تعرف ربك، أصبحالآن بحكم الوصول لابد من المرونة والتكيف.. حتى لا نصطدم ونشتبك ولابدلنا من المداهنة والمجاملة والتملق واكتساب الناس بالكذب عليهم، لابد أنننافق الذين نكرههم لأن لهم فائدة ونتجنب الذين نحبهم لأنهم يعطلوننا فىالطريق.. بالفعل إن نجاحنا يعتقلنا.. ينتهك حرماتنا وفى الوقت الذى نظنفيه أننا ننجح ونحقق أحلامنا إذا بنا فى الحقيقة نفقد هذه الأحلام.. ونفقدأنفسنا وكل هذا من أجل إشباع حوافز الطعام والجنس وحب السيطرة.

مصطفى محمود

مازالت ذكريات الطفولة تنساب.. حكايات الطفولة غير العاديةلفيلسوف الشرق.. فيقول: «طفولتى كانت غريبة وعجيبة.. كانت لا تستقر أبداأو تعيش على الأرض التى أقف عليها، كانت سلسلة من الأحلام الجميلة والشيقةالتى أغوص داخلها، طفولتى كانت سلسلة من الهروب، هروب من واقعى المريضالعليل أو هروب من مرحلة الطفولة نفسها، التى بطبيعتها ضيقة تحصر الطفلبحكم السن داخل حدود صغيرة جدا،
بينما كانت طبيعتى نفسها أكبر من المرحلة العمرية، فكانت تراودنى أحلامكبيرة وضخمة.. لا تقل فى ضخامتها عن جبال غابات الأمازون التى تمنيتمشاهدتها وتمنيت رحلات للغابات الاستوائية التى كنت أقرأ عنها فى الكتبوالقصص وأظل ساعات طويلة أعيش فى حالة من الخيال الذى يدفعنى لأن أصدقأننى ذهبت إلى هناك فى ثوان معدودة ومارست اللعب مع القرود والغزلانوسارعت بالهروب من الأسود والنمور قبل أن تبتلعنى.. وكنت أترك لقلبىوعواطفى وعقلى العنان.. بلا قيود..
وما شجع هذه الخيالات والأحلام طبيعة المناخ الثقافى الذى عشته وعاشته أسرالطبقة المتوسطة فى هذه الفترة الزمنية فى الربع الأول من القرن الماضى،حيث كنت أداوم على مشاهدة روايات طرازان والسندباد والسندريلا فى أفلامالسينما والتى بسببها كنت أقترض بعض مصروفات إخوتى لأنى أنفق مصروفىبالكامل فى أيام معدودة من أجل مشاهدتها أكثر من مرة وعشقت قصص السندبادوربنسون كروزو وأعجبت بقصة تحطيمه لمركبه ليعيش فى الغابات بين الأشجارالكثيفة والقرود والحيوانات، وتمنيت أن أفعل مثله لأنه ليس هناك أجملوأروع من أن يعيش الإنسان على الفطرة والطبيعة التى خلقها الله بدونتدخلات وعبث البشر بها والتى تفسدها باسم التحضر والتكنولوجيا.
(
ومن الممكن القول بأن المناخ الثقافى لهذه الفترة كان سبب نضوج عقليةمصطفى محمود) ولكنه قال: كان أحد الأسباب فقط، فأبى شكّل الدعم الأكبر فىهذه المرحلة.. فمن المشاهد التى لا أستطيع حتى اليوم أن أنساها أبدا أنهبينما كان الآباء من جيراننا يدخلون بيوتهم وفى يد الواحد منهم كيس منالفاكهة أو الخضار، كان أبى يترك شؤون البيت هذه لأمى، فأبى لم يدخل البيتأبدا وهو يحمل «ربطة فجل»، كان يحمل دائما فى يديه المجلات والكتب..
ولا أنسى عندما دخل وهو يحمل ربطة كتب ومجلات ملفوفة بخيط دوبارة وأعطاهالى بدون أن يذكر لى ماذا أفعل بها.. كنت مازلت طفلا صغيرا وبالتالى كانتالنتيجة المنطقية أن أقوم بتقطيع معظم هذه الكتب، إلا أننى وأنا ألعبوأمرح على بقايا مذبحة الكتب وقعت عيناى على إحدى صفحات مجلة وجدتها تحملصوراً ورسومات شيقة لقصة مصورة.. أعجبتنى جدا.. وأردت أن أعرف باقىالقصة.. ودفعنى عقلى الصغير إلى محاولة إعادة تجميع وترتيب القصة كلها.. وكانت بداية القراءة معى.. وكان هذا ما يريده أبى الذى كان يراقبنى منبعيد، بينما كان من فى مثل عمرى لا يستطيعون حتى الرضاعة.
كما أن هناك مشاهد فى طفولتى لا يمكن أن تنسى أو تنمحى من ذاكرتى فقد كنتأحب وأعشق المدرسة ويوم الجمعة كان يوم الإجازة الأسبوعى من المدرسة، أوكما كنا نسميه يوم المسامحة، وكنت أتمرد على هذه التعليمات وأذهب فىالصباح وأقفز من فوق السور إلى داخل المدرسة حتى لا يرانى الخفير وأتجولفى الفصول حتى يحين موعد أذان العصر ثم أمضى إلى أصدقائى وأقص عليهم أننىكنت فى المدرسة اليوم فيقولون غير مصدقين «اليوم هو المسامحة» فأقول «أنامعنديش مسامحة أبداً»

محمد الجزار غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 2010-01-12, 10:05 AM   #3
الصورة الرمزية محمد الجزار
الدفاع الجوى
تاريخ التسجيل: 2009-10-27
الدولة: مصر _ الأسكندرية
المشاركات: 1,741
التقييم: 467
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى محمد الجزار إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى محمد الجزار
الصورة الرمزية محمد الجزار
الدفاع الجوى
افتراضي

ت : الحلقة الثانية :
وكان أحب الأيام لقلبى عندما أرتدى الزى الجديد فى أول يوم دراسى والأيامالتى كنت فيها أقود مراكبى التجارية إلى الهند أثناء تساقط الأمطارالغزيرة بمنتصف فصل الشتاء فى فناء المدرسة فقد كنت أصنع مراكب من الورقوأسيّرها فى المستنقعات الصغيرة والبرك التى خلفتها الأمطار وأتخيل أنهاذهبت إلى الهند وأنى أقودها وأثناء الرحلة تقابلت مع الهنود ونشبت بينىوبينهم صداقة حميمة وعشت مع البسطاء فى أكواخهم الموجودة فى أعالى الجبالوركبت الفيل وتجولت به وسط الغابات،
وبعد انتهاء الرحلة عادت وهى تحمل ملابس وطرحاً هندية جميلة وعاجاًوسواكاً وبخوراً ولكن كما كانت هذه القصص الغريبة والعجيبة وغيرها سبباًفى شعورى بالسعادة وأننى أختلف عن الآخرين.. كانت سبب متاعبى المستمرةلمدى غيرة أصدقائى منى لأننى لا أشاركهم ألعابهم وصراعهم وتصوروا أننىأتكبر عليهم رغم أنى كنت أكن لهم كل الحب والتقدير ولكنى طفل ضعيف لا أقوىعلى مسايرتهم وممارسة ألعابهم.. وهنا وجدنا أن هناك سؤالاً مهماً وهو: لماذا يذكر مصطفى محمود أحلام طفولته بهذا الكم الهائل من التفاصيلوالأماكن؟
ووجدنا الإجابة.. لأنه هنا يظهر الفرق عند الدكتور مصطفى محمود.. فهذهالتفاصيل هى الخلاصة بمعنى أنه ما من طفل لا يحلم لكن لا يضع كل الأطفالأمامهم هدفاً لتحقيقه.. أما مصطفى محمود فهو لم يترك حلماً واحداً إلاوحققه فيما بعد.. مثلا أحلامه بزيارته للهند والتى حققها فيما بعد عندماسافر للهند وأقام هناك فترة طويلة تعلم فيها معظم أسرار الحضارة الهنديةمثل الفنون والعبادات الهندية.. وأحلامه عن الغابات الاستوائية وحبهللحياة الأولية للإنسان (الفطرية) وهو ما حققه بالفعل فيما بعد فى زيارتهالشهيرة إلى وسط أفريقيا والتى عاد منها سيرا على الأقدام.
ولكن زاد حنقهم وحقدهم على أن يواصل حكاياته عندما علموا أنى غارق فى قصةحب تجاه فتاة كانوا يتقاتلون عليها، وقد كنا نتجمع أنا وأصدقائى وأبناءالجيران فى بير السلم وكان معظمهم أصدقائى فى المدرسة وجيرانى فى شارعالحلو بطنطا ونتبارى لإبراز مواهب كل منا وكانت تجلس معنا تلك الفتاةناصعة البياض ذات الشعر الأشقر ابنة الجيران «عدلية» وكانت جميلة جداوعمرها تسع سنوات ووالدها يعمل معاون إدارة زراعية وكانت تبهرها مواهبىالتى تفوقت وتميزت بها على أبناء الجيران وأى طفل آخر فى عمرى،
فقد كنت أغنى وأقرأ القرآن بصوت يشبه صوت الشيخ محمد رفعت - كان صوتىجميلا- وبعدها علمت أنها تبادلنى نفس الشعور بعد أن قبلتنى أول قبلة فىحياتى فى خدى تحت بير السلم، كنت أحكى لهم جميعا– ولها بالذات- حكايات منوحى الخيال فقد كانت تجلس ككليوباترا أو نفرتيتى بيننا وتطلب من كل طفل أنيحكى قصة من بنات أفكاره لترى من يستحق حبها وكانت حكايتى هى التى تفوزدائما وبعد أن أنهى حكايتى كانت تنظر إلىّ نظرة لم أنسها حتى الآن.. نظرةانبهار..
وأقسم بأننى لا أعرف كيف كانت تأتينى أفكار هذه القصص والحكايات ولكننىاكتشفت أن حبى لها هو ما كان يدفعنى لأتفوق على باقى الأطفال ودائما كنتأحمد الله لأنها تختار أن تسمع قصصاً وذلك لأنها إذا طلبت أن نتبارزونتصارع لتعرف مدى قوتنا ومن يستحق حبها فكنت سأخسر المنافسة لا محالة،وعلى مدى الأيام والشهور كنت أولع بحبها وازداد إعجابها بى وعندما أردت أنأهديها شيئاً فكرت كثيرا وكنت أسأل إخوتى الذين علموا بالأمر، الذى صارحديث أطفال الشارع والمدرسة جميعا وأطلقوا عليه «قصة حب محمود وعديلة» ولكن استقر رأيى فى النهاية على نوع الهدية، الذى كان كتاباً يحتوى علىأشعار فى الحب وبعدها بأيام قليلة وجدتها تهدينى أول هدية حصلت عليها فىحياتى من الجنس الآخر وكانت عبارة عن «فيل عاج صغير» وفرحت به جدا لأنىكنت - كما ذكرت - أحب الحيوانات.
ولأن عديلة كانت جميلة جدا فكان صعباً على جميع الأطفال الذين فعلواالمستحيل من أجل أن تنظر إليهم نظرة واحدة أن يصدقوا أنها فضلتنى عليهم،وكانوا كلما شاهدوا هذا الحب فى عيونى أو عيونها يُجنّون، وشرعوا فىمضايقتى بأن يرددوا عبارة «من همه بيحب أد أمه» وذلك لأنها كانت تكبرنىبسنتين، وفى النهاية اتفقوا مع بعضهم ولم يجدوا طريقة لكى يخلصوا منى سوىأن يضربونى علقة ساخنة ونفذوا اتفاقهم عند عودتى من المدرسة ولم يكتفوابذلك بل أصدروا «فرمان ومرسوم عيالى» بعدم دخولى الشارع ولكن تدخلتالمفاوضات التى رضخوا لها بصعوبة شديدة بعد تعهدى بأن أبتعد عنها ولاأحاول رؤيتها وأنا ضعيف لا حول لى ولا قوة ولا أستطيع أن أحاربهم فى لعبةالضرب والحرب، وعاش معى هذا الحب فترة تجاوزت السبع سنوات رغم كل محاولاتخصومى من الضرب والطرد والتهجير من الشارع، أى أنك تستطيع أن تقول إن حبىالأول هذا قد انضم إلى رفاق الطفولة الأخرى مع القصص والكتب والمجلاتوالأفلام.
ثم دخلت الثانوية أو كما كان يطلق عليها التوجيهية وبدأت القراءة تؤتىثمارها.. فقد بدأت فى كتابة الشعر والقصص والروايات وظهرت اهتمامات أيضابالعلوم لدرجة أنى أنشأت معمل اختبار داخل بدروم المنزل وأغرقت نفسى ليلنهار فى التجارب العلمية والتى كانت ستودى بحياتى أكثر من مرة بسبب حدوثبعض الحرائق وانفجارات صغيرة كل فترة.. وأغرقت نفسى بالعلوم التى كنتشغوفا بها مثل الكهرباء والبطاريات وجهاز التقطير والميكروفون والرسم علىالورق وتنفيذ اختراعات لأجهزة، أى أننى كنت لا أرتاح فى فترة الإجازة وهوما دفع والدى إلى أن يبيع هذا المعمل لخوفه على..
وأتذكر أننى كنت أتمنى دائما زيارة الغابات الاستوائية التى رأيت صورهالأول مرة داخل كتاب الجغرافيا الذى درسناه فى السنة الرابعة بالثانوية وقدتصفحت هذا الكتاب الكبير باهتمام شديد أكثر من عشر مرات، وعندما كان يسألالمدرس فى مادة الجغرافيا كان الجميع يقولون لن يستطيع أحد أن يجيب غيرمصطفى محمود فهو يعلم موضع كل حرف داخل الكتاب حتى إننى حصلت على سمعةكبيرة فى المدرسة بأننى محب لمواد الطبيعة والجغرافيا والعلوم «وهذا كانسبباً فى أننى كنت الأول على المدرسة فى الثانوية» وقرأت كثيرا عن أفريقياوبصفة خاصة جنوب السودان ونيجيريا ولم اكتف بذلك بل كنت أنزع صور القرودوالحيوانات الأفريقية لأزين بها حجرتى بدلا من كبار الفنانين والمطربينونجوم الكرة وأبطال الرياضات المختلفة التى كان إخوتى يعلقونها داخلحجراتهم.
وبعد تفوقى فى المرحلة الثانوية التحقت بكلية الطب جامعة القاهرة التىكانت دراستها قاسية وتحتاج إلى مجهود مضن إضافة إلى اعتراض أهلى الشديدعلى هذا الأمر لكونهم كانوا يرغبون فى التحاقى بكلية الحقوق- التى كانتتخرج الوزراء والباشوات وقتها- وتحملت كل ذلك لأنه كان لى أهداف أخرى مندراسة الطب غير أن أكون طبيبا.. فكما ذكرت فى السابق أن رحلتى من الشك إلىالإيمان أو اليقين صاحبتنى فى سن صغيرة..
الشك ظهر لأنى أريد أن أفهم ما يدور حولى، لم يكن طبيعيا أن يتقبل عقلى كلالأشياء والمعتقدات المتوارثة بسهولة.. مثلا مثالى الشهير الذى ذكرته منقبل هم علمونى وأنا صغير أن كل (مخلوق) فى الدنيا له خالق.. كل مصنوعوموجود له من صنعه ومن أوجده.. فكنت أنا أتساءل فى عناد: إذا كان كل شىءله خالقه فمن خلق الله ومن أوجده؟.. فإذا أجبتمونى بأنكم مؤمنون بأنهموجود بذاته فلماذا لا تؤمنون بأن أى شىء آخر مثل الدنيا قد أتى بذاته..
طبعا أنا ذكرت من قبل أن هذه الطفرات الذهنية وهذه المناطق المعقدة كنتأصمم عليها ليس من قبيل الزهو بعقلى وأفكاره المتطورة ولكن من أجل أن أصلإلى يقين يزيد من إيمانى.. وكانت أفكارى أو أسلوب تفكيرى أحد أسباباختيارى لهذه الكلية وهو ما تحقق بالفعل فيما بعد.. فبعد أن تعرفت علىالبكتريا التى تسبب الأمراض.. وكيفية علاجها.. وبعد وقوفى أمام الجثثالموجودة داخل المشرحة بالساعات.. وجدت نقطة البداية للإجابة عن كل مايدور فى فلك الحياة وكل ما يدور حولى وعرفت جيدا من أين جئنا وإلى أينسنذهب وكان الوقوف أمام الموت فى المشرحة البداية الحقيقية للإيمان..
ومن المضحك أن لهذا السبب تعلقت بشدة بالمشرحة، فقد كنت أول طالب يدخلهاوآخر من يغادرها، وفى يوم من الأيام كنت داخل المشرحة ولم أشعر بالوقتوأغلقوا على أبوابها دون أن أشعر أو يشعروا بوجودى ولكنى عندما انتهيت منالعمل ووجدت الأبواب مغلقة وكان الجو بارداً جدا ناديت على الحراس بأعلىصوتى لمدة ربع ساعة حتى سمعونى وفتحوا لى الأبواب وصارت القصة تتردد داخلأرجاء الكلية فى اليوم التالى: وبسبب تلك القصة أصدر عميد الكلية تعليماتللأمن بأن يتفحصوا المشرحة جيدا قبل غلقها وفوجئت عند دخولى المدرج ذاتمرة متأخرا وكان الدكتور صادق يشرح للطلبة بأن قال لى ادخل يا «مشرحجى» ومن بعدها وجدت الجميع يطلقون علىّ لقب المشرحجى .. وتعلقت بالتشريح وبهذاالعلم العجيب..
وأتذكر أننى من عشقى للجثث والتشريح قمت بشراء جثة إنسان ميت بـ٥٠ قرشاوحملته بصعوبة وكان وزنه ثقيلا لأنه تغمره مادة الفورمالين التى تحفظالجثة من التآكل أو إصدار رائحة كريهة.. وذهبت إلى المنزل وأنا سعيد جدابالجثة التى أحملها وبمجرد دخولى حجرتى وضعتها فى حوض من الفورمالين لكىينشفها وعندما شاهدتنى أمى «رقعت بالصوت» وأصابها الهلع والخوف وفقدتالوعى وأسرعت لها وعندما فاقت صرخت فى وجهى «إيه المصيبة اللى انت جايبهاالبيت دى؟.. بنى آدم ميت.. حرام عليك.. حرام عليك.. ترضى لما أموت حد يعملفىّ كده..
ويبقى إيه العمل لو أهله راحوا المقابر وملقوش جثته» فضحكت مما قالت وقبلتيدها أطلب منها السماح لأنى تسببت فى فزعها وقلت لها سامحينى يا أمى لابدأن أذاكر على هذه الجثة دروس التشريح طوال إجازة الصيف لكى أنجح بتفوق،وبعد ساعات من المحاولات بإقناعها بأن هذا لصالحى وافقت على أن تبقى الجثةفى البيت ولكن على شرط أن أقوم بتنظيف حجرتى بنفسى طوال فترة وجودهابالبيت لأنها لن تقترب منها ووافقت وأغلقت على باب حجرتى ووضعت تحت سريرىجثة إنسان رجل ميت عاش معى أربعة أشهر طوال فترة إجازة الصيف وكنت كل يومأقوم بوضعها على منضدة التشريح وأتدرب عليها وأدرس كتب التشريح وبعدالانتهاء أضعها تحت السرير فى الحوض الملىء بالفورمالين
وبعد انتهاء فترة إجازة الصيف أصبحت لا أحتاج للجثة المهلهلة من العمل بهاطوال أربعة أشهر فقمت ببيعها لأحد أصدقائى بـ١٥ قرشاً ولكن رائحةالفورمالين التى ظللت أشمها طوال أربعة أشهر تسببت لى فى أزمة صحية حيثظللت بعدها سنوات طويلة أعالج من النزلات الشعبية.. فالجثث والمشرحة لهافضل كبير فى تغيير طريقة تفكيرى..
وذلك لأن المفكر الحقيقى لا يجب أن يؤمن بالأشياء على طول الخط أو يكفربها على طول الخط ولكنه بطبيعته يعيد النظر دائما فى الأشياء ويصححالأخطاء مهما كانت ودائما يختلف المفكرون عن الذين ينظرون للأشياء بنظرةقلبية بلا أى شك لأن كل شىء من حولهم معرض للشك حتى يثبت له العكسوالإنسان الطبيعى والعادى حين يبدأ مشواره ورحلة الحياة فهو يبدأبالمسلمات الأولية التى أمامه مباشرة وليس أى شىء آخر ولا يشغل تفكيرهبـ«لماذا وكيف ومتى» ولكن الأشياء التى تقع تحت حسه هى التى يراها ويسمعهاويتعلم منها ولكنى تمردت على كل هذه الطريقة التقليدية والروتينية وبدأتفى طرح الأسئلة التى كنت دائما لا أجد إجابة عنها فرغم انهماكى فى موادكلية الطب إلا أنه كان يشغلنى دائما البحث عن إجابات لأسئلتى.. فى البحثعن اليقين.
لم يمنعنى كل هذا عن ممارسة هوايات كنت أحبها فقد كنت منذ الصغر أحبالموسيقى وكان صوتى جميلاً ووجدت أن الكثير من الفنانين تخرجوا فى كليةالطب ومن الممكن أن نرجع السبب فى كل ذلك إلى أن الأطباء دائمو الوقوفأمام الموت وهم أقرب إلى الميت من الآخرين فيرون كل يوم بأعينهم الموت وهويقبض أرواح البشر فى الوقت الذى يفر فيه الجميع منه ويهرولون حتى الأقاربوأقرب الأقربين والأصدقاء فى حين أن الطبيب الذى يعد أشجع إنسان تأتى بهالبشرية هو الوحيد الذى يواجه الموت ويحدق فى عينيه متحديا ومحاولا إنقاذالمريض هذا فضلا عن أنه الوحيد الذى يحضر ميلاد الإنسان ورحيله
وأول من يستقبل الإنسان فى الوجود وأيضاً آخر من يودعه من الوجود وبالفعلهى لحظات رهيبة تكون قادرة على أن تخرج من داخلنا مارداً كبيراً اسمهالكاتب والموسيقار والشاعر والراقص وقد ولد الفنان داخلى قبل هذه الظروفمنذ أيام والدى الذى عشقته وكان مصدر الإلهام الأول فى حياتى فقد كان يحولبصوته الجميل الأرقام الحسابية إلى نغمات جميلة وهو يقرأ ويراجع أعمالوحسابات الموظفين ولكنى ترجمت مشاعرى الفنية إلى أشياء واقعية وملموسةداخل مقام السيد البدوى بطنطا الذى نشأت بجواره وفى رحابه مع حلقات الذكروالتواشيح الدينية والابتهالات الصوفية والطبل والدفوف التى تصاحب أهلالذكر وبعد ذلك بدأت أعشق العزف على الناى فى شباك غرفتى أثناء الظلاموالسكون والهدوء الذى يسبق دخول الطائرات وسماع دوى صوت القنابل وانفجاراتغارات الحرب العالمية الثانية وكنت أشعر بأن هذا أنسب وقت لأخرج من داخلىمارد عازف الناى دون أن يراودنى شعور الخوف والاختباء فى الخنادق التى كانيسارع الناس إليها فى ذلك الوقت وكنت فى هذه الأيام بنهائى كلية الطب.
وقد شاء القدر أن أتعرف على الأسطى عبدالعزيز الكمنجاتى والراقصة فتحيةسوست وكانا أصحاب فرقة لإحياء الأفراح والطهور واتفقا معى أن أنضملفرقتهما ووافقت دون مقابل مادى وهذا ما أثار دهشتهما ولكنى قلت لهما أناأهوى العزف فقط ولا أنوى احترافه، كان لا يجب أن أخبرهما بالسبب الحقيقىكنت أفضل أن أحتفظ به لنفسى.. فقد كنت فى ذروة انفعالى التفكيرى.. عدماليقين بأى شىء نهائى– أنا كنت أحتاج أن أخوض التجارب، كل شىء أجربه وأحكمعليه.. وكان يأتى إلى البيت الأسطى عبدالعزيز وعندما تفتح له والدتى يقوللها قولى للدكتور الليلة فيه فرح فى درب البغالة أو فى الأنفوشى أو فىالسيدة وكانت والدتى تنزعج جدا وكانت تعنفنى وتغضب لما أقوم به ولم تستوعبأنى أريد أن أترك نفسى للتجارب والبحث عن اليقين.
وفى أحد الأيام حدث شىء طريف للغاية لم أنسه حتى الآن وكنت دائما أحكيهلأولادى ونضحك كثيرا من طرافة الموقف، حيث كنت أعزف مع الفرقة فى أحدالأفراح الذى كنا نحييه على سطح أحد المنازل بالأنفوشى وصادف أنه كان هناكمجموعة من الشباب يشاهدون الفرح من على السطح المقابل لهذا المنزل وفوجئتبأحد زملائى فى الكلية لا أتذكر اسمه يقف بينهم ويقول لى وهو ميت من الضحك «الله يا دكتور.. سمعنى يا دكتور.. اشجينى يا دكتور.. حلوة أوى الحتة دىيا دكتور.. يا سلام يا دكتور.. عشان خاطر الرقاصة عدها تانى» وتوقعت أنالمسافة من الإسكندرية للقاهرة ستمنعه من الحضور وإبلاغ أحد ولكنى فىاليوم التالى عندما ذهبت إلى الكلية وجدت أن طلبة كلية الطب ليس لهم حديثسوى هذا الموضوع وطبعا سمعت «تلقيح وكلام زى السم» وتردد بأن مصطفى محمودكان يحيى فرحاً بالأمس فى الأنفوشى بالإسكندرية حتى وصلت القصة إلىالدكتور صادق وكنت أحترمه وأقدره

وهو من أطلق على لقب المشرحجى وطلبنى فى مكتبه ودار بيننا حديث ونقاش طويليحاول أن يقنعنى بأن هواية عزف الناى شىء جميل ولكن لا يليق بى وأنا علىوشك التخرج فى كلية الطب وسأصبح طبيباً أن أحترف العزف فى الأفراح ولكنىشرحت له وجهة نظرى فلم يقتنع وخرجت من عنده لأجد الأسطى عبدالعزيزالكمنجاتى يطلبنى لفرح جديد.. ووافقت.. وعزفت بعد ذلك فى أفراح كثيرة.
محمد الجزار غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 2010-01-13, 01:38 PM   #4
الصورة الرمزية محمد الجزار
الدفاع الجوى
تاريخ التسجيل: 2009-10-27
الدولة: مصر _ الأسكندرية
المشاركات: 1,741
التقييم: 467
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى محمد الجزار إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى محمد الجزار
الصورة الرمزية محمد الجزار
الدفاع الجوى
افتراضي

مذكرات د.مصطفى محمود ( الحلقة الثالثه()
الحلقة الثالثة.. حكايتى مع الموت
ياصاحبى ما آخر الترحال؟ وأين ما مضى من سالف الليالى؟ أين الصباح وأين رنةالضحك؟! ذابت كأنها رسم على الماء.. أو نقش على الرمال.. كأنها لم تكن.. كأنها خيال.. على متاع كله زوال.. على مسلسل الأيام والليالى فى شاشةالوهم ومرآة المحال..
إلهى يا خالق الوجد من نكون.. من نحن.. من همو.. ومن أنا. وما الذى يجرىأمامنا.. وما الزمان والوجود والفنا.. وما الخلق والأكوان والدنا.. ومنهناك ومن هنا.. أصابنى البهت والجنون..
ما عدت أدرى وما عاد يعبر المقال.
صمتالدكتور مصطفى محمود طويلاً عندما طرحنا عليه سؤالاً عن بداياته الحقيقيةللكتابة والصحافة والأدب الذى خرج بشكل واضح فى مؤلفاته من رواياتومسرحيات وكتابات فكرية ونقدية فتنفس الصعداء ونظر فى الأفق البعيد..
وقال كان أول كتاب أتعلم منه قواعد الكتابة ومبادئ القصة هو القرآن الكريموما حمل من قصص الأنبياء والرسل، والذى اهتممت بتناوله بشغف منذ أن تعلمتالقراءة والتى تعلمتها قبل أن أتعلم أو أتمكن من الكتابة،فقد كانت القراءة فى حياتى تسبق الكتابة، ومنه كانت البداية، وقد كان أولقارئ لكتاباتى وناقدى الوحيد هو صديق الطفولة فرج، وهو كان صديقى الوحيدبالرغم من أننى كان لى زملاء كثيرون، ولكن الأصدقاء أنتقيهم عملاً بحديثرسول الله الذى كان يردده والدى على مسامعنا أنا وإخوتى «المرء على دينخليله فلينظر أحدكم من يخالل» وقد ظل فرج صديقى الوحيد ولم نفترق حتى بعدالتحاقه فى المرحلة الثانوية بمدرسة الصنايع العسكرية والتحاقى أنا بمدرسةطنطا الثانوية ولم نفترق لأننا كونا مصنعاً صغيراً، فقد كنت شغوفاًبالكمياء والطبيعة وكان هو يجيد صناعة القوالب من الصلب والنحاس وخلافهمامن المعادن فوجدت أننا فريق يكمل كل منا الآخر،
وأتذكر أن فى تلك الفترة الزمنية كانت المدرسة مع بداية العام الدراسى قدقامت بتسليمنا محتويات معمل صغير للكيمياء، وعلى كل طالب أن يقوم بدفع
مبلغ تأمين، ويقوم أيضاً برد المعمل إلى المدرسة فى نهاية العام والحصولعلى مبلغ التأمين، ولكننى لم أرد المعمل مرة أخرى ووضعته فى بدروم البيت،وقمت بتجاربى المعملية الفاشلة فى أحيان كثيرة، كما ذكرت قبل ذلك، والتىكانت تتسبب فى تمزيق ملابسى الجديدة والقديمة وكنت أفاجأ بأمى تصرخ فىوجهى وتقول: «إنت مش خايف إنك تموت من اللى انت بتعمله دهوبالطبع كان فرج يصاحبنى فى تلك التجارب المعملية بمحتويات معمله من مجمرةوالتخمير، وكانت هناك تجارب معملية ناجحة وقمنا من خلالها باستخراج العطوروالروائح الجميلة ومبيدات قاتلة للصراصير، تلك الحشرة الضئيلة التى كنتومازلت أكرهها بشدة، وكانت هناك أيضاً تجارب معملية فاشلة ترتب عليهاالانفجارات التى جعلت أبى يقوم ببيع المعمل خوفاً على من الموت المحتومالذى كان يطاردنى، ويطارد فرج مع كل انفجار وكما ذكرت كان فرج هو القارئالوحيد لكتاباتى،وفى أحيان كثيرة كان يشير إلى أن أغيّر من مضمون قصة وتحويلها من اللامنطقإلى المنطق حتى يتقبلها عقله، وأيضاً مرحلة النشر لما أكتب كانت مرحلةمبكرة فقد بدأت منذ أن كنت أقضى رحلة فى مصيف بورسعيد، وأرسلت إلى أخىمختار خطاباً أتكلم فيه عن الأيام التى أقضيها فى المصيف، وقد كان صديقأخى وقت ذاك محمود محمود الصياد الذى أصبح من نجوم تجويد القرآن الكريمبعد ذلك، وقرأ الخطاب وقال لأخى إن أخاك مصطفى سيكون له شأن كبير فى مجال الكتابةوالأدب، وكانت شهادة فرحت بها كثيراً عندما أبلغنى بها أخى، والمرة الأخرىالتى خرجت فيها كتاباتى إلى النور قبل أن أتخطى المرحلة الثانوية عندماأعلنوا فى مدرسة طنطا الثانوية عن مسابقة باللغة الإنجليزية وكان موضوعهايدور فى عن كتابة قصة عن أكثر الأحلام رعباً، وكانت مفاجأة أن أحصل علىالجائزة الأولى التى كانت عبارة عن «خمسين قرشاً وشنطة مدرسية» وكان الحلمالذى ساعدنى فى الحصول على هذه الجائزة التى كانت كبيرة جداً فى هذهالأيام أننى كنت مريضاً ودرجة حرارتى منخفضة وضربات قلبى ضعيفةولذلك استدعت أسرتى الطبيب وكان ثقيل السمع عندما وضع السماعة على صدرى لميسمع نبضات قلبى فظن أننى فارقت الحياة فتوجه إلى الأسرة بوجه شاحب يتصببمنه العرق قائلاً البقاء لله لقد مات ذلك الولد المسكين وما كان إلا أن «رقعت» أمى بالصوت وحزن جميع أفراد العائلة على فراقى وكفنونى ووضعونى فىالنعش ولكننى استعدت وعيى بعد وقت قصير وفتحت عينىّ لأجد نفسى فى ظلمةدامسة وملتماً بالكفن فشعرت بالرعب الشديد لما أنا فيه وثارت فى ذهنىأسئلة متعددة وكان بينها: أين أنا؟ وكيف سأخرج من هذا النعش؟ وعندمااستعادتنى الأسرة كانت فرحة بلا وصف وربما كان هذا الحادث داعيا لأنيطلقوا على لقب الممسوس أو الملبوس وسهل لى لقب المشرحجى فيما بعد.

وكان هذا الحادث إضافة لحادث وفاة أخى التوأم سعد الذى توفى قبل أن أراهضمن عدة أحداث كانت محفورة داخلى وساهمت فى تشكيل أفكارى، ومنذ أن تناولتذلك فى قصة «أغرب حلم مرعب» وأنا مؤمن بأن الموت هو الحقيقة والخلاص منهذا العالم وأن التابوت ليس الصندوق الخشبى الذى يحمل بداخله الموتى أو «الحجرى» فى العصر الفرعونى الذى تحفظ به المومياوات ولكنه يمثل الجسدالذى تسكن بداخله الروح وبمجرد خروجها يصبح هذا التابوت فارغاً وينتهى كلشىء.التحقت بكلية الطب، وخلال الدراسة مارست مجموعة من المواهب الخاصة بجواردراستى بها كالغناء وعزف الموسيقى فى الأفراح كما ذكرت قبل ذلك كالناى،والعود الذى ذهبت إلى مدرس ليدربنى للعزف عليه، ونشرت بعض كتاباتى الأدبيةبالجرائد والمجلات، ولكن كل هذه الأمور كان صعباً على أسرتى تفهمها خاصةوالدتى بعد أن أصبحت مسؤولة عن البيت ومن فيه بعد وفاة أبى حيث كنت أصغرالعائلة سناً وأكثرهم محبة للنكتة والضحك فكنت محبوباً من جميع إخوتى سواءأشقائى أو والدتى،وكانت أمى تصرخ فى وجهى وتقول «إنت هتموت نفسك بنفسك.. هو انت صحتك حمل كلده» وكنت أشفق عليها خاصة وأنا أرى فى عينيها نظرات الخوف علىّ ولكنى كنتأتصرف بوازع من الرفض الداخلى الذى أتصرف به تجاه المسلمات، كذلك من أجلالتميز والتفرد واكتشاف الجديد، فقد كانت رغبة جامحة لا يستطيع أحد أنيتصدى لها، وفى إحدى هذه الثورات المتكررة من والدتى اكتشفت أننى يجب أنأنسحب وأعيش فى حياة مستقلة لأننى لا أستطيع أن أمارس ما أريد بمنتهىالحرية فقمت بتحضير حقيبة ملابسى فى إصرار على الرحيل ولم يستطع أحد أنيقنعنى بالرجوع عن قراراتى التى كنت اتخذتها بعد تفكير طويل فتركونىمتمنين أن أوفق فيما أريد.. تركونى لأواجه مصيرى، فذهبت أبحث عن بنسيون مناسب لإمكانياتى الماديةالمحدودة والمتواضعة حتى وجدت «بنسيون بسيط» فى حلوان فقمت بتأجير حجرة بهوعملت محررا صحفياً بإحدى المجلات، وكان يجب أن أعيش حياتى بطريقتى، وليسبالطريقة التى يعيشها الصحفيون، وبدأت مرحلة عجيبة وغريبة وجديدة وقاسيةجداً فى حياتى، فقد عملت بعد ذلك محرراً صحفياً بجريدة «النداء» براتباثنى عشر جنيهاً شهرياً، وهى جريدة وفدية وكان يملكها ياسين سراج الدين،ووجدت أننى أعيش حياة الصعلكة التى يعيشها معظم الراغبين فى العمل بمهنةالصحافة فى بداية حياتهم وما لبثت إلا أن ظهرت ضريبة قراراتى وكل هذاالعناد بإصابتى بمرض «التيفود»، ودخلت مستشفى الحميات بالعباسيةوما إن أفقت من غيبوبة المرض حتى وجدت أخى مختار على رأس السرير الذى أناطريح فوقه يقول لى «أدى أخرة المشى البطال وعدم سماع النصيحة والعناد.. خفبسرعة عشان ترجع البيت.. أمك هتموت عليك» وقد كنت فى ذلك التوقيت قد قضيتخارج البيت حوالى عام كامل، ولكننى تعلمت من هذه التجربة الكثير والكثير،وكان أهم ما خرجت به أن العمل بالصحافة دون الحصول على شهادة أو وجود مصدررزق آخر تصاحبه أحلام المؤلف والأديب لا يكفى،خاصة أن المادة التى يحصل عليها الصحفى بعد عناء ويقوم بكتابتها يمكن أنيراها تزال أمامه وتحجب من النشر بمجرد ظهور إعلان مفاجئ لأمواس حلاقةأوروج أو دواء أسبرين، ووجدت أن مواصلة دراستى فى الطب الذى انقطعت عنه سنةكاملة وتعلم كيف أعالج المرض أكثر فائدة، ووجدت أيضاً أن فى عالم الصحافةالأحلام فى اتجاه، والأدب والمجد فى اتجاه، والهلس الصحفى فى اتجاه آخر،ومن الممكن أن يضيع عمرى فى أشياء لا تغنى ولا تسمن، وأننى لابد أن أنهىدراستى بالطب، وبعد ذلك أمارس الأدب والكتابة وأنه سيختلف الأمر بين أنأكتب وأنا لا شىء، وبين أن أكتب وأنا طبيب.ومرت سنوات وأصبحت معروفاً بين الوسط الصحفى وأصبح لى أصدقاء من بينهمكامل الشناوى، الذى قال لى بعد ذلك فى أزمة كتابى «الله والإنسان» جملتهالشهيرة «إنت بتلحد وانت على سجادة الصلاة» وكان كامل الشناوى صاحب فضلكبير علىَّ، حيث كان أول من قام بنشر كتاباتى ومقالاتى فى «آخر ساعة»،وكنت أقوم بالإمضاء عليها بالحروف الأولى من اسمى «م.م» وأتذكر فى هذهالفترة أن صديقى العزيز أنيس منصور، كان يقوم ببعض المعاكسات معى، حيث كنتأنتهى من كتابة مقالى بتوقيع «م.م» فكان هو ينتظر حتى ينتهى الجميع منأعمالهم ويذهبوا، وينزل إلى المطبعة ويغير الإمضاء إلى «م.ع» وكنت عندماأقرأ المقال فى اليوم الثانى أفاجأ بالتغيير فأغضب مما حدث،وعندما أذهب للتعرف على حقيقة ما حدث أعرف أنه أنيس، كنت أقول له «يا أخىيعنى إنت مستكتر علىَّ حتى الحرف»، وكان يضحك وأنا أضحك من أعمالهالجهنمية، وهنا يغوص مصطفى محمود فى موجة من الضحك، ويقول: أنيس منصور منالشخصيات التى اتفقت معى فى بعض أفكارى وهو من أصدقائى الذين أحببتهم منذبداية عملى الصحفى فى جريدة «المسائية» وهى الجريدة التى أنشأها كاملالشناوى وفى بداية إنشائها استقلت من «آخر ساعة»، وذهبتُ معه أنا ومجموعةمن الأصدقاء وهذه الجريدة لم تستمر أكثر من شهر،وفى هذه الفترة كان كامل الشناوى دائم القول بشأنى وبشأن يوسف إدريس «إنتممش طلبة كلية الطب.. إنتم طلبة كلية طب الجميلة»، فى إشارة لكلية الفنونالجميلة، وأتذكر الشناوى رحمه الله، وكأننى أشاهده أمامى، وهو يضحك عندماذهبت إليه فى يوم من الأيام لأدعوه لحضور حفل تخرجى فى كلية الطب، وكانيقول «بقيت دكتور؟ مش معقول.. أنا مش مصدق.. صحيح الروشتة اللى كتبتها مرةلأبوالعنين وكان أحد أصدقائنا وراح يصرفها وجد أنها أمواس حلاقة» ولبىدعوتى وحضر حفل التخرج فى كلية الطبوكان يقول وهو يضحك أنا مُصّر إن الموضوع ممكن يطلع نكتة صحفية كما أننىأثناء عملى فى مجلة «صباح الخير» قمت بتأليف رواية «المستحيل» ونشرتهاحلقات مسلسلة وزرت بعد ذلك كامل الشناوى فى مكتبه فقال لى متى سنقرأالرواية كاملة فى كتاب فقال عندما نجد الناشر لأن الناشرين فى تلك الفترةكانوا لا يدفعون مبالغ مجزية لأن القراء كانوا يفضلون قراءة الصحفوالمجلات أكثر من الكتب وقد سبق أن قمت بطباعة كتب على نفقتى الخاصة.وواكب تخرجى أحداث ثورة يوليو ٥٢ وصدور مجلة التحرير وكان يرأس تحريرهاثروت عكاشة وبدأت أكتب بها وكان يكتب معنا حسن فؤاد ومجموعة كبيرة منالرسامين والأدباء الذين جمعتنى بهم صداقة متينة بعد ذلك ولا أستطيع أنأقول إن عملى بالصحف مع كامل الشناوى فى الصحيفة المسائية التى لم تستمركما ذكرت أكثر من شهر أو فى آخر ساعة إلا أنه كان عملاً مؤقتاً فى بلاطصاحبة الجلالة، إنما بدأ عملى الفعلى بالصحافة فى «مجلة التحرير» وفى التوقيت نفسه بدأت أمارس مهنة الطب فى بعض المستشفيات الصغيرة إلى أناستقر بى الحال فى مصحة ألماظة للحميات التى هيأ لى العمل بها إلى العزلةلموقعها الجغرافى آنذاك كان فى الصحراء التى تتسم بالهدوء والتأمل وكانتكل هذه الظروف داعية لأن يولد الأديب والمفكر والفيلسوف الكامن بداخلىفخرج فى أول أعمالى «الله والإنسان» الذى أثار جدلاً واسعاً سنتكلم عنهبالتفصيل فى حلقة قادمة وداخل هدوء الصحراء وبين عنابر المرضى خرج كتابى «عنبر ٧» وبين رائحة المرض والأدوية والدم خرج كتابى «رائحة الدم» وكذلككتب «أكل عيش» و«شلة الأنس» و«العنكبوت و«لغز الموت»...




محمد الجزار غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 2010-01-16, 04:47 PM   #5
الصورة الرمزية محمد الجزار
الدفاع الجوى
تاريخ التسجيل: 2009-10-27
الدولة: مصر _ الأسكندرية
المشاركات: 1,741
التقييم: 467
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى محمد الجزار إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى محمد الجزار
الصورة الرمزية محمد الجزار
الدفاع الجوى
افتراضي

مذكرات د.مصطفى محمود ( الحلقة الرابعه )
الحلقـة الرابعة .. رأيت «ملك الموت»
أرادمصطفى محمود أن يدخلنا معه فى الحوار فسألنا عن الأفكار التى تشغل بال هذهالأجيال - يقصد جيلنا الحالى طبعا - فأجبناه عن كل تساؤلاته.. فكر بعضالوقت وكأنه لم يجد فيها ما يثير الانتباه.. أو أنه انتهى تفكيره إلى أنهاليست أفكاراً بالمرة فزم شفتيه ثم قال: أريد أن أتكلم عن أفكارى وأنا فىالمرحلة ما بين دراسة الطب وبين الثلاثين.. كنت فى مثل عمرك تقريبا وماالذى شغلنى فى هذه الفترة وكيف كنت أفكر ثم أردف: كان هناك خليط من خطواتفكرية تنضج بداخلى..
أفكار عن (الغيب والموت والقدر والعدالة) هل كان صراع الأفكار هذا بداخلىنتيجة لازدحام الساحة بكم كبير من أفكار الفلسفة الوجودية المادية فى هذهالفترة.. ربما.. لكن المؤكد أن هذه الأفكار تشغلنى منذ طفولتى كما سبق أنأشرت- أى عشرينيات وثلاثينيات القرن المنصرم- بينما هذه الأفكار بدأت تأخذطريقها إلى الساحة فى مصر بعد الحرب العالمية ضمن حلقات انتشارها علىالمستوى العالمى نتيجة ليأس الفلاسفة من كل المناهج المطروحة وقتها وكانيتمثل فشلها فى عجزها عن وقف بحر الدم والعنف الذى شهده العالم أثناءالحرب العالمية الثانية.. إذا أنا سبقت انتشار هذه الفلسفة والأفكاربحوالى عقدين من الزمن.
ولكن الحقيقة أن من أكثر الأفكار التى شغلتنى عموما منذ طفولتى حتى الآنفكرة الموت.. دائما كنت أتصور أن عمرى قصير جدا وأنى سأموت.. بين الحينوالآخر كنت أقف أمام المرآة وعمرى عشر سنوات وأقول بصوت مرتفع جدا الموتيطاردنى يقف خلفى وأمامى وبجوارى ألا أستطيع الهروب منه.. أنا بالفعل كنتأرى ملك الموت وكأنه يحاوطنى.. وكنت أشعر كل صباح يوم جديد أن ساعتى قدحانت وكنت أخبر أهلى بذلك..
وهذا أثار خوف وقلق والدى وأمى على وذهبا بى إلى الأطباء وعندما لم يجداعلاجاً يشفينى «طبيعتى المختلفة عن أقرانى كانت تدفعهما دائما لتخيل أنىأقترب من الجنون» فذهبا بى إلى المشايخ والعرافين الذين كانوا يتواجدونبكثرة فى الريف ولكنهم أيضا لم يجدوا كلاما يقولونه غير أن يخترعوا أنىممسوس أو «مخاوى جن» من تحت الأرض «لاحظوا أن شائعات الجنون وقربى منالجان تطاردنى منذ الطفولة» ولعل السبب فى كل ذلك أن المرض دائما يهاجمنىفأصبح بالنسبة لى يمثل مشكلة خطيرة جدا فما بالكم بطفل صغير لا يستطيع أنيجرى ويصارع من هم فى مثل عمره..
حالته الصحية متدهورة ولا تسمح بذلك والحقيقة أنى من أجل هذا اخترت كليةالطب دون غيرها من الكليات إضافة إلى أسباب أوضحتها سابقا حيث كانت كليةالحقوق فى ذلك الوقت من كليات القمة ويتخرج فيها الوزراء والسياسيون ورغمإلحاح الأسرة على بأن ألتحق بها إلا أنى تمردت على رغبتهم «الواضح حياتىكانت عبارة عن سلسلة من التمرد المستمر» واخترت كلية الطب لأننى حريص علىالتعرف على أدق تفاصيل وأسرار الأمراض والأزمات الصحية وكيف يمكن التخلصمنها.
أردت أن أتعرف على طريقة أتخلص بها من عللى ومرضى المستمر الذى لم يستطعطبيب أن يشفينى منه واكتشفت فى هذا التوقيت أن الموت والمرض مشكلة كبرىبالنسبة لى فالمرض بالنسبة لى يمثل الموت وأن المؤشرات والعلامات التىتسبقه قد تتمثل فى موت العينين والساق والذراع والإحساس وعانيت كثيرا منأجل الوصول لما توصلت له وعندما مارست الطب سنتين بعد التخرج كنت أعتبرأنى حققت انتصاراً كبيراً على الموت عندما أتغلب على المرض الموجود داخلالمرضى، ولكن كان يصيبنى الإحباط الشديد عندما ينتصر المرض على ويسوقأمامه للموت روح مريض وينظر لى ويخرج لسانه معلنا أنى لا أقوى عليه وذهلتعندما وقفت لأول مرة أمام طاولة التشريح.. أمام الجثة..
ولم تحدث لى عملية إغماء أو حتى مجرد شعور بالخوف كما كان يحدث لبعضزملائى وتعلمت من يومها أن كل إنسان يحمل الموت بداخله وبأنى أحمل الموتبداخلى أيضا حتى ولو كانت صحتى جيدة وأن الموت يسكن معى وتعلمت أن الإنسانكلما ازداد عمره سقطت الخلايا الميتة من جسده، وأن اللعاب الذى يطرده منفمه يحمل بداخله ملايين الخلايا الميتة وأن دم الإنسان يحوى كل ساعة ٦٠مليون خلية من الخلايا الحمراء والخلايا البيضاء وبعد صراع مرير تقتلخلايا الدم البيضاء البكتيريا الموجودة بخلايا الدم الحمراء وتسوق جثثالموتى إلى الكبد الذى يمكنه التعامل مع هذه الجثث ويحولها إلى مرارةوصفراء والجسم يتعامل مع كل هذه الجثث.. يحللها ويستفيد منها ويحولها إلىعصارات مختلفة.. ووجدتنى أسأل نفسى هل كان الموت يعمل داخلى طوال هذهالسنوات ليل نهار وأنا لا أدرى بحقيقة المعركة الدائرة بداخلى؟
وعرفت من يومها بأن الموت أكبر من أن يكون كلمة فهو واقع يدور داخلى وأنعملية الهدم والبناء تتم دون أن أدرى وأن الهدم داخلى وداخل كل إنسان منذالولادة ولكن البناء غالب عليه حتى يحدث التوازن فى سن الأربعين ثم تبدأعملية النزول والهدم التى تتزايد وبالتالى إذا كان البناء غالبا فأنا شابوإذا كان الهدم غالبا فأنا دخلت مرحلة الشيخوخة وقد كنت منذ طفولتى أشعربأن الموت قريب منى وأسمع خطوات أقدامه وهى تقترب منى كل يوم وكنتباستمرار أحدق فى الموت وأنظر إليه وأصرخ فيه كما كنت أفعل أمام المرآةوأنا طفل صغير «أنا أرى الموت..
أرى ملك الموت ولست خائفاً فكنت أتحداه دائما وأحدق فيه لدرجة أننى كنتأتوقع دائما أننى سأموت مبكرا ولم أتوقع أن أصل إلى الـ٨٨ عاما من عمرىوكنت دائما أقول سأموت فى سن الثلاثين ولكن «أنت تريد وأنا أريد واللهيفعل ما يريد» ورغم كل هذا ظل الموت معى يأكل ويشرب ويعيش ويتنفس بينضلوعى ويسيطر على وجدانى وأصبح مشكلة وكارثة تصاحبنى أينما ذهبت.. ففىخلوتى الأخيرة التى امتدت لعشرين عاما ظهر لى كثيرا وواجهته كثيرا وتغلبتعليه وكنت أنا المنتصر.. وفى تكوينى وفكرى الموت مرتبط بشكل كبير بالفنوالدين وبالفعل كان هو السبب فى تكوينى وفكرى وحبى للموسيقى.
والحياة بالنسبة لى كما يعرفها المقربون منى منذ الصغر نظام دقيق للغايةومرتب، فليس هناك شك أن الحياة والموت ليسا النهاية، ولكن البدايةالحقيقية فى حياة البرزخ وهى الحياة التى تظل الأرواح جميعا متعلقة بهاإلى أن يأذن الله بالفناء للبشرية الموجودة على الأرض ولهذا فإنى كنتدائما حريصاً على أن أفعل شيئا ما دام هناك متسع من الوقت يكفى لذلك وكانمن الأسباب التى تدفعنى للعمل والإنجاز إحساسى بالموت الذى يقترب منى كللحظة وكل ثانية.
كما أخبرتكما أن هذه الأفكار كانت تنتابنى وأنا طالب جامعى وكانت تظهر فىشكل مقالات مسلسلة فى مجلة (روزاليوسف) التى كانت منبراً صحفياً كبيراًوقتها لأنها تمردت على السياق العام للصحافة فى مصر.. كنت أنشر هذهالمقالات سواء كانت فكرية عامة أو فلسفية بالخصوص إضافة إلى كتابة القصةالقصيرة.. وبعد أن أنهيت الجامعة عملت فى مستشفى أم المصريين لمدة عامين..
فى هذه الفترة كانت حركة الضباط الأحرار فى عام ١٩٥٢ والتى رحبت بها كثيرالأنها تمثل تمرد الجيش والشعب على النظام الملكى الفاسد فكان التمرد علىالواقع هو ما يلفت انتباهى دائما ولكن خذلتنا هذه الثورة بعد ذلك فقد حررتالدولة المصرية لاستعباد الشعب المصرى وكنت وقتها أداوم على نشر مقالاتىفى «روزاليوسف» عندما فوجئ إحسان عبدالقدوس باستدعائه من قبل رجال الثورة «كان هذا أول صدام بينى وبين جمال عبدالناصر» للتحقيق معه حول ما نشربمجلته وكيف يقوم مصطفى محمود بنشر هذه الأفكار فى مجلته
محمد الجزار غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 2010-01-16, 04:50 PM   #6
الصورة الرمزية محمد الجزار
الدفاع الجوى
تاريخ التسجيل: 2009-10-27
الدولة: مصر _ الأسكندرية
المشاركات: 1,741
التقييم: 467
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى محمد الجزار إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى محمد الجزار
الصورة الرمزية محمد الجزار
الدفاع الجوى
افتراضي

وقال إحسان لهم «أنا أعطى الحرية للكتاب الذين يعملون داخل مجلتى وأؤمنبالحرية التى تؤمنون بها والتى تنادون أنتم بها.. من الممكن أن أكون غيرمتفق مع مصطفى محمود فى أفكاره وفيما يكتب لكننى لا أستطيع تقييد حريتهوالأمانة الصحفية تمنعنى من التدخل بل وأن أعطيه مساحة ليعبر عن رأيه وليسهو وحده ولكن هذا ينطبق على كل الصحفيين فى مجلتى وحق الرد متاح للجميع».
أنتم تلاحظون أن إحسان عبدالقدوس قد دعمنى ووقف بجانبى وقت أن كان هوالعملاق عبدالقدوس ولم ينس رجال الثورة وعلى رأسهم عبدالناصر هذا الموقفلإحسان وردوا عليه بعد ذلك بسحله وسجنه وكيف أنهم لم يستطيعوا أن يدينونىأيام المقالات وظهر موقفهم عندما جمعت هذه المقالات فى كتابى الأول «اللهوالإنسان» عام ١٩٥٦ إذا غضضنا النظر عن المجموعة القصصية الأولى «أكلعيش».
على الرغم من أن الإعلام لم يكن بمثل هذا الحجم وكان الاعتماد كله علىالصحافة الورقية إلا أنك تستطيع أن تؤكد أن الحياة فى مصر قد توقفت بالفعلبعد إصدار الكتاب ورواجه.. لم يعتد الناس على مثل هذه الأفكار أو علىالأقل هذه الطريقة فى طرحها.. انقلبت الدنيا من حولى.. أصبح كل واحد يكتبعن الموضوع بمزاجه، من وصفنى بأننى فيلسوف العصر الجديد ومن وصفنى بالملحدوالشيوعى والكافر و.. و.. وهنا ضحك مصطفى محمود حتى دمعت عيناه اللتانأصابهما المرض مؤخرا.. وقال من الطريف أن دارا حكومية «دار الجمهوريةللنشر» هى التى وافقت على طبع الكتاب ونشره وكان يشرف عليها فى ذلك الوقتأنور السادات وحقق الكتاب رواجا كبيرا..
والطريف أيضا أن المفتى كان قد قرأ هذا الكتاب وأبدى رأيه بأن هذا الأسلوبيبشرنا بكاتب كبير وعالم ومفكر وكان هذا اعترافا رسميا من الدولة بهذاالكتاب وقيمته ولكن قضاة التفتيش الجدد رفضوا الكتاب وثاروا وهاجوا وسبواوقالوا هذا الكاتب أصابه الجنون أو كفر وقدموا مجموعة الشكاوى ضدى للقضاءوتمت مصادرة النسخ المعدودة المتبقية فى الأسواق من الكتاب بعد أن تخاطفهالكثير من المصريين الذين كانوا يرغبون فى من يكسر لهم الظلام ويطيرالخفافيش التى تتزايد داخله ويفسر لهم حقيقة ما يجرى لأنهم سئموا من أنتفرض عليهم الأشياء باعتبارها «واقع ولازم يقبلوه»..
وتحولت الدعاوى التى قدمت ضدى إلى قضية كبرى تناولها معظم صحفيى مصر ،وظلت القضية تنظر أمام محكمة أمن الدولة شهوراً خرجت خلالها شائعات كثيرةومتعددة وكان من بينها «أنهم سيحكمون بكفرى وارتدادى عن الدين ومن ثمإعدامى،
وآخر أن علماء الأزهر انتهوا بالفعل للحكم علىّ بالكفر والارتداد عنالدين» وظلت الشائعات تظهر شائعة تلو الأخرى وتتردد فى أرجاء مصر حتى تقررإصدار الحكم فى القضية فى شهر رمضان وذلك بغرض تشديد الحكم وعدم استخدامالرأفة وأتذكر أيامها أن إحسان عبدالقدوس استعان بمحام كان اسمه محمودوكان قد اشتهر وبرع فى الترافع عن جرائم النشر وكان يتحدث عما يجرى منأعمال قمع وقهر وإرهاب وديكتاتورية ومصادرة الكتب والأفكار
وأذكر أيضا أنه أثناء المرافعات قال لى إن ما كتبته فى كتابك هذا كلاميستخدمه كبار الصوفية وبعد سلسلة مرافعات طويلة استغرقتها المحاكمة التىكانت تتداول فى حجرة مغلقة وسرية واستغرقت المرافعات ساعات طويلة ولكن لايستطيع القضاة فى ذلك الوقت الحرج فى تاريخ مصر إلا إرضاء جمال عبدالناصرالذى أصدر حكمه من أول يوم بمصادرة الكتاب ورغم كل المرافعات وما استندتإليه من أقوال الصوفية فقد أصدرت محكمة أمن الدولة الحكم بمصادرة الكتابوعدم خروجه للنور وبالطبع خرج الحكم دون حيثيات ورغم ذلك صادروه بأمر جمالعبدالناصر.

وتقبلت اتهامى بالكفر وأنا فى بداية حياتى بأن أغلقت على نفسى باب شقتى.. واعتزلت من هول الصدمة حيث كانت عواطفى مازالت حساسة فلما أخذت الأفكارتهاجمنى.. لقد كفرونى لأنى امتلكت نفس ما امتلكوه.. نفس مؤهلاتهم.. القدرةعلى جذب الانتباه.. القدرة على جعل الآخرين يستمعون ويؤمنون بما أقول.. كفرونى.. قالوا نقضى عليه وهو صغير.. وناجيت روح أبى.. لقد اتهمونى بالكفريا أبى.. أنا ابنك اصطحبتنى إلى المسجد وأنا ابن الثالثة وألبستنى الطاقيةوالجلباب الصغير.. أنا الذى حفظتنى القرآن والحديث بينما مازال من فى مثلعمرى يلعبون فى تراب الشارع..
أين أنت يا أبى لتدفعهم بعيدا بأيديك الكبيرة الحانية.. لا تدفعهم بعيداعنى فقط بل تدفعهم بعيدا عن هذا البلد الطيب.. الذى يحاوطونه كالسرطان.. وجعلوا من يفكر يكفر.. جاءت أمى إلى.. جاءت بجلبابها وطرحتها.. افترشتسجادة الصلاة وأخذت رأسى فى حجرها.. وظللت فترة طويلة على هذا الحال.. ورغم أن معظم أفكار الكتاب لم تقترب من الأساسيات والثوابت مثل الله بلكانت فى (مسألة القضاء والقدر والجنة والنار والصواب والخطأ وقضايا الجبروالاختيار والبعث والخلود) إلا أن رجال الدين يعتبرون أن مجرد التفكير فىمثل هذه الأشياء هو الكفر ولكنهم لا يعلمون أن التفكير فى مثل هذه الأشياءمنتهى الإيمان لأننى مفكر أبحث عن أشياء تزيد من إيمانى وتعلقى باللهسبحانه وتعالى وقديما كانوا يفكرون فى هذه الشكوك دون أن يعرضوا للرجم أوالقتل .
فى بعض الأحيان قادنى تفكيرى لأتساءل هل كان ضروريا نزول الوحى والإلهامبواسطة جبريل على النبى صلى الله عليه وسلم ولماذا لم يلهمه الله مثلماألهم الفنانين والموسيقيين والعلماء فى لحظات الإبداع والاختراع؟ وكانتقصة الوحى تشغلنى بشكل كبير وكنت دائما أفكر فيها ولكن بمجرد أن طرحتالسؤال وبدأت البحث عن إجابة تعالت أصوات بتكفيرى مرة أخرى وكأنه لا توجدتهمة للمفكرين والباحثين عن الحقيقة غير التكفير وهذه القضايا تغير تفكيرىفيها بعد وصولى لليقين فسبحانه وتعالى كان لابد أن يميز رسوله عن بيتهوفنوجوخ وبيكاسو وقيس وعنترة،
وبعد بحث طويل فى القرآن أحسست أنه كتاب عجيب دستور لكل البشر وذلك لأنىحين قرأت كل الأديان أحسست أنها جميعا تتحدث عن شىء واحد لاشك فيه هووحدانية الله ولكن اكتشفت أن الأديان القديمة مضت عليها القرون وتمتحريفها ودخلتها مصالح الكهنة وكانوا هم السبب فى كل هذه الفروق بين دينوآخر فكل واحد منهم يريد أن يستغل الدين لأغراض ومصالح شخصية حتى فى مصرالقديمة «الفرعونية» كانت الديانة توحيدية والدليل هو كتاب الموتى ولكنالكهنة الذين يريدون أن يشيدوا المعابد اخترعوا آلافاً من الآلهة ليحصلوامن ورائها على القرابين وهذا ما حدث مع الأنبياء أيضا فكلما مات نبى خرجالمنتفعون وحرفوا ليستفيدوا بالمكاسب المادية وجاء بعد ذلك عصر الملوكوالرؤساء والسياسات المختلفة التى نعرفها الآن والتى زادت الأمر سوءا حيثإن العلمانيين يرددون شعارهم «كيف أسير إلى الأمام وأنا ألتفت إلى الخلف» ومن هنا يقولون العلم يتناقض مع الإيمان وقد نسوا أن كتاب الله سبحانهوتعالى يقود إلى أفضل طريق.. إلى الله..
وبعد مصادرة كتابى وجدت الماركسيين فى مصر يرفعوننى إلى السماء ويعلنونأنى أصبحت من كبار مفكرى الماركسية والشيوعية فى مصر وازداد إعجابهم بىوتأييدهم لى عندما كتبت قصة عن رجل زبال ونشرتها فى مجلة صباح الخير وكانتالمجلة فى بدايات إصداراتها وبعدها وجدت أن الشيوعيين يصفوننى بأنى أعظمكاتب وأكبر مفكر وقيل عنى يومها إن تشيكوف مجددا يظهر فى مصر يحمل اسممصطفى محمود وكنت مندهشا لكل ما يحدث حولى ومندهشا أكثر لإعجابهم بهذهالقصة رغم أنها قصة عادية للغاية ولم أشترك معهم أو أنضم إليهم بلتجاهلتهم بعد ذلك بأن حذفت هذه القصة من جميع مؤلفاتى،
ولكنهم سرعان ما تحولوا ضدى بعد ذلك ووجهوا إلى الكثير من الاتهامات ومنهاالردة الفكرية وكانت مدرسة ظهرت فى ذلك الوقت على يد محمود أمين العالموكانت ترغب فى أن ينادى الكتاب جميعهم بالاشتراكية العلمية والشيوعيةوالماركسية ومن يخالفهم لا يعد أديبا أو مفكرا وأكبر دليل أنهم رفعونى إلىالسماء ولذلك قرأت عن الفكر الماركسى بإمعان فلم أشعر باقتناع ودار داخلىحوار طويل ووجدت أنه يجب أن أغلق على نفسى باب حجرتى وظللت أمارس قراءتىفى معظم كتب الفلسفة وعلم النفس مثل (أفلاطون وأرسطو وهيجل وبكارل وماركسووليم جيمس) وقراءة الأديان (الفيدات الهندية والبوذية والزرادشتية)
وفى النهاية وصلت إلى الإيمان فى حين أن اليسار فى الستينيات كان قد أصبحاتجاها قوياً موجوداً على الساحة وله ثقله وقد توغلت يده إلى الأدبوالسينما والمسرح فتسبب نظام الاقتصاد الشمولى الذى طالب به فى الفقروالجوع للمصريين وهذا ما توقعته ولكنهم بعد ذلك وفى دقائق معدودة وجدواصحف العالم والإذاعات والشعوب تنادى بسقوطهم.. سقوط الشيوعية..
وسقط هؤلاء الأشخاص الذين عندما تمردت على أفكارهم وانتقدتهم اغتالونى فىموهبتى وفكرى وجردونى حتى من لقب الكاتب واتهمونى بالتخلف وهذه هى أفكارهموطباعهم لأن الشيوعية والشيوعيين تنظيم إذا صادف فى طريقه كاتبا يميللأفكارهم فإن مهمتهم تكون جذبه إليهم ومن بعد ذلك بدأت أعيد النظر فى كلشىء حولى وبدأت بمراجعة كتابى الأول «الله والإنسان» ووجدته مليئاًبالثغرات التى عدلت عنها وصححتها فى كتب أخرى.. وأنا هنا أعلن لأول مرة أننى تراجعت عن كل الأفكار المادية التى لا ترتبط بالدين والتى جاءت بكتابى الأول «الله والإنسان».
كفرونى لأنى امتلكت نفس ما امتلكوه.. نفسمؤهلاتهم.. القدرة على جذب الانتباه.. القدرة على جعل الآخرين يستمعونويؤمنون بما أقول.. كفرونى.. قالوا نقضى عليه وهو صغير
أغلقت على نفسى باب شقتى.. وناجيت روح أبى.. لقداتهمونى بالكفر يا أبى.. أنا ابنك الذى اصطحبتنى إلى المسجد وأنا ابنالثالثة.. أنا الذى حفظتنى القرآن والحديث بينما مَنْ فى مثل عمرى لميتخطوا مرحلة اللعب فى تراب الشارع.. أين أنت يا أبى لتدفعهم بعيدا عنىبأيديك الكبيرة الحانية.. لا تدفعهم بعيدا عنى فقط بل تدفعهم بعيدا عن هذاالبلد الطيب.. الذى يحاوطونه كالسرطان.. وجعلوا من يفكر يكفر
جاءت أمى إلىّ والتى كانت تتمثل فى شخصية أختىالكبيرة زكية.. جاءت بطرحتها وجلبابها.. افترشت سجادة الصلاة وأخذت رأسىفى حجرها.. وظللت فترة طويلة على هذه الحال.. حتى نهضت من جديد
كان يجب ألا أترك الساحة لخفافيش ظلام جدد.. لقضاة فى محاكم تفتيش جديدة
إن الناجح هو ذلك الذى يصرخ منذ ميلاده: جئت إلىالعالم لأختلف معه.. لا يكف عن رفع يده فى براءة الأطفال ليحطم بها كل ظلموكل باطل.


محمد الجزار غير متصل   رد مع اقتباس
أضف رد جديد

الكلمات الدلالية (Tags)
مذكرات, محمود, المفكر, الكبير, د.مصطفى


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هتقضي راس السنة فين ؟؟ Sir.7amato المنتدى العام 0 2009-12-31 07:13 PM
حصاد2009 AlSam3r المنتدى العام 4 2009-12-31 12:08 PM
إسرائيل مارست ضغوطا سياسية لمطاردة أفكار مصطفى محمود وإيقاف العلم والإيمان la princesse الأخبار اليومية 2 2009-11-03 01:13 AM
سر اختفاء مصطفى محمود ومن يكون؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ AlSam3r شخصيات من الاخبار 0 2009-05-21 02:06 AM
وفاة الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش بعد جراحة في القلب la princesse الأخبار اليومية 0 2008-08-10 03:30 PM


Internal & External Links

الساعة الآن 12:39 AM.
Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
استضافة , دعم فنى