مذكرات د.مصطفى محمود ( الحلقة الثالثه()
الحلقة الثالثة.. حكايتى مع الموت
ياصاحبى ما آخر الترحال؟ وأين ما مضى من سالف الليالى؟ أين الصباح وأين رنةالضحك؟! ذابت كأنها رسم على الماء.. أو نقش على الرمال.. كأنها لم تكن.. كأنها خيال.. على متاع كله زوال.. على مسلسل الأيام والليالى فى شاشةالوهم ومرآة المحال..
■ إلهى يا خالق الوجد من نكون.. من نحن.. من همو.. ومن أنا. وما الذى يجرىأمامنا.. وما الزمان والوجود والفنا.. وما الخلق والأكوان والدنا.. ومنهناك ومن هنا.. أصابنى البهت والجنون..
■ ما عدت أدرى وما عاد يعبر المقال.
صمتالدكتور مصطفى محمود طويلاً عندما طرحنا عليه سؤالاً عن بداياته الحقيقيةللكتابة والصحافة والأدب الذى خرج بشكل واضح فى مؤلفاته من رواياتومسرحيات وكتابات فكرية ونقدية فتنفس الصعداء ونظر فى الأفق البعيد..
وقال كان أول كتاب أتعلم منه قواعد الكتابة ومبادئ القصة هو القرآن الكريموما حمل من قصص الأنبياء والرسل، والذى اهتممت بتناوله بشغف منذ أن تعلمتالقراءة والتى تعلمتها قبل أن أتعلم أو أتمكن من الكتابة،فقد كانت القراءة فى حياتى تسبق الكتابة، ومنه كانت البداية، وقد كان أولقارئ لكتاباتى وناقدى الوحيد هو صديق الطفولة فرج، وهو كان صديقى الوحيدبالرغم من أننى كان لى زملاء كثيرون، ولكن الأصدقاء أنتقيهم عملاً بحديثرسول الله الذى كان يردده والدى على مسامعنا أنا وإخوتى «المرء على دينخليله فلينظر أحدكم من يخالل» وقد ظل فرج صديقى الوحيد ولم نفترق حتى بعدالتحاقه فى المرحلة الثانوية بمدرسة الصنايع العسكرية والتحاقى أنا بمدرسةطنطا الثانوية ولم نفترق لأننا كونا مصنعاً صغيراً، فقد كنت شغوفاًبالكمياء والطبيعة وكان هو يجيد صناعة القوالب من الصلب والنحاس وخلافهمامن المعادن فوجدت أننا فريق يكمل كل منا الآخر،
وأتذكر أن فى تلك الفترة الزمنية كانت المدرسة مع بداية العام الدراسى قدقامت بتسليمنا محتويات معمل صغير للكيمياء، وعلى كل طالب أن يقوم بدفعمبلغ تأمين، ويقوم أيضاً برد المعمل إلى المدرسة فى نهاية العام والحصولعلى مبلغ التأمين، ولكننى لم أرد المعمل مرة أخرى ووضعته فى بدروم البيت،وقمت بتجاربى المعملية الفاشلة فى أحيان كثيرة، كما ذكرت قبل ذلك، والتىكانت تتسبب فى تمزيق ملابسى الجديدة والقديمة وكنت أفاجأ بأمى تصرخ فىوجهى وتقول: «إنت مش خايف إنك تموت من اللى انت بتعمله دهوبالطبع كان فرج يصاحبنى فى تلك التجارب المعملية بمحتويات معمله من مجمرةوالتخمير، وكانت هناك تجارب معملية ناجحة وقمنا من خلالها باستخراج العطوروالروائح الجميلة ومبيدات قاتلة للصراصير، تلك الحشرة الضئيلة التى كنتومازلت أكرهها بشدة، وكانت هناك أيضاً تجارب معملية فاشلة ترتب عليهاالانفجارات التى جعلت أبى يقوم ببيع المعمل خوفاً على من الموت المحتومالذى كان يطاردنى، ويطارد فرج مع كل انفجار وكما ذكرت كان فرج هو القارئالوحيد لكتاباتى،وفى أحيان كثيرة كان يشير إلى أن أغيّر من مضمون قصة وتحويلها من اللامنطقإلى المنطق حتى يتقبلها عقله، وأيضاً مرحلة النشر لما أكتب كانت مرحلةمبكرة فقد بدأت منذ أن كنت أقضى رحلة فى مصيف بورسعيد، وأرسلت إلى أخىمختار خطاباً أتكلم فيه عن الأيام التى أقضيها فى المصيف، وقد كان صديقأخى وقت ذاك محمود محمود الصياد الذى أصبح من نجوم تجويد القرآن الكريمبعد ذلك، وقرأ الخطاب وقال لأخى إن أخاك مصطفى سيكون له شأن كبير فى مجال الكتابةوالأدب، وكانت شهادة فرحت بها كثيراً عندما أبلغنى بها أخى، والمرة الأخرىالتى خرجت فيها كتاباتى إلى النور قبل أن أتخطى المرحلة الثانوية عندماأعلنوا فى مدرسة طنطا الثانوية عن مسابقة باللغة الإنجليزية وكان موضوعهايدور فى عن كتابة قصة عن أكثر الأحلام رعباً، وكانت مفاجأة أن أحصل علىالجائزة الأولى التى كانت عبارة عن «خمسين قرشاً وشنطة مدرسية» وكان الحلمالذى ساعدنى فى الحصول على هذه الجائزة التى كانت كبيرة جداً فى هذهالأيام أننى كنت مريضاً ودرجة حرارتى منخفضة وضربات قلبى ضعيفةولذلك استدعت أسرتى الطبيب وكان ثقيل السمع عندما وضع السماعة على صدرى لميسمع نبضات قلبى فظن أننى فارقت الحياة فتوجه إلى الأسرة بوجه شاحب يتصببمنه العرق قائلاً البقاء لله لقد مات ذلك الولد المسكين وما كان إلا أن «رقعت» أمى بالصوت وحزن جميع أفراد العائلة على فراقى وكفنونى ووضعونى فىالنعش ولكننى استعدت وعيى بعد وقت قصير وفتحت عينىّ لأجد نفسى فى ظلمةدامسة وملتماً بالكفن فشعرت بالرعب الشديد لما أنا فيه وثارت فى ذهنىأسئلة متعددة وكان بينها: أين أنا؟ وكيف سأخرج من هذا النعش؟ وعندمااستعادتنى الأسرة كانت فرحة بلا وصف وربما كان هذا الحادث داعيا لأنيطلقوا على لقب الممسوس أو الملبوس وسهل لى لقب المشرحجى فيما بعد.
وكان هذا الحادث إضافة لحادث وفاة أخى التوأم سعد الذى توفى قبل أن أراهضمن عدة أحداث كانت محفورة داخلى وساهمت فى تشكيل أفكارى، ومنذ أن تناولتذلك فى قصة «أغرب حلم مرعب» وأنا مؤمن بأن الموت هو الحقيقة والخلاص منهذا العالم وأن التابوت ليس الصندوق الخشبى الذى يحمل بداخله الموتى أو «الحجرى» فى العصر الفرعونى الذى تحفظ به المومياوات ولكنه يمثل الجسدالذى تسكن بداخله الروح وبمجرد خروجها يصبح هذا التابوت فارغاً وينتهى كلشىء.التحقت بكلية الطب، وخلال الدراسة مارست مجموعة من المواهب الخاصة بجواردراستى بها كالغناء وعزف الموسيقى فى الأفراح كما ذكرت قبل ذلك كالناى،والعود الذى ذهبت إلى مدرس ليدربنى للعزف عليه، ونشرت بعض كتاباتى الأدبيةبالجرائد والمجلات، ولكن كل هذه الأمور كان صعباً على أسرتى تفهمها خاصةوالدتى بعد أن أصبحت مسؤولة عن البيت ومن فيه بعد وفاة أبى حيث كنت أصغرالعائلة سناً وأكثرهم محبة للنكتة والضحك فكنت محبوباً من جميع إخوتى سواءأشقائى أو والدتى،وكانت أمى تصرخ فى وجهى وتقول «إنت هتموت نفسك بنفسك.. هو انت صحتك حمل كلده» وكنت أشفق عليها خاصة وأنا أرى فى عينيها نظرات الخوف علىّ ولكنى كنتأتصرف بوازع من الرفض الداخلى الذى أتصرف به تجاه المسلمات، كذلك من أجلالتميز والتفرد واكتشاف الجديد، فقد كانت رغبة جامحة لا يستطيع أحد أنيتصدى لها، وفى إحدى هذه الثورات المتكررة من والدتى اكتشفت أننى يجب أنأنسحب وأعيش فى حياة مستقلة لأننى لا أستطيع أن أمارس ما أريد بمنتهىالحرية فقمت بتحضير حقيبة ملابسى فى إصرار على الرحيل ولم يستطع أحد أنيقنعنى بالرجوع عن قراراتى التى كنت اتخذتها بعد تفكير طويل فتركونىمتمنين أن أوفق فيما أريد.. تركونى لأواجه مصيرى، فذهبت أبحث عن بنسيون مناسب لإمكانياتى الماديةالمحدودة والمتواضعة حتى وجدت «بنسيون بسيط» فى حلوان فقمت بتأجير حجرة بهوعملت محررا صحفياً بإحدى المجلات، وكان يجب أن أعيش حياتى بطريقتى، وليسبالطريقة التى يعيشها الصحفيون، وبدأت مرحلة عجيبة وغريبة وجديدة وقاسيةجداً فى حياتى، فقد عملت بعد ذلك محرراً صحفياً بجريدة «النداء» براتباثنى عشر جنيهاً شهرياً، وهى جريدة وفدية وكان يملكها ياسين سراج الدين،ووجدت أننى أعيش حياة الصعلكة التى يعيشها معظم الراغبين فى العمل بمهنةالصحافة فى بداية حياتهم وما لبثت إلا أن ظهرت ضريبة قراراتى وكل هذاالعناد بإصابتى بمرض «التيفود»، ودخلت مستشفى الحميات بالعباسيةوما إن أفقت من غيبوبة المرض حتى وجدت أخى مختار على رأس السرير الذى أناطريح فوقه يقول لى «أدى أخرة المشى البطال وعدم سماع النصيحة والعناد.. خفبسرعة عشان ترجع البيت.. أمك هتموت عليك» وقد كنت فى ذلك التوقيت قد قضيتخارج البيت حوالى عام كامل، ولكننى تعلمت من هذه التجربة الكثير والكثير،وكان أهم ما خرجت به أن العمل بالصحافة دون الحصول على شهادة أو وجود مصدررزق آخر تصاحبه أحلام المؤلف والأديب لا يكفى،خاصة أن المادة التى يحصل عليها الصحفى بعد عناء ويقوم بكتابتها يمكن أنيراها تزال أمامه وتحجب من النشر بمجرد ظهور إعلان مفاجئ لأمواس حلاقةأوروج أو دواء أسبرين، ووجدت أن مواصلة دراستى فى الطب الذى انقطعت عنه سنةكاملة وتعلم كيف أعالج المرض أكثر فائدة، ووجدت أيضاً أن فى عالم الصحافةالأحلام فى اتجاه، والأدب والمجد فى اتجاه، والهلس الصحفى فى اتجاه آخر،ومن الممكن أن يضيع عمرى فى أشياء لا تغنى ولا تسمن، وأننى لابد أن أنهىدراستى بالطب، وبعد ذلك أمارس الأدب والكتابة وأنه سيختلف الأمر بين أنأكتب وأنا لا شىء، وبين أن أكتب وأنا طبيب.ومرت سنوات وأصبحت معروفاً بين الوسط الصحفى وأصبح لى أصدقاء من بينهمكامل الشناوى، الذى قال لى بعد ذلك فى أزمة كتابى «الله والإنسان» جملتهالشهيرة «إنت بتلحد وانت على سجادة الصلاة» وكان كامل الشناوى صاحب فضلكبير علىَّ، حيث كان أول من قام بنشر كتاباتى ومقالاتى فى «آخر ساعة»،وكنت أقوم بالإمضاء عليها بالحروف الأولى من اسمى «م.م» وأتذكر فى هذهالفترة أن صديقى العزيز أنيس منصور، كان يقوم ببعض المعاكسات معى، حيث كنتأنتهى من كتابة مقالى بتوقيع «م.م» فكان هو ينتظر حتى ينتهى الجميع منأعمالهم ويذهبوا، وينزل إلى المطبعة ويغير الإمضاء إلى «م.ع» وكنت عندماأقرأ المقال فى اليوم الثانى أفاجأ بالتغيير فأغضب مما حدث،وعندما أذهب للتعرف على حقيقة ما حدث أعرف أنه أنيس، كنت أقول له «يا أخىيعنى إنت مستكتر علىَّ حتى الحرف»، وكان يضحك وأنا أضحك من أعمالهالجهنمية، وهنا يغوص مصطفى محمود فى موجة من الضحك، ويقول: أنيس منصور منالشخصيات التى اتفقت معى فى بعض أفكارى وهو من أصدقائى الذين أحببتهم منذبداية عملى الصحفى فى جريدة «المسائية» وهى الجريدة التى أنشأها كاملالشناوى وفى بداية إنشائها استقلت من «آخر ساعة»، وذهبتُ معه أنا ومجموعةمن الأصدقاء وهذه الجريدة لم تستمر أكثر من شهر،وفى هذه الفترة كان كامل الشناوى دائم القول بشأنى وبشأن يوسف إدريس «إنتممش طلبة كلية الطب.. إنتم طلبة كلية طب الجميلة»، فى إشارة لكلية الفنونالجميلة، وأتذكر الشناوى رحمه الله، وكأننى أشاهده أمامى، وهو يضحك عندماذهبت إليه فى يوم من الأيام لأدعوه لحضور حفل تخرجى فى كلية الطب، وكانيقول «بقيت دكتور؟ مش معقول.. أنا مش مصدق.. صحيح الروشتة اللى كتبتها مرةلأبوالعنين وكان أحد أصدقائنا وراح يصرفها وجد أنها أمواس حلاقة» ولبىدعوتى وحضر حفل التخرج فى كلية الطبوكان يقول وهو يضحك أنا مُصّر إن الموضوع ممكن يطلع نكتة صحفية كما أننىأثناء عملى فى مجلة «صباح الخير» قمت بتأليف رواية «المستحيل» ونشرتهاحلقات مسلسلة وزرت بعد ذلك كامل الشناوى فى مكتبه فقال لى متى سنقرأالرواية كاملة فى كتاب فقال عندما نجد الناشر لأن الناشرين فى تلك الفترةكانوا لا يدفعون مبالغ مجزية لأن القراء كانوا يفضلون قراءة الصحفوالمجلات أكثر من الكتب وقد سبق أن قمت بطباعة كتب على نفقتى الخاصة.وواكب تخرجى أحداث ثورة يوليو ٥٢ وصدور مجلة التحرير وكان يرأس تحريرهاثروت عكاشة وبدأت أكتب بها وكان يكتب معنا حسن فؤاد ومجموعة كبيرة منالرسامين والأدباء الذين جمعتنى بهم صداقة متينة بعد ذلك ولا أستطيع أنأقول إن عملى بالصحف مع كامل الشناوى فى الصحيفة المسائية التى لم تستمركما ذكرت أكثر من شهر أو فى آخر ساعة إلا أنه كان عملاً مؤقتاً فى بلاطصاحبة الجلالة، إنما بدأ عملى الفعلى بالصحافة فى «مجلة التحرير» وفى التوقيت نفسه بدأت أمارس مهنة الطب فى بعض المستشفيات الصغيرة إلى أناستقر بى الحال فى مصحة ألماظة للحميات التى هيأ لى العمل بها إلى العزلةلموقعها الجغرافى آنذاك كان فى الصحراء التى تتسم بالهدوء والتأمل وكانتكل هذه الظروف داعية لأن يولد الأديب والمفكر والفيلسوف الكامن بداخلىفخرج فى أول أعمالى «الله والإنسان» الذى أثار جدلاً واسعاً سنتكلم عنهبالتفصيل فى حلقة قادمة وداخل هدوء الصحراء وبين عنابر المرضى خرج كتابى «عنبر ٧» وبين رائحة المرض والأدوية والدم خرج كتابى «رائحة الدم» وكذلككتب «أكل عيش» و«شلة الأنس» و«العنكبوت و«لغز الموت»...