عاشق الايمان
2010-01-15, 09:46 PM
الرابط لايظهر فى الأرشيف
في ظل التدمير الشامل للوعي صار عدم الذهاب للمدرسة إنقاذاً للعقول!
عند متابعة منهج اللغة العربية للصف الأول الإعدادي، وجدت أنه كما هو منذ سنوات بعيدة.. تغيرات طفيفة طرأت عليه كإضافة درس جديد وحذف آخر، لكن المضمون واحد.. وما لفت انتباهي في اختيار النصوص الأدبية من قصيدة ونثر أنها كارثة بالفعل! فهي لا تعلّمك شيئاً بسذاجتها ومباشرتها سوى كيف تكره الشعر العربي!
وما لفت انتباهي أكثر أحد دروس القراءة مُعنون بـ"الحرية" ولما قرأته مع الصغير ذهلت حقاً! فالنص أحد مؤلفات المنفلوطي يتحدث فيه عن قط صغير صادفه، وظل يموء بحرقة وفشلت معه كل محاولات الإطعام والتدليل حتى اهتدى أخيراً لسبب عذاب القط وهو حبسه وسجنه وأنه يتوق لحريته.. وبعدها شرح صغير عن أهمية حرية الإنسان، وأنه لا أحد يملك حجبها عنه.. وأن الحرية لا تعني فقط الحبس بين الجدران، إنما الحرية معنوية كذلك، وبدون الحرية يغدو الإنسان بلا قيمة، وعليه أن ينتزعها ممن حرمه منها؛ لأنها ليست هبة ولا منة يُمنّ بها عليه لكنها حق مكفول.. أنهيت قراءتي وكدت أهتف "ما أبدعك"!!
بدأت أسأله عما فهمه من الدرس؛ محاوِلة أن أجعله ينفض عن رأسه رغبته الشديدة في ترقيم الأفكار ورصها كما اعتاد.. وأخذتني تأملات عديدة؛ فالموضوع إذا تأمله أي شخص بدقة سيجده موضوعا معارضا سياسيا واجتماعيا من الدرجة الأولى! سألته: هل شرحه لهم المعلم؟ وكنت انتظر أن يخبرني أنهم سيلغونه من المقرر أو يجبرون الطلبة على قصّه من كتبهم إذا تداركوا خطأهم والمعنى العميق للدرس! لكنه أخبرني أنه تم شرحه كباقي الدروس.. ظللت أفكر ملياً ما معنى وضع هذا الموضوع الهام كمقرر دراسي؟ فكما هو معروف أن الحدأة لا ترمي بالكتاكيت.. موضوع قراءة يحث الطلاب على طلب حريتهم المادية والمعنوية، وألا يدعوا الفرصة لمن يتحكم بقوت يومهم ومأمنهم مقابل حريتهم.. بل ويخبرهم أن الحرية تُنتزع ولا تُوهب! كيف يعلمونهم الحرص على الحرية وهم يحيون كالعبيد بكل ما حولنا من فساد سياسي وكبت للحريات وتكميم للأفواه؟
لم تطل حيرتي طويلاً.. فللتأكيد أراني كراسة الفصل حيث شرح المدرس للدرس، وبها العنوان وكالعادة "الدروس المستفادة من الدرس" ثم هوب ترقيم (1.. 2..)! وذهبت حيرتي لتحلّ محلها الحسرة.. فلقد تحول الأمر إلى (دَش) وحفظ وتسميع معتاد.. درس هام عن الحرية وقيمتها ينتهي به المآل كباقي الحشو بالمناهج.. تسأل التلميذ بعده ما الذي تعلمته؟ فيلقي بدلوه من الأفكار المرقمة بلا فهم.. تعيد عليه طالباً أن يشرح لك قيمة الحرية.. فيعيد على مسامعك ما رصّه المدرس من أفكار!
وهكذا تنبّهت لفداحة الأمر؛ فحتى لو كان الموضوع يحث على التحرر مادياً والأهم فكرياً، فإن طول عهد الحفظ دون وعي جعلهم يرددون تلك الأفكار دون دراية؛ فقط تُسكب بورقة الإجابة ولا وظيفة لها سوى جني بعض الدرجات للنجاح! وهي إشارة خطيرة بالفعل عن المستوى الذي وصل له الوعي ومدى قدرتنا على فهم ما يقال.. فكأنك ترى ببغاء يردد نظريات أينشتاين.. فلن يفرحك مشهده؛ لأنك تعرف أنه لم يفهمها ولن يدركها. لكن فقط يكتفي بالترديد.. لم يُفده حفظها ولن يطبقها عملياً ليرتقي، فقط تحولت لمجموعة متشابكة من الأحرف تكرر بلا معنى.
وبدأت أتصور النتيجة التي ظهرت لطول عهد التدمير البطيء لخلايا التفكير والإدراك حتى لم يعد هناك أي قدرة على فهم معنى السطور ذاته وليس حتى ما بينها! تخيلت مغزاه المخيف، والذي يؤكد أن مأساة ومهزلة التعليم المزعوم كانت بالفعل جريمة حتى وصل الأمر إلى أنك عندما تُخبر أحدا بحقوقه ليعمل من أجلها، فتجد كل ما يأتي به هو حفظ تلك الحقوق جيداً وترقيمها وتسميعها!
أمضيت فترة أحاول شرح المعنى الحقيقي للموضوع دون أن أفرض وجهة نظري، ودون أن أطرح أفكاراً بعينها عليه.. ثم أتبعته بأمثلة لمواقف كي يدرك المعنى ويلمسه من الواقع؛ وبعدها بدأت أفكر في توبيخي له عندما يتغيب عن المدرسة، فكثيراً ما كان يقسم لي أنه يمضي أياماً كثيرة دون أن يدخل أي مدرس إلى الفصل، خاصة بعد إنفلونزا الخنازير التي أتت عيداً للدروس الخصوصية.. فإما يُمضي اليوم يلعب الكرة بالفِناء على مسمع ومرأى من الناظر.. وإما يقضي كل الحصص الثمانية نائماً! وقتها لم أعد أتهمه بالتقصير إذا ما غاب.. ليس فقط لأنه لا يجد من يدرس له، إنما في ظل هذا التدمير الشامل للوعي صار عدم الذهاب للمدرسة إنقاذاً للعقول!
ظلت المرارة بحلقي عندما أتخيل عدد الناجين من مذبحة العقول الجماعية هذه. فالأسر مشغولة عن الأبناء بالبحث عن لقمة العيش.. وقليل أو نادر من تجده يحرص على تنمية وعي أبنائه ومحاولة إنقاذهم من مأساة المناهج العقيمة قبل أن تمحو الشخصيات والعقول والوعي.. والأمر المؤسي هو الصورة التي يريدون بثها تماما كالحديث عن الديمقراطية الخيالية.. الطلاب يتغنون بالحرية.. كسجين مكبلة قدماه بالسلاسل، لكنه يردد درسه عن الحرية؛ ليثبت أنه تلميذ مجتهد في حين أنه من أثبت اجتهاده بالفعل هو من جعله لا يعي حتى أنه سجين!.
في ظل التدمير الشامل للوعي صار عدم الذهاب للمدرسة إنقاذاً للعقول!
عند متابعة منهج اللغة العربية للصف الأول الإعدادي، وجدت أنه كما هو منذ سنوات بعيدة.. تغيرات طفيفة طرأت عليه كإضافة درس جديد وحذف آخر، لكن المضمون واحد.. وما لفت انتباهي في اختيار النصوص الأدبية من قصيدة ونثر أنها كارثة بالفعل! فهي لا تعلّمك شيئاً بسذاجتها ومباشرتها سوى كيف تكره الشعر العربي!
وما لفت انتباهي أكثر أحد دروس القراءة مُعنون بـ"الحرية" ولما قرأته مع الصغير ذهلت حقاً! فالنص أحد مؤلفات المنفلوطي يتحدث فيه عن قط صغير صادفه، وظل يموء بحرقة وفشلت معه كل محاولات الإطعام والتدليل حتى اهتدى أخيراً لسبب عذاب القط وهو حبسه وسجنه وأنه يتوق لحريته.. وبعدها شرح صغير عن أهمية حرية الإنسان، وأنه لا أحد يملك حجبها عنه.. وأن الحرية لا تعني فقط الحبس بين الجدران، إنما الحرية معنوية كذلك، وبدون الحرية يغدو الإنسان بلا قيمة، وعليه أن ينتزعها ممن حرمه منها؛ لأنها ليست هبة ولا منة يُمنّ بها عليه لكنها حق مكفول.. أنهيت قراءتي وكدت أهتف "ما أبدعك"!!
بدأت أسأله عما فهمه من الدرس؛ محاوِلة أن أجعله ينفض عن رأسه رغبته الشديدة في ترقيم الأفكار ورصها كما اعتاد.. وأخذتني تأملات عديدة؛ فالموضوع إذا تأمله أي شخص بدقة سيجده موضوعا معارضا سياسيا واجتماعيا من الدرجة الأولى! سألته: هل شرحه لهم المعلم؟ وكنت انتظر أن يخبرني أنهم سيلغونه من المقرر أو يجبرون الطلبة على قصّه من كتبهم إذا تداركوا خطأهم والمعنى العميق للدرس! لكنه أخبرني أنه تم شرحه كباقي الدروس.. ظللت أفكر ملياً ما معنى وضع هذا الموضوع الهام كمقرر دراسي؟ فكما هو معروف أن الحدأة لا ترمي بالكتاكيت.. موضوع قراءة يحث الطلاب على طلب حريتهم المادية والمعنوية، وألا يدعوا الفرصة لمن يتحكم بقوت يومهم ومأمنهم مقابل حريتهم.. بل ويخبرهم أن الحرية تُنتزع ولا تُوهب! كيف يعلمونهم الحرص على الحرية وهم يحيون كالعبيد بكل ما حولنا من فساد سياسي وكبت للحريات وتكميم للأفواه؟
لم تطل حيرتي طويلاً.. فللتأكيد أراني كراسة الفصل حيث شرح المدرس للدرس، وبها العنوان وكالعادة "الدروس المستفادة من الدرس" ثم هوب ترقيم (1.. 2..)! وذهبت حيرتي لتحلّ محلها الحسرة.. فلقد تحول الأمر إلى (دَش) وحفظ وتسميع معتاد.. درس هام عن الحرية وقيمتها ينتهي به المآل كباقي الحشو بالمناهج.. تسأل التلميذ بعده ما الذي تعلمته؟ فيلقي بدلوه من الأفكار المرقمة بلا فهم.. تعيد عليه طالباً أن يشرح لك قيمة الحرية.. فيعيد على مسامعك ما رصّه المدرس من أفكار!
وهكذا تنبّهت لفداحة الأمر؛ فحتى لو كان الموضوع يحث على التحرر مادياً والأهم فكرياً، فإن طول عهد الحفظ دون وعي جعلهم يرددون تلك الأفكار دون دراية؛ فقط تُسكب بورقة الإجابة ولا وظيفة لها سوى جني بعض الدرجات للنجاح! وهي إشارة خطيرة بالفعل عن المستوى الذي وصل له الوعي ومدى قدرتنا على فهم ما يقال.. فكأنك ترى ببغاء يردد نظريات أينشتاين.. فلن يفرحك مشهده؛ لأنك تعرف أنه لم يفهمها ولن يدركها. لكن فقط يكتفي بالترديد.. لم يُفده حفظها ولن يطبقها عملياً ليرتقي، فقط تحولت لمجموعة متشابكة من الأحرف تكرر بلا معنى.
وبدأت أتصور النتيجة التي ظهرت لطول عهد التدمير البطيء لخلايا التفكير والإدراك حتى لم يعد هناك أي قدرة على فهم معنى السطور ذاته وليس حتى ما بينها! تخيلت مغزاه المخيف، والذي يؤكد أن مأساة ومهزلة التعليم المزعوم كانت بالفعل جريمة حتى وصل الأمر إلى أنك عندما تُخبر أحدا بحقوقه ليعمل من أجلها، فتجد كل ما يأتي به هو حفظ تلك الحقوق جيداً وترقيمها وتسميعها!
أمضيت فترة أحاول شرح المعنى الحقيقي للموضوع دون أن أفرض وجهة نظري، ودون أن أطرح أفكاراً بعينها عليه.. ثم أتبعته بأمثلة لمواقف كي يدرك المعنى ويلمسه من الواقع؛ وبعدها بدأت أفكر في توبيخي له عندما يتغيب عن المدرسة، فكثيراً ما كان يقسم لي أنه يمضي أياماً كثيرة دون أن يدخل أي مدرس إلى الفصل، خاصة بعد إنفلونزا الخنازير التي أتت عيداً للدروس الخصوصية.. فإما يُمضي اليوم يلعب الكرة بالفِناء على مسمع ومرأى من الناظر.. وإما يقضي كل الحصص الثمانية نائماً! وقتها لم أعد أتهمه بالتقصير إذا ما غاب.. ليس فقط لأنه لا يجد من يدرس له، إنما في ظل هذا التدمير الشامل للوعي صار عدم الذهاب للمدرسة إنقاذاً للعقول!
ظلت المرارة بحلقي عندما أتخيل عدد الناجين من مذبحة العقول الجماعية هذه. فالأسر مشغولة عن الأبناء بالبحث عن لقمة العيش.. وقليل أو نادر من تجده يحرص على تنمية وعي أبنائه ومحاولة إنقاذهم من مأساة المناهج العقيمة قبل أن تمحو الشخصيات والعقول والوعي.. والأمر المؤسي هو الصورة التي يريدون بثها تماما كالحديث عن الديمقراطية الخيالية.. الطلاب يتغنون بالحرية.. كسجين مكبلة قدماه بالسلاسل، لكنه يردد درسه عن الحرية؛ ليثبت أنه تلميذ مجتهد في حين أنه من أثبت اجتهاده بالفعل هو من جعله لا يعي حتى أنه سجين!.