تفسير ابن كثر - سورة النساء - الآية 22

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email
وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22) (النساء) mp3
وَقَوْله تَعَالَى " وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاء " الْآيَة يُحَرِّم اللَّه تَعَالَى زَوْجَات الْآبَاء تَكْرِمَة لَهُمْ وَإِعْظَامًا وَاحْتِرَامًا أَنْ تُوطَأ مِنْ بَعْده حَتَّى أَنَّهَا لَتَحْرُم عَلَى الِابْن بِمُجَرَّدِ الْعَقْد عَلَيْهَا وَهَذَا أَمْر مُجْمَع عَلَيْهِ . قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا مَالِك بْن إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا قَيْس بْن الرَّبِيع حَدَّثَنَا أَشْعَث بْن سِوَار عَنْ عَدِيّ بْن ثَابِت عَنْ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار قَالَ : لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو قَيْس - يَعْنِي اِبْن الْأَسْلَت - وَكَانَ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَار فَخَطَبَ اِبْنه قَيْس اِمْرَأَته فَقَالَتْ : إِنَّمَا أَعُدّك وَلَدًا وَأَنْتَ مِنْ صَالِحِي قَوْمك وَلَكِنْ آتِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنَّ أَبَا قَيْس تُوُفِّيَ فَقَالَ : " خَيْرًا " ثُمَّ قَالَتْ إِنَّ اِبْنه قَيْسًا خَطَبَنِي وَهُوَ مِنْ صَالِحِي قَوْمه وَإِنَّمَا كُنْت أَعُدّهُ وَلَدًا فَمَا تَرَى ؟ فَقَالَ لَهَا " اِرْجِعِي إِلَى بَيْتك " قَالَ : فَنَزَلَتْ " وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاء " الْآيَة وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا الْقَاسِم حَدَّثَنَا حُسَيْن حَدَّثَنَا حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله " وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاء إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ " قَالَ : نَزَلَتْ فِي أَبِي قَيْس بْن الْأَسْلَت خَلَفَ عَلَى أُمّ عُبَيْد اللَّه ضَمْرَة وَكَانَتْ تَحْت الْأَسْلَت أَبِيهِ وَفِي الْأَسْوَد بْن خَلَف وَكَانَ خَلَف عَلَى اِبْنَة أَبِي طَلْحَة بْن عَبْد الْعُزَّى بْن عُثْمَان بْن عَبْد الدَّار وَكَانَتْ عِنْد أَبِيهِ خَلَف وَفِي فَاخِتَة اِبْنَة الْأَسْوَد بْن الْمُطَّلِب بْن أَسَد كَانَتْ عِنْد أُمَيَّة بْن خَلَف فَخَلَفَ عَلَيْهَا صَفْوَان بْن أُمَيَّة وَقَدْ زَعَمَ السُّهَيْلِيّ أَنَّ نِكَاح نِسَاء الْآبَاء كَانَ مَعْمُولًا بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّة وَلِهَذَا قَالَ " إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ " كَمَا قَالَ " وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْن الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ " قَالَ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ كِنَانَة بْن خُزَيْمَة تَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ فَأَوْلَدَهَا اِبْنة النَّضْر بْن كِنَانَة قَالَ : وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَلَدَتْ مِنْ نِكَاح لَا مِنْ سِفَاح " قَالَ : فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ سَائِغًا لَهُمْ ذَلِكَ فَأَرَادَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعُدُّونَهُ نِكَاحًا فَقَدْ قَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْمَخْزُومِيّ حَدَّثَنَا قُرَاد حَدَّثَنَا اِبْن عُيَيْنَة عَنْ عَمْرو عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّه إِلَّا اِمْرَأَة الْأَب وَالْجَمْع بَيْن الْأُخْتَيْنِ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى " وَلَا : تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاء" " وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْن الْأُخْتَيْنِ " وَهَكَذَا قَالَ عَطَاء وَقَتَادَة وَلَكِنْ فِيمَا نَقَلَهُ السُّهَيْلِيّ مِنْ قِصَّة كِتَابه نَظَر وَاَللَّه أَعْلَم وَعَلَى كُلّ تَقْدِير فَهُوَ حَرَام فِي هَذِهِ الْأُمَّة مُبَشَّع غَايَة التَّبَشُّع وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَة وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا " وَقَالَ " وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ " وَقَالَ " وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَة وَسَاءَ سَبِيلًا " فَزَادَ هَهُنَا " وَمَقْتًا " أَيْ بُغْضًا أَيْ هُوَ أَمْر كَبِير فِي نَفْسه وَيُؤَدِّي إِلَى مَقْت الِابْن أَبَاهُ بَعْد أَنْ يَتَزَوَّج بِامْرَأَتِهِ فَإِنَّ الْغَالِب أَنَّ مَنْ يَتَزَوَّج بِامْرَأَةٍ يَبْغَض مَنْ كَانَ زَوْجهَا قَبْله وَلِهَذَا حُرِّمَتْ أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْأُمَّة لِأَنَّهُنَّ أُمَّهَات لِكَوْنِهِنَّ زَوْجَات النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ كَالْأَبِ بَلْ حَقّه أَعْظَم مِنْ حَقّ الْآبَاء بِالْإِجْمَاعِ بَلْ حُبّه مُقَدَّم عَلَى حُبّ النُّفُوس صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ . وَقَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح فِي قَوْله " وَمَقْتًا " أَيْ يَمْقُت اللَّه عَلَيْهِ " وَسَاءَ سَبِيلًا " أَيْ وَبِئْسَ طَرِيقًا لِمَنْ سَلَكَهُ مِنْ النَّاس فَمَنْ تَعَاطَاهُ بَعْد هَذَا فَقَدْ اِرْتَدَّ عَنْ دِينه فَيُقْتَل وَيَصِير مَاله فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَال كَمَا رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد وَأَهْل السُّنَن مِنْ طُرُق عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب عَنْ خَاله أَبِي بُرْدَة - وَفِي رِوَايَة اِبْن عُمَر وَفِي رِوَايَة عَمّه - أَنَّهُ بَعَثَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَجُل تَزَوَّجَ اِمْرَأَة أَبِيهِ مِنْ بَعْده أَنْ يَقْتُلهُ وَيَأْخُذ مَاله وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا هُشَيْم حَدَّثَنَا أَشْعَث عَنْ عَدِيّ بْن ثَابِت عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب قَالَ : مَرَّ بِي عَمِّي الْحَارِث بْن عُمَيْر وَمَعَهُ لِوَاء قَدْ عَقَدَهُ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت لَهُ : أَيْ عَمّ أَيْنَ بَعَثَك النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : بَعَثَنِي إِلَى رَجُل تَزَوَّجَ اِمْرَأَة أَبِيهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِب عُنُقه . " مَسْأَلَة " وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى تَحْرِيم مَنْ وَطِئَهَا الْأَب بِتَزْوِيجٍ أَوْ مِلْك أَوْ شُبْهَة وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ بَاشَرَهَا بِشَهْوَةٍ دُون الْجِمَاع أَوْ نَظَرَ إِلَى مَا لَا يَحِلّ لَهُ النَّظَر إِلَيْهِ مِنْهَا لَوْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّة فَعَنْ الْإِمَام أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّه أَنَّهَا تَحْرُم أَيْضًا بِذَلِكَ وَقَدْ رَوَى الْحَافِظ اِبْن عَسَاكِر فِي تَرْجَمَة خَدِيج الْحِمْصِيّ مَوْلَى مُعَاوِيَة قَالَ : اِشْتَرَى لِمُعَاوِيَةَ جَارِيَة بَيْضَاء جَمِيلَة فَأَدْخَلَهَا عَلَيْهِ مُجَرَّدَة وَبِيَدِهِ قَضِيب فَجَعَلَ يَهْوِي بِهِ إِلَى مَتَاعهَا وَيَقُول نِعْمَ الْمَتَاع لَوْ كَانَ لَهُ مَتَاع اِذْهَبْ بِهَا إِلَى يَزِيد بْن مُعَاوِيَة ثُمَّ قَالَ لَا اُدْعُ لِي رَبِيعَة بْن عَمْرو الْحَرَسِيّ وَكَانَ فَقِيهًا فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ إِنَّ هَذِهِ أُتِيت بِهَا مُجَرَّدَة فَرَأَيْت مِنْهَا ذَاكَ وَذَاكَ وَإِنِّي أَرَدْت أَنْ أَبْعَث بِهَا إِلَى يَزِيد فَقَالَ : لَا تَفْعَل يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهَا لَا تَصْلُح لَهُ , ثُمَّ قَالَ نِعْمَ مَا رَأَيْت ثُمَّ قَالَ : اُدْعُ لِي عَبْد اللَّه بْن مَسْعَدَة الْفَزَارِيّ فَدَعَوْته وَكَانَ آدَم شَدِيد الْأُدْمَة . فَقَالَ : دُونك هَذِهِ بَيِّضْ بِهَا وَلَدك قَالَ : وَكَانَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعَدَة هَذَا وَهَبَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنَتِهِ فَاطِمَة فَرَبَّتْهُ ثُمَّ أَعْتَقَتْهُ ثُمَّ كَانَ بَعْد ذَلِكَ مَعَ مُعَاوِيَة عَلَى عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .
none
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

كتب عشوائيه

  • فاطمة بنت الحسين درة فواطم أهل البيت

    فاطمة بنت الحسين درة فواطم أهل البيت: إِنها فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم أجمعين - التابعية الجليلة المحدثة والمربية الفاضلة الصَّابرة المحتسبة أجرها في صبرها وعنائها في رعاية أبنائها عند الله عز وجل فمع هذه الشخصية سوف نستروِحَ من عِطرها وسيرتها الزكية ما تنشرح له الصُّدور، وتلذ الأفئدة، وتطمئن القلوب.

    الناشر: مركز البحوث في مبرة الآل والأصحاب http://www.almabarrah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/58132

    التحميل:

  • منزلة الصلاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

    منزلة الصلاة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة: رسالة مختصرة في: منزلة الصلاة في الإسلام، بيّن فيها المؤلف - حفظه الله - بإيجاز مفهوم الصلاة، وحكمها، ومنزلتها، وخصائصها، وحكم تاركها، وفضلها، بالأدلة من الكتاب والسنة.

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1915

    التحميل:

  • مفاتيح الخير

    مفاتيح الخير: إن من أنفع أبواب العلم وأكثرها خيرًا على المسلم معرفةُ مفاتيح الخير من مفاتيح الشر; ومعرفة ما يحصل به النفع مما يحصل به الضر; فإن الله - سبحانه وتعالى - جعل لكل خيرٍ مفتاحًا وبابًا يُدخل منه إليه; وجعل لكل شرٍّ مفتاحًا وبابًا يُدخَل منه إليه; وفي هذه الرسالة بيان هذه المفاتيح للخير.

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/316782

    التحميل:

  • جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين

    جمع القرآن : هذه الرسالة تتحدث عن جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين، وقد قسمها الكاتب إلى: تمهيد، وثلاثة مباحث، وخاتمة. أما التمهيد: فيحتوي على: (1) تعريف القرآن الكريم لغة واصطلاحاً. (2) مفهوم جمع القرآن الكريم. (3) صلة القرآن بالقراءات. المبحث الأول: جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه. المبحث الثاني: جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه. المبحث الثالث: وفيه مطلبان: (1) الفروق المميزة بين الجمعين. (2) الأحرف السبعة ومراعاتها في الجمعين.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/90692

    التحميل:

  • موطأ مالك

    موطأ مالك: في هذه الصفحة نسخة الكترونية من كتاب الموطأ للإمام مالك - رحمه الله -، وهو واحد من دواوين الإسلام العظيمة، وكتبه الجليلة، يشتمل على جملة من الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة من كلام الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ثم هو أيضا يتضمن جملة من اجتهادات المصنف وفتاواه. وقد سمي الموطأ بهذا الاسم لأن مؤلفه وطَّأَهُ للناس، بمعنى أنه هذَّبَه ومهَّدَه لهم. ونُقِل عن مالك - رحمه الله - أنه قال: عرضت كتابي هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة، فكلهم واطَأَنِي عليه، فسميته الموطأ.

    الناشر: موقع أم الكتاب http://www.omelketab.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/140688

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة