تفسير ابن كثر - سورة الفاتحة - الآية 5

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) (الفاتحة) mp3
قَرَأَ السَّبْعَةُ وَالْجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ " إِيَّاكَ " وَقَرَأَ عَمْرُو بْن فَايِد بِتَخْفِيفِهَا مَعَ الْكَسْر وَهِيَ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ مَرْدُودَةٌ لِأَنَّ إِيَّا ضَوْء الشَّمْس وَقَرَأَ بَعْضهمْ " أَيَّاك " بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَتَشْدِيد الْيَاء وَقَرَأَ بَعْضهمْ هِيَّاك بِالْهَاءِ بَدَل الْهَمْزَة كَمَا قَالَ الشَّاعِر : فَهِيَّاك وَالْأَمْر الَّذِي إِنْ تَرَاحَبَتْ مَوَارِده ضَاقَتْ عَلَيْك مَصَادِره وَنَسْتَعِين بِفَتْحِ النُّون أَوَّل الْكَلِمَة فِي قِرَاءَة الْجَمِيعِ سِوَى يَحْيَى بْن وَثَّاب وَالْأَعْمَش فَإِنَّهُمَا كَسَرَاهَا وَهِيَ لُغَة بَنِي أَسَد وَرَبِيعَة وَبَنِي تَمِيم وَالْعِبَادَة فِي اللُّغَة مِنْ الذُّلِّ يُقَالُ طَرِيق مُعَبَّد وَبَعِير مُعَبَّد أَيْ مُذَلَّل وَفِي الشَّرْع عِبَارَة عَمَّا يَجْمَع كَمَال الْمَحَبَّة وَالْخُضُوع وَالْخَوْف. وَقَدَّمَ الْمَفْعُولَ وَهُوَ إِيَّاكَ وَكُرِّرَ لِلِاهْتِمَامِ وَالْحَصْر أَيْ لَا نَعْبُد إِلَّا إِيَّاكَ وَلَا نَتَوَكَّل إِلَّا عَلَيْك وَهَذَا هُوَ كَمَال الطَّاعَة . وَالدِّين كُلّه يَرْجِع إِلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ . وَهَذَا كَمَا قَالَ بَعْض السَّلَف الْفَاتِحَة سِرّ الْقُرْآن وَسِرّهَا هَذِهِ الْكَلِمَة " إِيَّاكَ نَعْبُد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين " فَالْأَوَّل تَبَرُّؤٌ مِنْ الشِّرْك وَالثَّانِي تَبَرُّؤٌ مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ وَالتَّفْوِيض إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَهَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْر آيَة مِنْ الْقُرْآن كَمَا قَالَ تَعَالَى : " فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبّك بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " " قُلْ هُوَ الرَّحْمَن آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا" " رَبّ الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَاِتَّخِذْهُ وَكِيلًا " وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة " إِيَّاكَ نَعْبُد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين " وَتَحَوُّل الْكَلَام مِنْ الْغَيْبَة إِلَى الْمُوَاجَهَة بِكَافِ الْخِطَاب وَهُوَ مُنَاسَبَة لِأَنَّهُ لَمَّا أَثْنَى عَلَى اللَّه فَكَأَنَّهُ اِقْتَرَبَ وَحَضَرَ بَيْن يَدَيْ اللَّه تَعَالَى فَلِهَذَا قَالَ : " إِيَّاكَ نَعْبُد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين" وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ أَوَّلَ السُّورَة خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى بِالثَّنَاءِ عَلَى نَفْسه الْكَرِيمَة بِجَمِيلِ صِفَاته الْحُسْنَى وَإِرْشَاد لِعِبَادِهِ بِأَنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَلِهَذَا لَا تَصِحّ صَلَاة مَنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَهُوَ قَادِر عَلَيْهِ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا صَلَاة لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب " . وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث الْعَلَاء بْن عَبْد الرَّحْمَن مَوْلَى الْحُرَقَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْره عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" يَقُول اللَّه تَعَالَى قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفهَا لِي وَنِصْفهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ إِذَا قَالَ الْعَبْد " الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ " قَالَ اللَّه حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ " الرَّحْمَن الرَّحِيم " قَالَ اللَّه أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي فَإِذَا قَالَ : " مَالِك يَوْم الدِّين" قَالَ اللَّه مَجَّدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ " إِيَّاكَ نَعْبُد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين " قَالَ هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ " اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ " قَالَ هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ " وَقَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا " إِيَّاكَ نَعْبُد" يَعْنِي إِيَّاكَ نُوَحِّد وَنَخَاف وَنَرْجُوك يَا رَبّنَا لَا غَيْرك" وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين " عَلَى طَاعَتك وَعَلَى أُمُورنَا كُلّهَا وَقَالَ قَتَادَة " إِيَّاكَ نَعْبُد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين " يَأْمُركُمْ أَنْ تُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ وَأَنْ تَسْتَعِينُوهُ عَلَى أُمُوركُمْ وَإِنَّمَا قَدَّمَ " إِيَّاكَ نَعْبُد " عَلَى " وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين" لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَهُ هِيَ الْمَقْصُودَة وَالِاسْتِعَانَة وَسِيلَة إِلَيْهَا وَالِاهْتِمَام وَالْحَزْم تَقْدِيم مَا هُوَ الْأَهَمّ فَالْأَهَمّ وَاَللَّه أَعْلَم . فَإِنْ قِيلَ : فَمَا مَعْنَى النُّون فِي قَوْله تَعَالَى " إِيَّاكَ نَعْبُد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين " فَإِنْ كَانَتْ لِلْجَمْعِ فَالدَّاعِي وَاحِد وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّعْظِيمِ فَلَا يُنَاسِب هَذَا الْمَقَامَ ؟ وَقَدْ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد مِنْ ذَلِكَ الْإِخْبَار عَنْ جِنْس الْعِبَاد وَالْمُصَلِّي فَرْد مِنْهُمْ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِي جَمَاعَة أَوْ إِمَامهمْ فَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسه وَعَنْ إِخْوَانه الْمُؤْمِنِينَ بِالْعِبَادَةِ الَّتِي خُلِقُوا لِأَجْلِهَا وَتَوَسَّطَ لَهُمْ بِخَيْرٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجُوز أَنْ تَكُون لِلتَّعْظِيمِ كَأَنَّ الْعَبْدَ قِيلَ لَهُ إِذَا كُنْت دَاخِل الْعِبَادَة فَأَنْتَ شَرِيف وَجَاهك عَرِيض فَقُلْ " إِيَّاكَ نَعْبُد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين" وَإِنْ كُنْت خَارِج الْعِبَادَة فَلَا تَقُلْ نَحْنُ وَلَا فَعَلْنَا وَلَوْ كُنْت فِي مِائَة أَلْف أَوْ أَلْف أَلْف لِاحْتِيَاجِ الْجَمِيع إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَفَقْرهمْ إِلَيْهِ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِيَّاكَ نَعْبُد أَلْطَف فِي التَّوَاضُع مِنْ إِيَّاكَ عَبْدنَا لِمَا فِي الثَّانِي مِنْ تَعْظِيم نَفْسه مِنْ جَعْله نَفْسَهُ وَحْده أَهْلًا لِعِبَادَةِ اللَّه تَعَالَى الَّذِي لَا يَسْتَطِيع أَحَد أَنْ يَعْبُدهُ حَقّ عِبَادَته وَلَا يُثْنِي عَلَيْهِ كَمَا يَلِيق بِهِ وَالْعِبَادَة مَقَام عَظِيم يُشَرَّف بِهِ الْعَبْد لِانْتِسَابِهِ إِلَى جَنَاب اللَّه تَعَالَى كَمَا قَالَ بَعْضهمْ : لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدهَا فَإِنَّهُ أَشْرَف أَسْمَائِي وَقَدْ سَمَّى اللَّه رَسُولَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَبْدِهِ فِي أَشْرَف مَقَامَاته فَقَالَ : " الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْده الْكِتَاب " " وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْد اللَّه يَدْعُوهُ " " سُبْحَان الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا " فَسَمَّاهُ عَبْدًا عِنْد إِنْزَاله عَلَيْهِ وَعِنْدَ قِيَامه فِي الدَّعْوَة وَإِسْرَائِهِ بِهِ وَأَرْشَده إِلَى الْقِيَام بِالْعِبَادَةِ فِي أَوْقَات يَضِيق صَدْره مِنْ تَكْذِيب الْمُخَالِفِينَ حَيْثُ يَقُول" وَلَقَدْ نَعْلَم أَنَّك يَضِيق صَدْرك بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبّك وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبّك حَتَّى يَأْتِيَك الْيَقِين " وَقَدْ حَكَى الرَّازِيّ فِي تَفْسِيره عَنْ بَعْضهمْ أَنَّ مَقَام الْعُبُودِيَّة أَشْرَف مِنْ مَقَام الرِّسَالَة لِكَوْنِ الْعِبَادَة تَصْدُر مِنْ الْخَلْق إِلَى الْحَقّ وَالرِّسَالَة مِنْ الْحَقّ إِلَى الْخَلْق قَالَ وَلِأَنَّ اللَّهَ يَتَوَلَّى مَصَالِح عَبْده وَالرَّسُول يَتَوَلَّى مَصَالِحَ أُمَّته وَهَذَا الْقَوْل خَطَأ وَالتَّوْجِيه أَيْضًا ضَعِيف لَا حَاصِلَ لَهُ وَلَمْ يَتَعَرَّض لَهُ الرَّازِيّ بِتَضْعِيفٍ وَلَا رَدٍّ . وَقَالَ بَعْض الصُّوفِيَّة الْعِبَادَة إِمَّا لِتَحْصِيلِ ثَوَاب أَوْ دَرْء عِقَاب قَالُوا وَهَذَا لَيْسَ بِطَائِلٍ إِذْ مَقْصُوده تَحْصِيل مَقْصُوده وَإِمَّا لِلتَّشْرِيفِ بِتَكَالِيف اللَّه تَعَالَى وَهَذَا أَيْضًا عِنْدَهُمْ ضَعِيف بَلْ الْعَالِي أَنْ يُعْبَد اللَّه لِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَة الْمَوْصُوفَة بِالْكَمَالِ قَالُوا وَلِهَذَا يَقُول الْمُصَلِّي : أُصَلِّي لِلَّهِ , وَلَوْ كَانَ لِتَحْصِيلِ الثَّوَاب وَدَرْء الْعِقَاب لَبَطَلَتْ الصَّلَاة وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ آخَرُونَ وَقَالُوا : كَوْن الْعِبَادَة لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُنَافِي أَنْ يَطْلُب مَعَهَا ثَوَابًا وَلَا أَنْ يَدْفَع عَذَابًا كَمَا قَالَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيّ : أَمَا إِنِّي لَا أُحْسِن دَنْدَنَتك وَلَا دَنْدَنَة مُعَاذ إِنَّمَا أَسْأَل اللَّه الْجَنَّة وَأَعُوذ بِهِ مِنْ النَّار فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " حَوْلهَا نُدَنْدِن " .
none
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

كتب عشوائيه

  • الإرشاد إلى طريق النجاة

    الإرشاد إلى طريق النجاة : تحتوي هذه الرسالة على بيان بعض نواقض الإسلام، مع كيفية التمسك بالكتاب والسنة، مع التحذير من بعض المحرمات المنتهكة وبيان أدلة تحريمها.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265559

    التحميل:

  • شرح مناسك الحج والعمرة على ضوء الكتاب والسنة

    شرح مناسك الحج والعمرة على ضوء الكتاب والسنة مجردة عن البدع والخرافات التي ألصقت بها وهي ليست منها.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/314829

    التحميل:

  • فضل دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

    بيان فضل دعوة الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - من نشر التوحيد والدعوة إليه، وقمع الشرك والتحذير منه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2499

    التحميل:

  • الله لطيف بعباده

    الله لطيف بعباده: قال المصنف - حفظه الله -: «فما سمعت أذن، ولا رأت عين ألطف بالعباد من رب العباد، ترى الأمور العظام والمصائب الشداد، فإذا انجلى الأمر فإذا الخير والأجر. الله لطيف بعباده؛ خلقهم، ورزقهم، وهداهم، وأسكن من شاء منهم جنته، رحمته سبقت غضبه، وفضله سبق عقابه. هذا الكتيب... إلى من استوحشت به الطرق، وافترقت به المسالك، وأظلته سحابة حزن، وترك له الزمن جرحًا ينزف.. الله لطيف بعباده».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208983

    التحميل:

  • درء تعارض العقل والنقل

    درء تعارض العقل والنقل : يعدُّ هذا الكتاب من أنفس كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، كما صرح بذلك معظم الذين ترجموا له. وموضوعه: كما يدل عنوانه هو دفع التعارض الذي أقامه المتكلمون والفلاسفة بين العقل والنقل، فيقرر الشيخ الأدلة السمعية، ويبرهن على إفادتها القطع واليقين، فيقول: أما كتابنا هذا فهو في بيان انتفاء المعارض العقلي وأبطال قول من زعيم تقديم الأدلة العقلية مطلقاً.

    المدقق/المراجع: محمد رشاد سالم

    الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/272829

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة