وهناك بشائر من الفضل الإلهي يوم القيامة وفي الدار الآخرة
البشرى الأولي: بشرى الهناء تحت اللواء
أين نذهب إذا خرجنا من القبور؟ وكيف نستدل على رسول الله وسط هذه الجموع من خلق الله من آدم إلى ما شاء الله؟ رسول الله هو الوحيد الذى سيسمح له بحمل اللواء يوم القيامة، ويلهمه الخالق الرحمن بأقوال ومحامد فوق العقل والإمكان فيحمل لواء حمد الرحمن نائباً عن خلق جميع الأكوان وهو لواء يراه الكل على بعد المكان فترى اللواء حيثما كنت من أرض المحشر فتعلم أنه لواء الحمد بيد الحبيب وكل فرد من أمته هو منه قريب ولو كنت فى أبعد بقعة من أرض المحشر فليس أحد من أتباعه عنه ببعيدفتفرح وتهنأ ، فكما كنت فى الدنيا تحت لواء سنته فأنت فى الآخرة تحت لواء حمده وشكره ومنته قال صلى الله عليه وسلم:
{ أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجاً إِذَا بُعِثُوا، وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا مُبَشرُهُمْ إِذَا أَيِسُوا، لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَئذٍ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبي وَلاَ فَخْرَ}[1]
قال الشيخ عبد الرحيم الطباطبائى:
وَأَعلى لَهُ بَينَ الخَلائِقِ مَنصِباً رَفيعَ الذَرى مِن دونِهِ الرُسُل تَمتَد
أَلَيسَ لَهُ بِدءُ الشَفاعَةِ في غَد وَقَد حارَت الأَلبابُ وَالكُربُ مُشتَد
أَلَيسَ مَلاذُ الخَلقِ في ظِلِّ عِزِّهِ أَلَيسَ لِواءَ الحَمدِ يَنثُرُهُ الحَمدُ
أَلَيسَ جِنانَ الخُلدِ يَفتَحَها لَهُ وَلَولاهُ ما كانَت جِنانٌ وَلا خُلدُ
فَيا خَيرُ خَلقِ اللّهِ مَجداً وَمُحتَداً وَنَفساً وَأَخلاقاً بِها عرف المَجد
وَيا خيرَة الرَحمنِ مِن كُلِّ خَلقِهِ وَيا سَبَبَ الايجادِ لِلخَلقِ إِذ أَبدوا
وَيا مُرتَجى العاني إذا ضاقَ ذَرعُهُ وَيا مُلتَجى الجاني إِذا راعَهُ الصَد
وَأَنتَ لَكَ الجاهَ العَريضَ لَكَ الثَنا لَكَ المَنصِبُ العالي مِنَ اللّهَ وَالمَجد
فكُن لي شَفيعاً إِذ أُقَدِّم حافِياً وَمالي مِنَ الأَعمالِ سَعد وَلا مَعد
البشرى الثانية: من القبور إلى الحور والسرور
هذه البشرى تطير لها العقول وتهفو لها الأرواح والأفئدة أناس إذا انشقت عنهم القبور بعد النفخ فى الصور ونزلت الأرواح فى الأجساد فاستنشقوا نسيم الآخرة بقدرة المنعم الجواد أنبت الله لهم ريشاً وأجنحة فطاروا من قبورهم لايوقفهم أحد لأنه تحملهم قدرة الواحد الأحد فوق رؤوس الخلق وليس كمثلهم أحد! .. قال فيهم الفرد المعتمد من الله الصمد صلى الله عليه وسلم:
{ إذا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أَنْبَتَ اللَّه تَعَالَى لِطَائِفَةٍ مِنْ أُمَّتِي أَجْنِحَةً فَيَطِيرُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ إلَى الجِنَانِ يَسْرَحُونَ فِيها وَيَتَنَعَمُونَ فِيها كَيْفَ شَاؤُوا، فَتَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةَ: هَلْ رَأَيْتُمُ الحِسَابَ؟ فَيَقُولُون: ما رَأَيْنَا حِسَاباً، فَتَقُولُ لَهُمْ: هَلْ جُزْتُمُ الصِّرَاطَ؟ فَيَقُولُونَ: ما رَأَيْنَا صِرَاطاً، فَتَقُولُ لَهُمْ: هَلْ رَأَيْتُمْ جَهَنَّمَ؟ فَيَقُولُونَ: ما رَأَيْنَا فَتَقُولُ المَلائِكَة: مِنْ أُمَّةِ مَنْ أَنْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ }[2]
ويؤيد تلك البشرى قول الله:
[إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ]
بعيدون عن الموقف وجهنم وغير ذلك
[لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا]
لا يسمعون صوتها الذى يسمع على مسيرة خمسمائة عام! إذاً أين هم؟
[وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ]
فتسألهم الملائكة أمام الخلائق وهم يطيرون إلى قصورهم:
{ نَاشَدْنَاكُمْ اللَّهَ حَدِّثُونا ما كَانَتْ أَعْمَالُكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَيَقُولُونَ: خَصْلَتَانِ كَانَتَا فِينا فَبَلَغْنَا هذِهِ المَنْزِلَةَ بِفَضْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ فَيَقُولُونَ: وَما هُمَا؟ فَيَقُولُونَ: كُنَّا إذا خَلَوْنَا نَسْتَحِي أَنْ نَعْصِيه وَنَرْضَى بِاليَسِيرِ مِمَّا قُسِمَ لَنَا، فَتَقُولَ المَلائِكَةُ: يَحِقُّ لَكُمْ هذا }[3]
هؤلاء يدخلون قصورهم ويجلسون فى شرفاتها ويشهدون ما يحدث فى العرض والحساب من الله لأهل الموقف وهم فى الجنة، يقول الله فيهم وفي شأنهم:
[عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ]
قال القائل فى مقام هؤلاء:
يترقبون النفخة الـأولى وأخرى ثانية
آها لـها من نفخة جمعت جسوما باليه
وبها لقد كشفت لـها منها سرائر خافيه
وتطايرت فيها الخطوط أيامنا وشماليه
فاز السعيد بها فطار الى القصور العاليه
بجناح نبت بقدرة الله العظيم الوافيه
سهاما تطير فوق الرؤوس الشاخصات الرانيه
فتعجبت منها الملائك فاستوفقتهم راجيه
من أنتمو وما عملــتم فى الأيام الماضيه
نبينا محمد والحياء سبيلــنا فى الأوقات الخافيه
كما رضينا بفعــلـه فى الأقدار القاسيه
وقال أحد الصالحين يسأل الله تعالى أن يكرمه بتلك المقامات الراقية من الحفظ من الحساب يوم الحساب:
يا إلهي هبنا عطاياك تترى من علوم والخير والإيقان
وعلى منهج القران أمتني واجعل القبر روضة من جنان
واحفظني من الحساب امنحني يوم ألقاك واسع الإحسان
البشرى الثالثة: بشرى خطاب الأحباب فى السنة والكتاب
في القرآن خاطب الله أهل الإيمان وأنزل عليهم البشريات المتواليات من سحب الرحمة والحنان إذ قال:
{يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}
فخاطبهم بنداء القريب للقريب ونسبهم لذاته ليشعرهم بقربهم منه وقربه منهم فألبسهم ثوب الأمن والأمان وخلع عنهم جميع ثياب الخوف وكساهم ثياب الخير والإحسان والسعادة والهناء والحنان فيا بشرى من سمع النداء وكما قال الكثير من العلماء أنه أمنهم من الخوف والحزن
أما البشرى التى ساقها الحبيب المصطفى فهي تتجلى فى أول خطاب يدور بين الله وبين عباده المؤمنين
{إنْ شِئْتُمْ أَنْبَأْتُكُمْ مَا أَوّلُ مَا يَقُولُ الله تَعَالَى لِلْمُؤْمِنينَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَا أَوّلُ مَا يَقُولُونَ لَهُ، فَإِنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ لِلْمُؤْمِنينَ: هَلْ أَحْبَبْتُمْ لِقَائِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ يَا رَبّنَا. فَيَقُولُ: لِمَ؟ فَيَقُولُونَ: رَجَوْنَا عَفْوَكَ وَمَغْفِرَتَكَ، فَيَقُولُ: قَدْ أَوْجَبْتُ لَكُمْ عَفْوِي وَمَغْفِرَتِي }[4]
قال سيدنا الإمام على فى أحداث يوم القيامة:
إِذا قَرُبَتْ سَاعَةٌ يا لَها وَزُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَها
تَسِيرُ الجبالُ على سُرْعَةٍ كَمَرِّ السِّحَابِ تَرَى حَالَها
وَتَنْفَطِرُ الأَرْضُ مِنْ نَفْخةٍ هُنَالِكَ تُخْرِجُ أَثْقَالَها
وَلا بُدَّ مِنْ سائلٍ قائِلٍ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئذٍ ما لـها
يُحَدِّثُ أَخْبارَها رَبُّها وَرَبُّكَ لا شَكَّ أَوْحَى لـها
تَرَى النَّفْسُ ما عَمِلَتْ مُحْضَرا ولو ذَرَّةً كان مِثْقَالَها
يحاسِبُها مَلَكٌ قادِرٌ فإِمّا عَلَيها وإمّا لـها
تَرَى النَّاسَ سَكرى بلا خَمْرةٍ وَلَكِنْ تَرَى العَيْنُ ما هَالَها
يتبع إن شاء الله
[1] سنن الترمذي عن أنس.
[2] الإحياء، وفى تخريج الإحياء للحافظ العراقى: رواه ابن حبان في الضعفاء وأبو عبد الرحمن السلمي من حديث أنس مع اختلاف
[3] إحياء علوم الدين، وطبقات الشافعية الكبرى، وتخريج أحاديث الإحياء للعراقى
[4] رواه وأحمد والطبراني عن معاذ بن جبل
fahzv hgtqg hgYgid d,l hgrdhlm p,g