وفي هذا النطاق لا يتمتع بذلك الاحتكار المرتبط بأحكام المادة الرابعة ) .
و المادة الرابعةوالخامسة تظهر بصورة واضحة أن التقسيم من حيث الوظائف بين الفئات الثلاث مازالقائماً ، فإذا كان للمحامي له احتكار أعمال التمثيل أمام المحكمة الكبرى في حدودالاختصاص الإقليمي ، إلا أن نشاطه يتقلص اتجاه مساعدة العملاء و تقديم الاستشارةالقانونية لهم .
وقد نظم المتشرع الفرنسي الشروط المطلوبة للانتساب إلى نقابةالمحامين مع العلم بأنه لا يوجد تنظيم لنقابات عامة للمحامين بل هناك نقابات فرعيةفي دائرة المحاكم الكبرى في فرنسا .
و هكذا لاحظنا مدى تأثر القانون الفرنسيبالقانون الروماني من خلال تصنيف المحامين ووكلاء الدعاوى .
الفرع الثاني..
المحاماة في القوانين الوضعيةالإنجلوسكسونية
في هذا الفرع سأتكلم عن نشأة المحاماة فيالقانون الإنكليزي ثم نعرض للمحاماة في القانون الأمريكي "الولايات المتحدةالأمريكية" .
أولاً:المحاماة في القانون الإنكليزي :
يرى بعض الكتاب أن أصول المحاماة في المملكةالمتحدة تعود إلى العصور الوسطى حيث ( كان النزال والتقاتل بالرماح على صهوة الجيادهما الوسيلة الوحيدة للحكم والقضاء لصالح الغالب دائماً والذي يعد بذلك بريئاً ،أما المغلوب فهو المذنب . وهكذا كانت و مازالت العدالة في العصور الوسطى في إنجلتراومن ينهج نهجها و يدور في فلكها .
و بدأت ممارسات الإنابة للنساء , أعضاءالكنيسة و المستضعفين في الأرض حيث ينوب عنهم فارس ينازل خصمه المدعي أو المدعىعليه بحسب الأحوال ، وبذلك كانت إنابة الفرسان نظاماً يكاد يشبه فكرة المحاماة معالفارق .)
فالفارس هنا يحامي و يدافع عن طالب النصرة ، و المحامي يدافع و يحاميعن موكله ، بيد أن هناك بوناً شاسعاً ما بين الاثنين فالفارس يعتمد على قوته الجسدية لصرع خصمه ونصرة صاحبه .
أما المحامي فيعتمد على قدراته العقلية وبلاغته الكلامية وثقافته القانونية وربما سلطته القضائية لإحقاق الحق ونصرة موكله .
واستمرت حال النزال هذه إلى أن حرمتها الكنيسة على أساس أنها تخالف التعاليم المسيحية السمحة .
و نتيجة هذا التحريم اضطر طرفا الخصومة القضائية إلى أنيستعينا بصديق له خبرة قضائية و دراية بأعمال القضاء وإجراءاته ، لذلك كان هذاالصديق من يردد العبارات الشكلية الضرورية لإقامة الدعوى أو اتخاذ الإجراءاتاللازمة لتقديم الدفاع .
وفي القرن الرابع عشر ظهرت طبقة جديدة مختارة من قبلالتاج الملكي الإنكليزي سميت "Sergeants" التي أصبح لها شأن كبير حتى أن القضاةكانوا يختارون منها وصار المتميز منهم يشكل مدرسة يجتمع في منزله الطلبة لتلقيالعلم القانوني ، و اتخذ هذا التجمع بعد ذلك شكل الجمعيات و نوادي القانون القائمةحتى الآن ، وتتوزع ممارسة مهنة المحاماة اليوم في إنجلترا بين المحامي ، و يطلقعليه اسم Barristerو وكيل الدعاوى يطلق عليه اسم Sollicitor . ومن المعروف اليومأنه لا يجوز المثول أمام بعض الهيئات القضائية إلا لمن كان محاميا Barrister حيثيترافع مثلا" أمام مجلس اللوردات ، و اللجنة القضائية للشؤون الخاصة و المحكمةالعليا و المحاكم الجزائية في المقاطعات و المحكمة الجنائية المركزية في لندن والتي تعرف باسم .( أولدبيلي ) .
و الجدير بالذكر أنه لا توجد علاقة قانونيةمباشرة ما بين العميل و المحامي حيث أن وكيل الدعاوى هو الذي يحمل القضية إلىالمحامي الذي يتدرب عادة عنده ، و يطلب منه تقديم المساعدة القانونية إلى العميل ويقدم وكيل الدعاوى القضية على شكل مذكرة مكتوبة تتضمن المعلومات الكافية عن القضيةو الأدلة و الأسانيد و المعلمات و الوثائق .
و هناك صراع دائم بين خريجي الجامعاتالإنكليزية و خريجي جمعيات المحامين يعاني منه المجتمع الإنكليزي .
و هكذا نرىأن المحاماة في المملكة المتحدة مقسمه بين أكثر من مجموعة أشخاص ، فهناك وكلاءالدعاوى المنضمون إلى جمعيات المحامين وهم الذين يتعاقدون مع العملاء ، وتدورعلاقاتهم في أعمال الوكالة .
وهناك المحامون الذين يدرسون القضايا المفروضةعليهم دراسة قانونية . و يعطون آراءهم على شكل مذكرات مدونة بها الدفوع و الطلبات وغيرها من الأمور القانونية المحضة .
و مازالت قبضة المحامين شديدة على كل منوكلاء الدعاوى و خريجي كليات الحقوق ، ويوجد مجلس عام للمحامين منذ العام 1894مميلادي يختص بمراعاة آداب المهنة و إصدار التعليمات في شأنها و يعمل على تطويرالثقافة المهنية للمحامين .
لا جرم بأن المحاماة في الولايات المتحدةالأمريكية متأثرة تأثراً مباشراً بالتقاليد الإنكليزية نتيجة احتلال إنكلتراللولايات المتحدة لفترة ليست بالقصيرة .
و ظهرت في بعض الأحيان بعض النظمالشبيهة بتلك التي ظهرت في إنكلترا كما هي الحال بالنسبة لصديق المتهم AMICUS الذييعمل من تلقاء نفسه ليقدم اقتراحاُ للمحكمة في مسائل الوقائع و القانون التي فيعلمه .
و لاشك في أن السماح لصديق المتهم بالدفاع عن صديقه كان نتيجة حتمية لعدموجود المحاماة في الولايات المتحدة الأمريكية يومئذ :
ينص في دستور ولايةإنديانا لعام 1851 ميلادي على أن : ( كل فرد يتصف بصفات خلقية طيّبة وحائز للحقوقالانتخابية يجوز قبوله أمام القضاء والأجهزة القضائية في أي درجة للدفاع عن المتهم ) .
ومن هذا النص تتبين الشروط المطلوبة للمحاماة في ولاية إنديانا و هي :
1- الأخلاق الطيبة ، مع العلم أن هذا الشرط غامض نتيجة اختلافه من بيئة لأخرىومن عصر لآخر .
2- حيازة الحقوق الانتخابية ، أي غير مجرّد من هذه الحقوق نتيجةلارتكابه جرم على درجة معينة تحدده القوانين المعنية ويلاحظ أن هذا القانون لميشترط درجة علمية بل اشترط الطيبة وعدم التجرد من الحقوق الانتخابية .
ومازالهذا النص موجوداً في دستور هذه الولاية بيد أنه أصبح يفسر تفسيراً يلائم التطوراتالتي حصلت في الولايات أي أن شرط الخلق أصبح يفسر بالإعداد العلمي المناسب للمحامي .
النقابات والجمعيات المنظمة للمحاماة :
هناك جمعيات ونقابات عديدة في الولايات المتحدة الأمريكية بلغت مائة جمعيةتعمل للإشراف على مهنة المحاماة عن طريق تقنين المبادئ الخاصة بأخلاقيات المهنة .
و تعتبر غالبية الجمعيات في الولايات المتحدة جمعيات خاصة تطوعية ، وهناكنقابات معتمدة في ( 25) ولاية تعرف باسمBar Associations ينضم إليها المحامون بصورةإلزامية في الولاية التابعين لها .
والجدير بالملاحظة أن الحياة الاجتماعية فيالولايات المتحدة القائمة على الحريات - وفق المفهوم الأميركي - ، عملت على جعل كلولاية تنظم مهنة المحاماة وفق مصالحها الخاصة .
ذلك أن المحاماة في الولاياتالمتحدة تعتبر مهنة تنظمها القواعد العرفية ، وتقوم الهيئات المحلية على تطبيقهاوالفقه والقضاء يعتبران المحامي موظفا" في الجهاز القضائي .
ونتيجة لذلك فإنالتشريعات التي تعمل على تقييد الاختصاص في هذا المجال تعد غير دستورية .
فالقضاء ذاته وقف موقفاً معادياً للتشريعات التي تعمل على تقييد ممارسة المهنةواعتبرها غير دستورية . بل رفض في أحكامه اختصاص الأجهزة التشريعية في محاولتهاإصدار تشريعات تقيد النشاط القضائي . وقد قضت هذه المحاكم بأنها هي التي تختصبتقرير الجزاءات حتى دون أن ينص عليها القانون.