عرض مشاركة واحدة
قديم 2008-03-07, 02:52 AM   #18
الصورة الرمزية قمر الليالى
مشرفة - اقسام المرأة العربية
تاريخ التسجيل: 2006-12-11
العمر: 43
المشاركات: 1,248
التقييم: 196
الصورة الرمزية قمر الليالى
مشرفة - اقسام المرأة العربية
افتراضي

وقالوا له أيضاً : " إنما أنت من المسحرين " أي من المسحورين ، يعنون مسحوراً لا تدري ما تقوم في دعائك إيانا إلى إفراد العبادة لله وحده ، وخلع ما سواه من الأنداد وهذا القول عليه الجمهور ، وهو أن المراد بالمسحرين : المسحورين وقيل من المسحرين : أي ممن له سحر - وهو الرئي - كأنهم يقولون إنما أنت بشر له سحر والأول أظهر قولهم بعد هذا : " ما أنت إلا بشر مثلنا " وقولهم : " فأت بآية إن كنت من الصادقين " سألوا منه أن يأتيهم بخارق يدل على صدق ما جاءهم به " قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم * ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم " كما قال : " قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم " وقال تعالى : " وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها "


وقد ذكر المفسرون أن ثموداً اجتمعوا يوماً في ناديهم ، فجاءهم رسول الله صالح فدعاهم إلى الله وذكرهم وحذرهم ووعظهم ، فقالوا له : إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة وأشاروا إلى صخرة هناك - ناقة ، من صفتها كيت وكيت وذكروا أوصافاً سموها ونعتوها وتعنتوا فيها وأن تكون عشراء طويلة ، من صفتها كذا وكذا ، فقال لهم النبي صالح عليه السلام : أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم ، أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به ؟ قالوا : نعم فأخذ عهدهم ومواثيقهم على ذلك


ثم قام إلى مصلاه فصلى لله عز وجل ما قدر له ، ثم دعا ربه عز وجل أن يجيبهم إلى ما طلبوا فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء ، على الوجه المطلوب الذي طلبوا ، أو على الصفة التي نعتوا


فلما عاينوها كذلك رأوا أمراً عظيماً ومنظراً هائلاً ، وقدرة باهرة ودليلاً قاطعاً وبرهاناً ساطعاً فآمن كثير منهم ، واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم ولهذا قال : " فظلموا بها " أي جحدوا بها ولم يتبعوا الحق بسببها ، أي أكثرهم وكان رئيس الذين آمنوا : جندع ابن عمرو بن محلاة بن لبيد بن جواس وكان من رؤسائهم وهم بقية الأشراف بالإسلام فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ، ورباب بن صعر بن جلمس ودعا جندع ابن عمه شهاب بن خليفة وكان من أشرافهم ، فهم بالإسلام فنهاه أولئك ، فمال إليهم فقال في ذلك رجل من المسلمين يقال له مهرش بن غنمة بن الذميل رحمه الله :


وكانت عصبــــة من آل عمرو إلى دين النبي دعـــوا شهـابــا


عــزيــز ثمــود كلهم جميعـــاً فهم بــأن يجيب ولــو أجـــابــا


لأصبـح صـالـح فينـا عـزيــزاً ومـا عـدلــوا بصــاحبهم ذؤابـــا


ولكن الغـــــــواة من آل حجر تــولــوا بعــد رشـــــدهم ذبابــا


ولهذا قال لهم صالح عليه السلام : " هذه ناقة الله " أضافها لله سبحانه وتعالى إضافة تشريف وتعظيم ، كقوله : بيت الله وعبد الله " لكم آية " أي دليلاً على صدق ما جئتكم به " فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب "


فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم ، ترغي حيث شاءت من أرضهم ، وترد الماء يوماً بعد يوم ، وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك ، فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم ويقال : إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم ، ولهذا قال : " لها شرب ولكم شرب يوم معلوم "


ولهذا قال تعالى : " إنا مرسلو الناقة فتنة لهم " أي اختباراً لهم ، أيؤمنون بها أم يكفرون ؟ والله أعلم بما يفعلون " فارتقبهم " أي انتظر ما يكون من أمرهم " واصطبر " على أذاهم فسيأتيك الخبر على جلية " ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر "


فلما طال عليهم هذا الحال اجتمع علماؤهم ، واتفق رأيهم على أن يعقروا هذه الناقة ، ليستريحوا منها ويتوافر عليهم ماؤهم ، وزين لهم الشيطان أعمالهم قال الله تعالى : " فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين "


وكان الذين تولى قتلها منهم رئيسهم : قدار بن سالف بن جندع ، وكان أحمر أزرق أصهب وكان يقال إنه ولد زانية ، ولد على فراش سالف ، وهو ابن رجل يقال له صيبان ، وكان فعله ذلك باتفاق جميعهم ، فلهذا نسب الفعل إليهم كلهم


وذكر ابن جرير وغيره من علماء المفسرين : أن امرأتين من ثمود اسم إحداهما صدوق ابنة المحيا بن زهير بن المختار ، وكانت ذات حسب ومال ، وكانت تحت رجل من أسلم ففارقته ، فدعت ابن عم لها يقال له مصرع بن مهرج بن المحيا ، وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة واسم الأخرى عنيزة بنت غنيم بن مجلز ، وتكنى أم غنمة وكانت عجوزاً كافرة ، لها بنات من زوجها ذؤاب بن عمرو أحد الروساء ، فعرضت بناتها الأربع على قدار بن سالف ، إن هو عقر الناقة فله أي بناتها شاء ، فانتدب هذا الشابان لعقرها وسعوا في قومهم بذلك ، فاستجاب لهم سبعة آخرون فصاروا تسعة وهم المذكورون في قوله تعالى : " وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون " وسعوا في بقية القبيلة وحسنوا لهم عقرها ، فأجابوهم إلى ذلك وطاوعوهم في ذلك فانطلقوا يرصدون الناقة ، فلما صدرت من وردها كمن لها مصرع فرماها بسهم فانتظم عظم ساقها ، وجاء النساء يذمرن القبيلة في قتلها ، وحسرن عن وجوههن ترغيباً لهم في ذلك ، فأسرعهم قدار بن سالف ، فشد عليها بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرت ساقطة إلى الأرض ، ورغت رغاة واحدة عظيمة تحذر ولدها ، ثم طعن في لبتها فنحرها ، وانطلق سقبها - وهو فصيلها - فصعد جبلاً منيعاً ورغا ثلاثاً


وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عمن سمع الحسن أنه قال : يا رب أين أمي ؟ ثم دخل في صخرة فغاب فيها ويقال : بل اتبعوه فعقروه أيضاً


قال الله تعالى : " فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر * فكيف كان عذابي ونذر " وقال تعالى : " إذ انبعث أشقاها * فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها " أي أحذروها : " فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها * ولا يخاف عقباها "


قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن نمير ، حدثنا هشام - أبو عروة - عن أبيه ، عن عبد الله بن زمعة قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال : " إذ انبعث أشقاها : انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه ، مثل أبي زمعة "


أخرجاه من حديث هشام به عارم : أي شهم عزيز : أي رئيس منيع : أي مطاع في قومه


وقال محمد بن إسحاق : حدثني يزيد بن محمد بن خثيم ، عن محمد بن كعب ، عن محمد بن خثيم بن يزيد ، عن عمار بن ياسر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : " ألا أحدثك بأشقى الناس " ؟ قال : بلى قال : " رجلان أحدهما أحمير ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك ياعلى هذا - يعني قرنه - حتى تبتل منه هذه - يعني لحيته


رواه ابن أبي حاتم


وقال تعالى : " فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين " فجمعوا في كلامهم هذا بين كفر بليغ من وجوه :


منها : أنهم خالفوا الله ورسوله في ارتكابهم النهي الأكيد في عقر الناقة التي جعلها الله لهم آية


ومنها : أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم فاستحقوه من وجهين : أحدهما الشرط عليهم في قوله : " ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب " وفي آية " يوم عظيم " وفي الأخرى " أليم " والكل حق والثاني استعجالهم على ذلك


ومنها : أنهم كذبوا الرسول الذي قام الدليل القاطع على نبوته وصدقه ، وهم يعلمون ذلك علماً جازماً ، ولكن حملهم الكفر والضلال والعناد على استبعاد الحق ووقوع العذاب بهم ، قال الله تعالى : " فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب "


وذكروا أنهم لما عقروا الناقة كان أول من سطا قدار بن سالف ، لعنه الله ، فعرقبها فسقطت إلى الأرض ، ثم ابتدروها بأسيافهم يقطعونها فلما عاين ذلك سقبها - وهو ولدها - شرد عنهم فعلاً أعلى الجبل هناك ، ورغا ثلاث مرات


فلهذا قال لهم صالح : " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام " أي غير يومهم ذلك ، فلم يصدقوه أيضاً في هذا الوعد الأكيد بل لما أمسوا هموا بقتله وأرادوا - فيما يزعمون - أن يلحقوه بالناقة : " قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله " أي لنكبسنه في داره مع أهله فلنقتلنه ، ثم نجحدن قتله ولننكرن ذلك إن طلبنا أولياؤه بدمه ، ولهذا قالوا : " ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون "


* * *
التعديل الأخير تم بواسطة قمر الليالى ; 2008-03-07 الساعة 03:03 AM
قمر الليالى غير متصل   رد مع اقتباس