2-3*
أثر الصدقة على الفرد والمجتمع..وفضلها..
11- أن الجزاء عليها من جنس العمل
ذلك أن من أنفق شيء عوضه الله من جنس ماأنفق..وخيرمنه..
والأدلة على ذلك كثيرة..منها
قوله صلى الله عليه وسلم :
"إن رجلاً لم يعمل خيراً قط ، وكان يداين الناس فيقول لرسوله: خذ ما تيسر، واترك ما تعسر، وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا، قال: فلما هلك، قال الله: هل عملتَ خيراً قط؟ قال: لا؛ إلا أنه كان لي غلام، وكنت أداين الناس، فإذا بعثته ليتقاضى قلت له: خذ ما تيسر واترك ما تعسر وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا،قال الله تعالى : قد تجاوزت عنك"(19).
12- إظلالها لصاحبها في المحشر
قال صلى الله عليه وسلم :
"سبعة يظلهم الله ـ تعالى ـ في ظله يوم لا ظل إلا ظله ـ وذكر منهم ـ: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"(20).
13-توفيتها نقص الزكاة الواجبة
ونظراً لكون الزكاة بهذه المنزلة والأهمية، والعبد عرضة للتقصير في أدائها أو السهو في إخراجها أو الخطأ في حسابها فقد شرع الله ـ رحمةً بخلقه وإحساناً إليهم ـ صدقة التطوع لتكون توفية لنقصها، وجبراناً لخللها، وإكمالاً للعجز الحاصل فيها؛ ويشير إلى ذلك حديث تميم الداري ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً قال:
"أول ما يحاسـب بـه العبد يـوم القيامـة الصلاة؛ فإن كان أكملها كتبت له كاملة، وإن كان لم يكملها قال الله ـ تبـارك وتعـالى ـ لملائكته: هل تجدون لعبدي تطوعاً تكملوا به ما ضيع من فريضته؟ ثم الزكاة مثل ذلك، ثم سائر الأعمال على حسب ذلك" (21)
والذي يدل على أنه يُنظر في زكاة العبد فإن كملت كتبت له تامة، وإن ضيع شيئاً منها نظر هل له من الصدقة ما يتم به نقص الفرض، فإن لم يكن له منها ما يتم به نقص الفرض كان معرضاً للعقاب الشديد الذي أوضحته النصوص، وذلك إن لم يتغمده الله بعفو منه وتجاوز
14-أنها كنز لصاحبها يوم القيامة.
يشهد لذلك قوله ـ تعالى ـ:
(وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله
هو خيرا وأعظم أجرا )
"المزمل: 20"
وقوله تعالى: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق)
"النحل: 96"
والنصوص النبوية الدالة على أن الصدقة ذخر لصاحبها وكنز له كثيرة منها: قوله صلى الله عليه وسلم :
"يقول ابن آدم: مالي مالي!! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟!" (22)
15- جريان أجر الباقي منها بعد الموت:
قال صلى الله عليه وسلم :
"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة:-وذكر- صدقة جارية"(23)
والصدقة الجارية كالوقف ونحوه من آثار العبد وبقايا عمله..
16-مشروعية إهداء ثوابها للميت
من أعظم البر بعد البر، والصلة بعد الصلة، وأرفع الإحسان بعد الإحسان نفع من كان يُبَر في حياته ويوصل ويحسن إليه، إذا أُدخل في قبره، وتوقف كسبه، وبدأت آخرته، والسعي في إيصال الثواب إليه وهو أحوج ما يكون إلى ذلك بفعل بعض الطاعات والقُرَب التي أفاد الشارع بوصول ثوابها إلى الميت ، ويأتي في طليعة تلك الأعمال: الصدقة عليه، والتي أجمع العلماء على نفعها له ولحوق ثوابها به للنصوص الصحيحة الواردة في ذلك، ومنها: حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ:
"أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن أمي افتُلِتَتْ نفسُهاولم توص، وأظنها لو تكلَّمتْ تصدَّقَتْ. أفلها أجر إن تصدقتُ عنها؟ قال: نعم" (24).
17ــ سترها عيوب العبد واستجلابها محبة الناس وحمدهم ودعاءهم له
وهي من أسباب القُرْب من العباد ونيل مودتهم ودعائهم وتعظيمهم، والحصول على شكرهم وثنائهم؛ فصاحبها محمود الأثر في الدنيا يحبه البعيد والداني، ويألفه المتسخط والراضي؛ لأن صاحبها بعمله ذلك يرتهن الشكر، ويسلف المعروف ليربح المحبة والدعاء والحمد.
ولا يقتصر نيل المتصدق للمحبة والشكر والدعاء من المتصدَّق عليهم فقط، بل إنه ليود المتصدق ويحمده ويدعو له من لا ينال الصدقة ولا تقدم إليه،
قال أبو الفتح البستي:
أَحْسِن إلى الناسِ تَستعبدْ قلوبَهمُ *** فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسـانُ
مَن جادَ بالمال مالَ الناسُ قاطبةً *** إليه، والمـالُ للإنسان فتَّـانُ
أَحْسِن إذا كان إمكانٌ ومقـدرةٌ *** فلن يدومَ على الإنسانِ إمكانُ
فيا من تريد المرتبة العالية في الآخرة، والمنزلة الجليلة في الدنيا الزم الصدقة والجود، وأكثر من الإحسان وأعمال البر، وتجنب الشح؛ فإنك قادم على ربك وحالك كما وصف الشاعر:
وما تزودَ مما كان يَجمَعه *** إلا حنوطاً ـ غداةَ البين ـ معْ خِرَقِ
وغيرَ نفحةِ أعوادٍ تُشدُّ به *** وقلَّ ذلك مِن زادٍ لمنطلــقِ
18ــ أنها طريق للظفر بمحبة الله ورحمته ورضاه:
في الصدقة إحسان ورحمة، وتفضل وشفقة، ولذا كانت من وسائل نيل محبة رب العالمين، والحصول على رحمته، والظفر برضوانه؛ لأنه ـ سبحانه ـ يحب المحسنين ويرحم الراحمين، وقد دلت نصوص القرآن والسنة على ذلك، فمما دل منها على أن التصدق والإنفاق في مرضاة الله من دواعي حبه ـ عز وجل ـ للعبد قوله ـ تعالى ـ:
(وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) "البقرة: 195"
قال السعدي: "وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان بالمال"
وفي الحديث"ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم الله، أما الذين يحبهم الله: فرجل أتى قوماً فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينهم وبينه، فتخلف رجل أعقابهم، فأعطاه سراً لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه ..."(25).
19ـ أن فيها انتصاراً للعبد على شيطانه
وفي باب الصدقة فإن الشياطين تتكالب على العبد، داعية له إلى البخل، حاثة له على الشح، ناهية له عن الجود والبذل، كما قال ـ سبحانه ـ:
( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم) {البقرة: 268}
فإن هو تصدق فقد غلبهم وانتصر
20- سعة صدر صاحبها وانشراحه
الصدقة ونفع الخلق والإحسان إليهم من أسباب انشراح الصدر وسعة البال وتحصيل السعادة؛ ومردُّ ذلك إلى شعور المتصدق بطاعة الله ـ تعالى ـ وامتثال أمره، والتحرر من عبودية المال وتقديسه، والقيام بمساعدة الآخرين، وإدخال السرور عليهم، والسير في طريق أهل الجود والإحسان، والتعرض لنفحات الرب ورحمته وإحسانه.والكلام في هذا كثير..ومن عرف الصدقة..ذاق طعمها ..
21- نفعها المتعدي
وهذا باب عزيز..ومقصد هــام..إذلا يقتصر نفع الصدقة على صاحبها بل يتجاوزه إلى غيره من الأفراد، ويتخطى الأفراد إلى المجتمعات، في كثير من جوانب الحياة، ولعل من أبرز منافعها المتعدية :
إسهامها في علاج مشكلة الفقر؛ إذ تدفع حاجة المعوزين فتسد جوعهم، وتستر عوراتهم، وتقضي ديونهم وحاجاتهم، وتفرج كربهم، وتنفس مضايقهم، وتحسن معايشهم، وتدخل السرور على قلوبهم..
ومن منافعها المتعدية:
إشاعة التكافل الاجتماعي، وعميق الأخوة، ونشر المودة، وبث الرحمة بين أفراد المجتمع المسلم؛ بحيث تجعله كأسرة واحدة متراصة يرحم فيه القوي الضعيف،
ومن منافعها المتعدية:
والصدقة وأعمال البر تقلل من أثر الجريمة..إذ أن الفقر سبب ودافع للجريمة..
ومن منافعها المتعدية:
ما فيها من نصر الحق وتقويته ؛ إذ لها تأثير ظاهر في نشر الدين وقيام الكثير من المناشط الدعوية والعلمية، والأعمال التي يقارع بها الشر..
وبعد..هذه فوائد وثمار من ثمرات الصدقة..وهناك أكثر من هذا..
فيالله العجب..في من يعلم فضل الصدقة..وهو قادر ثم يبخل أو يتوانى..
ألا يعلم هذا..أن الايام دول..ألا يعلم ..أن اليد العليا خير من اليد السُفلى..
ألا يرى الواحد منا..كيف يعمل القوم..في نشر مذهب الباطل وينفقون عليه..وأهل الحق واليسار..يتوانون..ويترددون..
___________________________
* يتبع الجزء الثالث والأخيــر..وأسأل الله التيسير..
محبكم..نزفـ الجرحـ