Download47321
بقلم : أ. سليمان أبو جاموس
رئيس قسم إدارة الأعمال
. " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " صدق الله العظيم. سورة الرعد : آية ١٠
وقال صلى الله عليه وسلم : " لا طلعت علي شمس يوم لم أزدد فيه علما ".
وقال الشاعر محمود درويش :
الأرض تدور
الشمس تدور
لا شيء يسد طريق النور .
الصراع بين القديم والجديد، صراع دائم ومستمر، وصراع قديم منذ بداية الحياة، وسوف يستمر حتى يقبض
الله الأرض ومن عليها، كل شيء يتغير في هذا الكون، إلا الله سبحانه وتعالى، فهو - فقط – الذي لا يتغير،
النباتات تنمو وتتغير، والحيوانات تنمو وتتغير، حتى الصخر – أيها الإنسان- يتغير فرذاذ الماء يعمل على
تفتيته. فكيف والحال هذا بالإنسان؟ إن الإنسان الذي لا يقبل التغيير إلى الأفضل والأحسن إنسان لا يعبر إلا
عن عجزه وتقوقعه، والتقوقع كارثة إنسانية.
لماذا لا نقبل التغيير؟
إن المشكلة، نفسية إنسانية؛ نحب الأشياء التي اعتدنا عليها ولا نحب تبديلها خوفا من الفشل وعدم النجاح في
الجديد، وحتى لا نرهق أنفسنا في فهم الجديد، ولاعتقادنا بأن هذه الأشياء القديمة هي الأحسن والأفضل عن
حسن نية أو سوئها فالنتيجة واحدة.
دعونا نتفلسف في المشكلة من ناحية إدارية:
ففي طرق إنجاز العمل نتبع أحيانا الكثير من الخطوات التي تحتوي على "اللف والدوران" بدون فائدة. وإذا ما
سألت كما سأل أبو الإدارة العلمية فرديك تايلور: لماذا كل هذه الخطوات؟ أجابوا عن استفهامك فورا: نعوذ
بالله... كلها ضرورية وكلها مهمة، وبرروا ذلك في سبيل معرفة المسئولية الإدارية ( الرقابة الإدارية) أو
تقسيم العمل وإعطاء كل جزء من الصلاحيات إلى أصحابها (النظام البيروقراطي ).
ولو افترضنا أننا اتفقنا جميعا على تحليل العمل وعملنا على التغيير وحذفنا الخطوات غير الضرورية،
وأخذنا نحلل الأعمال إلى أجزائها المهمة وغير المهمة، وحاولنا حذف غير المهم، لاختصرنا الوقت وعملنا
على تخفيض التكاليف وأنجزنا أعمالنا بسرعة.
رسالة النجاح، العدد 25 ، آب ١٩٨٤
لاحظ الفرق الكبير: البطء في الإنجاز وزيادة الوقت اللازم للإنجاز وزيادة الأيدي العاملة – أيضا – اللازمة
للإنجاز، وبالتالي زيادة النفقات، في حين، بعد عملية التغيير، النتيجة كانت السرعة في الإنجاز واختصار في
الوقت وفي القوى العاملة وبالتالي تخفيض النفقات. وبقيت الرقابة الإدارية وبقي تقسيم العمل والصلاحيات
كما هي – أيضا – ضمن المفاهيم الإدارية المتعارف عليها.
لنأخذ مثالا إنسانيا آخر عن إنساننا العربي:
أذكر أنني قرأت عن موشيه ديان وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، أنه عقد مؤتمرا صحفيا عام ١٩٥٦ . ومدار
الأسئلة كان حول خوف الإسرائيليين من المستقبل، وقلقهم المتزايد بخاصة بعد بزوغ نجم جمال عبد الناصر
على الساحة. أأنتم قلقون وعدوكم هم العرب؟ لاحظوا أنهم لا يعرفون حتى الآن من تنظيم أنفسهم للصعود
إلى الباص والنزول منه واحدا واحدا، إذا كانوا عاجزين عن تنظيم أنفسهم على صعود الباص فمتى تتوقعوا
منهم أن يعملوا على تنظيم أنفسهم لدخول معركة؟ (والتنظيم من ناحية إدارية يعني استخدام الأمثل للعناصر
الإنسانية وغير الإنسانية المتاحة في المؤسسة أو في الدولة إذا كان ذلك على مستوى الدولة ).
إن عملية التغيير ضرورة إنسانية وحياتية لا يستطيع أحد من الناس صدها أو الوقوف أمامها، إنما يعمل
الإنسان على تأجيلها وتأخيرها، وكلما تأجلت وتأخرت عملية التغير كلما كان ذلك معبرا بصدق عن تحجر
العقلية الإنسانية، وهذا بدوره يبقي الإنسان على حال واحد، في حين بقية البشر تسير نحو الأفضل والأحسن،
وتلك جزء من مشكلتنا.
إن عملية التغيير هي بمثابة النار والمشعل الذي يحفزنا نحو مستقبل أشرف وأنبل وأنظف. والجامعات في
هذا المجال تلعب دورا حيويا ومهما، كلنا نتعلم ونبحث عن الصحيح، فلماذا لا نغير (من سلوكنا ومفاهيمنا
وتفكيرنا) الخطأ بالصحيح ونحن جميعا نعلم علم اليقين بأنه لا يصح إلا الصحيح !.. الجامعات كما قلت تعمل
على تحليل كل ما حولها وتعمل على مقارنته بالصحيح فيظهر الانحراف بين ما هو كائن وما يجب أن
يكون.. لماذا لا نكافح من أجل ما يجب أن يكون؟ علما بأن المجتمع هو نحن، أنا وأنت والثالث والعاشر.
إن الشعوب لا يمكن أن تتطور أو أن تنتصر على عدوها الخارجي طالما هي مهزومة في داخلها، وليس
هناك أكثر ألما وحزنا من أن يشعر الإنسان بأنه مهزوم في الداخل. هل هذا قدرنا، أن نعيش في حالة تخبط
لا نعرف الميمنة من الميسرة ولا نعرف الطريق السوي!
إن المأساة أننا نعرف لكننا لا نطبق ما نعرف ونفر من مواجهة ما نعرفه. مأساتنا أن إنساننا لا يخدع ولا
يكذب على الآخرين فقط، بل مستعد لأن يخدع نفسه ويكذب عليها... وماذا تريد من أناس ليسوا صادقين مع
أنفسهم، مع أن الصدق مع النفس من الأمور البديهية في بناء الذات.