Download85344
بقلم: عدنان ضميري
ثالثة سياسة وصحافة
المؤسسات في الأرض المحتلة هي مؤسسات لا ينسحب عليها ما ينسحب على مثيلاتها خارج الأرض
المحتلة، ومرد ذلك وضعها غير الطبيعي، المعكوس عن صورة الأرض المحتلة في ظروفها غير الطبيعية،
مما يتطلب مسؤوليات ومهاما استثنائية من هذه المؤسسات، وبالتالي ستكون أساليبها وخططها لا تتطابق مع
أساليب المؤسسات التعليمية التي تعيش استقرارا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، ولكنها تعمل ضمن أساليب
وخطط مع أخذها بالحسبان هذا الوضع الاستثنائي، فهمي تنمو وتتطور في القيود، وهذه ظاهرة جديدة في
تاريخ الجامعات والعلم. وجامعة النجاح الوطنية هي إحدى هذه المؤسسات التي لا يمكن وضعها في سلة
واحدة مع الجامعات خارج الوطن المحتل، سواء أكانت عربية أم أجنبية وذلك من حيث المسؤوليات
والأساليب الإدارية والتربوية والمتاعب فيها.
وهذا ينطبق على كافة المؤسسات التعليمية في الوطن المحتل، ولكن ما يميز جامعة النجاح عن غيرها في
ظل الاحتلال هو أنها الجامعة الوحيدة التي تظهر فيها التناقضات والأخطاء الصغيرة على صفحات الجرائد
بتهويل ونفخ، فمهما كانت المشكلة صغيرة في جامعة النجاح الوطنية، إدارية كانت أم أكاديمية، تنقل للصحافة
وتصبح نهبا للإشاعات والأقاويل، والتداخلات المعقدة سياسيا وعشائريا وعقائديا خارج الجامعة، فيصبح إمام
المسجد رئيسا للجامعة، ورؤساء تحرير الصحف مجلس عمداء ووجهاء العائلات مجلس أمناء وصاحب
المقهى أستاذا في العلوم أو الاقتصاد، أو السياسة، وقادة الأحزاب والتجار كلهم يصبحون رؤساء ونوابا
وقائمين على جامعة النجاح الوطنية، ليس بالنصح والإرشاد وإثراء التفاعل بين الجامعة والمجتمع، ولكن بنقل
تناقضات الشارع المحلي إلى الجامعة.
ولا أدعي هنا، أن هؤلاء لا يحرصون بقاء الجامعة وتطورها، التي هي ملك لأبنائهم، ولكن الدخول من الباب
الخلفي للجامعة هو إساءة لسمعتها ومكانتها الأكاديمية والوطنية، ولست أدري إن كان حبنا الشديد للنجاح هو
الذي يحاول قتلها فينطبق علينا القول القائل : "ومن الحب ما قتل".
وإذا ما تساءلنا لحظة، ألا يوجد للجامعات المحلية وغير المحلية الأخرى، مشاكلها ومتاعبها الداخلية ونواقص
بحاجة إلى تقويم؟
بلا شك لكل مؤسسة متاعبها مهما كانت هذه المؤسسة مستقرة ولكن محاولة نقل هذه المتاعب إلى الشارع
والأخذ في حلها بالجلسات المغلقة، والاستقبالات والمقاهي، فإنه وبلا شك عبء ثقيل على الجامعة وقدرتها
على التطور والنمو لأن العملية التنظيمية والإدارية في الجامعة هي الكفيلة بوضع الحلول المناسبة والقادرة
على الخروج من المشكلات، ومهما كانت هذه الحلول الإدارية فإنها ستبقى أفضل بكثير من حلول صفحات
الجرائد وحديث الإشاعات.
رسالة النجاح، العدد 25 ، آب ١٩٨٤
وإذا كان الاحتلال يرفض وضع الاستقرار للجامعة، ويحاول إرباكها وعرقلة مسيرتها، فإننا جميعا ندرك
أهدافه من وراء ذلك، وتعرف أنه لا استقرار للجماعات ما دام استقرار الوطن مفقودا.
ولكن يبقى السؤال الكبير.. أليس بمقدورنا صنع استقرار داخلي للجامعة يجمعنا ويسير مسيرتها؟
أليس بمقدورنا أن نجنبها من نقل الإشاعات وصفحات الجرائد وتهويل الصحافة؟ أليس من حقنا أن نسأل عن
سمعتها بعد تخرجنا، وأين ستذهب شهاداتنا في حالة تلطيخ سمعة الجامعة؟ وإذا رفضت إحدى الشركات أو
المؤسسات طلبة جامعة النجاح ودعمت رفضها بأخبار الصحافة المحلية والإشاعات ورزمة الأخبار المزيفة
ماذا سيكون موقفنا؟ هل نتهم الشركة أو المؤسسة؟ أم نتهم أنفسنا؟ والسؤال الأكبر: لماذا جامعة النجاح
الوطنية بالذات دون غيرها ترصد مشاكلها وتزخرف متاعبها على صفحات الجرائد والمجلات؟