عرض مشاركة واحدة
قديم 2011-01-17, 02:05 PM   #9
عضو قدير
تاريخ التسجيل: 2011-01-17
المشاركات: 18
التقييم: 10
عضو قدير
افتراضي

Download72531

بقلم : د. رسمية عبد القادر
أستاذ مساعد/ كلية التربية
مرض الأذكياء والمثقفين!
إذا كان الشيب يزحف على رأس الإنسان بفعل الأهوال التي يصادفها في حياته، فإنني أعتقد أن بعض هذه
الشعيرات البيضاء في رأسي ترجع إلى هول ما سمعت عن مرض الاكتئاب. في حياة كل شخص أشياء
سارة، تأثيرها يكون على قلبه في صورة نبضات سريعة راقصة، وكذلك هناك أشياء غير سارة، تأثيرها
يكون على القلب في صورة وجع. وفي كل مرة أجلس إلى مريض الاكتئاب أشعر بوجع في قلبي، لو كان
الاكتئاب رجلا لقتلته.
أكره مرض الاكتئاب بنفس القدر الذي أحب به مريض الاكتئاب، فهو أرق الناس وأصفاهم وأصدقهم. إن
مرض الاكتئاب هو مرض الأذكياء والمثقفين وكذلك فهو مرض هؤلاء الذين لم يعرف الشر طريقة إلى
قلوبهم. برغم أن الاكتئاب نقيض الحياة وأعجب كيف يكون للحياة معنى بدون الاكتئاب. من يقول لي أنه لم
يشعر قط بالاكتئاب، أنه لم يشعر يوما بوخز الحزن، أقول له: أنني أشكك في آدميتك.
العجيب أن حياة الإنسان تبدأ بالبكاء وتنتهي أيضا بالبكاء، فهل الاكتئاب قدر محتوم على الإنسان، من لا يدمع
قلبه حين يعايش مريض الاكتئاب فإن قلبه من حجر أو أشد قسوة، لم أر في حياتي إنسانا شاكرا وممتنا مثل
مريض الاكتئاب الذي منّ الله عليه بالشفاء. قتلت الأم وليدها الرضيع، أتعرفون لماذا قتلته؟ قتلته لكي تحميه
من عذاب الاكتئاب يا معشر البشر، ماتت زوجته بعد رحلة عمر طويلة، مات بعدها بشهرين، أنه مات بفعل
الاكتئاب. دخل صديقه الحجرة وأطلق على رأسه الرصاص، ولم يدر أحد متى مات، إنه كان يعاني من
الاكتئاب، القصة بدأت قبل عام من إطلاق الرصاص، بدأت بآلام في معدته، لف الدنيا كلها من أجل علاج
لآلامه، ولم يهتد حكيم إلى سر آلامه في عمله، ثم بدأ يعتزل الناس ثم قرر أن يعتزل الحياة. متى يقتل
الإنسان نفسه؟ حين تصبح الحياة غير محتملة، حين تصبح عديمة القيمة، حيث تصير عديمة الجدوى، حين لا
يوجد أي حل للخلاص من الآلام، حين يكون الموت هو طريق الخلاص الوحيد.
ما هي هذه الآلام؟ إنني لا أستطيع وصفها بدقة، ولكن مريض الاكتئاب يقول:- أشعر بألم في الداخل، أشعر
بتمزق داخلي، وأشعر بالنار في أحشائي وفي صدري، لم أعد أحتمل هذا الألم. هذا ما نسميه بالألم النفسي،
هل تستطيع أن تقارنه بآلام الأسنان أو بالمغص الكلوي؟
مريض الاكتئاب يجيب:- أي ألم محتمل، إلا هذا الألم، أتمنى أن أفقد ذراعي وأشفى من هذا الألم، أي مرض
في العالم مهما كانت آلامه أهون من هذا الألم، والمأساة أن مريض الاكتئاب يشعر أنه يستحق هذا العذاب،
رسالة النجاح، العدد 25 ، آب ١٩٨٤
إنه الإحساس بالذنب دون أي ذنب اقترفه بل إنه يزيد من تحقير ذاته والتقليل من قيمتها. يشعر أنه عالة على
الآخرين، أنه سبب معاناتهم، يبدأ المرض بفقدان الاهتمام وفقدان الرغبة، الألوان كلها باهتة، لا طعم لأي
شيء، وذلك قبل أن يشعر بقتامة الأشياء ومرارتها، ثم يجرفه الحزن، حزن غريب في عمقه وحدته، رغبة
في البكاء، تشاؤم، خوف، هواجس، يفتح عينيه قبل الفجر بقليل والكل نيام، إنها أسوأ لحظة، وفي المساء
تخف الحدة نسبيا ويهرع إلى السرير هروبا، يضعف التركيز، تضعف الشهية للطعام، يتناقص وزنه ويبدأ في
الانعزال التدريجي، حتى يصل إلى المرحلة الحرجة حيث يقول: إن الحياة لا تستحق أن نحياها ثم يقول: أنا
لا أستحق الحياة، ثم تراوده فكرة الخلاص، ثم يدبر لها بإحكام وإتقان، ثم يتم التنفيذ دون توقع من أقرب
الناس إليه. وقد يلبس الاكتئاب قناعا، إنه يختفي وراء آلام الجسد، المعدة، القلب، الظهر، أي جزء من الجسم
يتولى التعبير عن الاكتئاب، ويظل المريض حائرا تائها شهورا تمتد إلى سنة أو أكثر، والاكتئاب لا يريد أن
يفصح عن نفسه حتى أن الأطباء أطلقوا عليه اسم " الاكتئاب المقنع".
وقد يسمع مريض الاكتئاب أصواتا غير حقيقية أي (هلوسة) ولكنها أصوات تشتمه وتؤنبه وتحقره وتدعوه إلى
أن يجهز على نفسه، وقد يصاب بالهذاءات والضلالات، كأن يعتقد بأنه مصاب بمرض خبيث أو أن هذا
الجزء لم يعد موجودا. أعراض غريبة مؤلمة لا يعرف كم هي معذبة ومهلكة إلا من عبر بها، إلا من عانى
منها، أعراض يجب أن نأخذها باستخفاف فنطلب من المريض أن يقاومها بإرادته، ونضغط عليه لكي يشاركنا
الحياة، وأن الأمر سيتحسن إذا هو قام بإجازة وذهب للترويح عن نفسه، أبدا إنه لن يستطيع، فارحموه من تلك
٢) وهناك نوع آخر - النصائح غير المجدية. ومرض الاكتئاب العقلي أكثر انتشارا في الرجال حيث النسبة ( ٣
١) ويعرف باسم ( - من الاكتئاب يطلق عليه " اكتئاب سن اليأس " ونسبته ترتفع في النساء عن الرجال ( ٧
الميلانكوليا)، وعادة تبدأ بعد سن الخميسن أي الفترة التي يبدأ فيها هبوط نشاط الغدد الجنسية.
أما " الاكتئاب التفاعلي " فأمر مختلف تماما، فهو مرض نفسي يدرك المريض أبعاده وهو يحدث نتيجة
لمؤثرات خارجية، تدفع الإنسان إلى الإحساس بالحزن دون أن يصاحب ذلك أي أعراض فسيولوجية، كما لا
يصاحبه أي ميول انتحارية، بل على العكس فإن المريض يسعى بنفسه إلى الطبيب طلبا للعلاج.
وتميل كل الأبحاث في العشرين سنة الماضية إلى التأكيد على أن مرض " الاكتئاب العقلي " يحدث نتيجة
لاضطرابات كيميائية في مخ الإنسان، وذلك بسبب نقص هرموني السيروتونين والأدرينالين.
كما أن هناك نوعية معينة من الشخصيات تكون عرضة أكثر للإصابة بهذا المرض، وهذه الشخصيات تعرف
باسم " الشخصيات الدورية " والتي يميل صاحبها من الناحية الجسمية إلى البدانة، ومن الناحية النفسية إلى
الانبساط، ويعرف بين أصدقائه بأنه طبيب القلب، ولكن تنتابه فترات تهبط معنوياته، ويميل إلى العزلة وفقدان
الاهتمام. ومن الغريب أن بعض مرضى الاكتئاب العقلي قد يصابون بمرض آخر على النقيض تماما من
الاكتئاب ويسمى " مرض الهوس " أو " المرح " أي يتناوب الاكتئاب ونوبات المرح، وأحيانا تأتي نوبات
متكررة من المرح دون نوبات الاكتئاب، ومرض المرح قد يأتي في صورة حادة أو صورة أقل تسمى "
المرح تحت الحاد " وفي هذا المرض يشعر المريض بالسرور والبهجة والنشاط الزائد وتزاحم الأفكار في
رأسه والحركة الزائدة، بحيث يعمل ليل نهار دون احتياج إلى النوم، وكذلك التفكير في الكثير من المشروعات
رسالة النجاح، العدد 25 ، آب ١٩٨٤
دون أن ينفذ شيئا، وذلك لتشتته الشديد، ويصاحب ذلك إحساس بالعظمة والغرور والقدرة على عمل أي شيء
ولذلك يثور على من يعترض طريقه، ولا يملك الطبيب النفسي وهو يفحص مريض المرح إلا أن يشاركه في
الضحك فعلا، ولهذا يطلق تجاوزا على مرض المرح أنه مرض معد، وإذا شارك الطبيب المريض الضحك
فإن هذه المشاركة تعتبر علامة تشخيصية مؤكدة لمرض المرح.
ألا يبدو غريبا هذا الارتباط بين مرضى المرح والاكتئاب! إنهما نقيضان، ولكن منبعهما واحد، منبع الوجدان،
مريض الاكتئاب بعد الشفاء قد يصاب بنوبة مرح مرضية، ثم يشفى من المرح ليصاب بالاكتئاب وهكذا بشكل
دوري، من اليأس والتعاسة وهبوط كل الوظائف النفسية والفسيولوجية وتحقير الذات إلى التفاؤل الشديد
والنشاط الزائد والتيه والزهو إلى حد الإحساس بالعظمة، بل أنه يحدث أثناء علاج مريض الاكتئاب أن تنقلب
الحالة إلى مرح حاد وكذلك قد تنقلب حالة المرح أثناء علاجها إلى حالة اكتئاب تماما مثل بندول الساعة حين
ينطلق من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ثم من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ولعل هذا هو قاموس
الكون، حين يصل إلى أقصى مداه، ينقلب إلى النقيض، لم يخلق شيء إلا وخلق معه نقيضه ومعرفتنا بهذا
الشيء لا تكون إلا بمعرفة ذلك النقيض، فالقيم الإنسانية السامية لا معنى لها إلا بوجود قيم مغايرة لها تماما،
فالخير يقابله الشر والصدق يقابله الكذب، والحب تقابله الكراهية، والنور يقابله الظلام، ولهذا فإن المقابل
الطبيعي للحزن هو الفرح، واليأس الأمل والتشاؤم والتفاؤل والخمول النشاط.. وتحقير الذات العظمة.
كيف تشعر بالفرح إذا لم تكن قد خبرت الحزن؟ الفرح الذي يأتي بعد حزن تكون له حلاوة قطرات الماء التي
تهبط على لسان شققه الجفاف. إن تجربة الاكتئاب هي أعظم وأهول تجربة يمر بها الإنسان، وأجد نفسي في
مأزق، هل أحسد مريض الاكتئاب أم أشفق عليه من هول التجربة؟ لعلي أحمل له في قلبي كلا الإحساسين
المتناقضين الحسد والإشفاق، أحسده لأنه أقرب من فهم معنى الحياة، ولكن لا أملك لنفسي إلا أن أشفق عليه،
لأن مريض الاكتئاب يتحمل ما لا يتحمله أي إنسان آخر.
المتفائل2012 غير متصل   رد مع اقتباس