عرض مشاركة واحدة
قديم 2011-01-17, 01:53 PM   #5
عضو قدير
تاريخ التسجيل: 2011-01-17
المشاركات: 18
التقييم: 10
عضو قدير
افتراضي

Download36430

بقلم: د.محمد حنيحن
كلية الهندسة
لكي ندرك شيئا ولو قليلا من معجزات الخالق التي تتجلى في عجائب الطبيعة، علينا أن نتعمق في دراسة
مجرياتها وتفاعلاتها المذهلة، والتي يعجز العقل الإنساني عن إدراك كنهها وتغيير مسارها كما يريد.
وكبرهان لموضوعنا، نأخذ بادئ ذي بدء أبسط النباتات في الطبيعة، كالطحالب مثلا : فإنتاجها الهائل من
المواد العضوية برغم بساطة تركيبها – يثير الدهشة في نفوسنا، إذ يقدر ما تنتجه هذه النباتات البدائية
البسيطة في سنة واحدة بمائتي مليار طن من مادة الكربون والمواد العضوية الأخرى، وبما يقدر بمائة مليار
متر مكعب من الأكسجين. ولا يقتصر ذلك عند هذا الحد، بل يقدر ما تنتجه أيضا هذه النباتات على مر السنين
بعدة مليارات كيلوغرام من المعادن مثل الحديد والكوبالت والماغنيسيوم والصوديوم والبوتاسيوم.
إذن أمامنا مولد هائل للمادة، وبالأحرى للطاقة، بدرجة فاعلية مقدارها ٩٨ %، تلك الفاعلية التي لا يمكن
تحقيقها في أي مصنع يديره إنسان. والأهم، بل الأعجب من ذلك أن هذا المولد لا يتأثر بمشاكل نقص الطاقة،
أو بمشاكل التخلص من الفضلات، كما أنه لا يعمل على تلويث البيئة مثل المصانع العادية، بل- على العكس-
يعمل على تنقيتها بطرق هي أيضا عجيبة.
إن طريقة تعاون البكتيريا والطحالب مع بعضها البعض تعتبر مثالا عجيبا في نطاق التعاون المتبادل بين
المخلوقات. فالبكتيريا الهوائية تستخدم الأكسجين لأكسدة المواد العضوية حيث ينتج عن هذه الأكسدة مواد
عضوية وغاز ثاني أكسيد الكربون. والطحالب بدورها تستخدم هذا الغاز في تخليقها الضوئي بمساعدة أشعة
الشمس، فتفرز الأكسجين الذي يلزم لفعل البكتيريا. وهذه الطريقة تسمى "طريقة النفع المتبادل".
والأمر لا يختلف عن ذلك بالنسبة للنباتات الزهرية الأكثر رقيا منها، فهي تضم في محيطها النباتات الأقل
رقيا منها، مثل الطحالب والخنشاريات والبكتيريا، عدا عن المخلوقات الأخرى التي تجعل لها مستقرا فوق
جذورها أو أوراقها أو سيقانها.
إنه مجتمع متكامل ومتعاون ومتعايش مع بعضه، لا يعرف الحروب ولا المنازعات الإقليمية، ولا يسعى
لتدمير نفسه بنفسه مثل بني الإنسان، الذي لم ولن يتعلم من هذه المخلوقات التي هي أدنى منه. والإنسان هو
المخلوق الذي يجني أكبر فائدة من النباتات التي يتعايش معها، والتي بدونها يستحيل حياته على ظهر هذا
الكوكب، إذ تمثل الشجرة بالنسبة إليه مصنعا ضخما وضروريا، فلو تعرفنا على بعض الحقائق العددية عن
شجرة الزان التي يصل عمرها الثمانين عاما لتبين لنا مدى الإنتاجية الهائلة للنباتات ودورها العظيم في
رسالة النجاح، العدد 25 ، آب ١٩٨٤
الحياة، إذ يصل ارتفاعها إلى ٢٥ مترا وعدد أوراقها إلى ٨٠٠ ألف ورقة، ومجموع مساحات أسطح الأوراق
١٦٠٠ متر مربع، ووزن الخشب جافا ١٢ طنا، وتستهلك حوالي:
٢٣٥٢ غراما في الساعة من ثاني أكسيد الكربون.
٩٦٠ غراما من الماء في الساعة.
٢٥٤٣٥ جولا من الطاقة.
وتنتج ١٦٠٠ غرام في الساعة من سكر العنب.
١٧٠٠ غرام في الساعة من الأكسجين. ( علما بأن هذه الكمية تكفي لسد حاجة عشرة أشخاص من الأكسجين
اللازم ).
إن مقدرة النباتات لا تقتصر على الإنتاجية والسلوك الأخلاقية المذكورة – إن صح التعبير – فحسب، بل
تتعداها إلى ما هو أعجب من ذلك، فطريقة امتصاص جذور النباتات للمواد الغذائية والماء هي في حد ذاتها
تلجأ تحت ظروف معينة إلى طرق تقيها من المؤثرات الخارجية، إذ تستطيع في حالة وجود السموم –مثلا-
إلغاء جذورها العادية الأصلية واستبدالها بجذيرات تتمكن من امتصاص – بل الأدق من ذلك: انتقاء – المواد
الغذائية، وترك السموم المذابة فيها دون امتصاصها.
هذا ولا يتوقف عمل الجذور عند هذا الإعجاز، بل تبين أخيرا أنه باستطاعة جذور بعض أنواع من النباتات
إفراز مواد من شأنها القضاء على بعض جراثيم الأمراض، وبيض الديدان والفيروسات. وقد ثبت ذلك فعلا
بإجراء آلاف التجارب على إفرازات مثل هذه الجذور وتأثيرها على بعض أنواع من الجراثيم.
والسؤال الذي يثير نفسه الآن هل لهذه النباتات عقل تميز به الصالح من الطالع، أو المناسب من غير
المناسب؟! إنه السؤال –والله- عجيب ومحير للعقول، ولا يمكن للإنسان الإجابة عنه إجابة شافية.
وقبل أن نأتي إلى ختام هذا مقال يجب أن لا ننسى الطبيعة بعجائبها تلعب أيضا دور المعلم للإنسان، إذ يقلدها
هو في أشياء كثيرة مستفيدا من مجريات أحداثها في شتى مجالات حياته. فمثلا من خاصية "أن بعض النباتات
تمتص الماء والغذاء بواسطة الأوراق والساق" استفاد الإنسان في تنمية ومن ثم زيادة إنتاج النباتات المزروعة
في بيوت زجاجية بواسطة نقل الغذاء والماء عن طريق الأوراق والساق.
وأخيرا وليس آخرا، فبرغم التقدم العلمي في شتى المجالات وبرغم الاكتشافات التي حققها الإنسان في
الفضاء، فإنه لا يزال عاجزا عن اكتشاف أشياء أقرب من الفضاء وموجودة على ظهر موطنه الأرض، بل لا
يزال عاجزا عن فهم أو اكتشاف أشياء في نفسه هو، لأن قوة إدراكه محدودة. فسبحان من قال : "وفوق كل
ذي علم عليم". صدق الله العظيم.
المتفائل2012 غير متصل   رد مع اقتباس