عرض مشاركة واحدة
قديم 2010-03-24, 07:58 PM   #2
الصورة الرمزية عيون الحب
مشرف مجلة الصور
تاريخ التسجيل: 2009-11-29
الدولة: الشرقية
المشاركات: 3,112
التقييم: 430
الصورة الرمزية عيون الحب
مشرف مجلة الصور
افتراضي

أثر الهجرات القديمة على اللغة
من البديهي أن يكون أبناء آدم وأحفاده قد تعلموا لغته , وأن لغة المجتمع الإنساني الأول قد أفرزت مع الزمن لهجات متعددة , وأن القبائل التي تباعدت أماكن إقامتها بالانتشار في أرجاء الجزيرة وما حولها من البلدان لازدياد أعداد الناس , لم تكن لهجاتها يوما تخلو من التشابه .


وفي المراحل الزمنية التالية لعصر نوح عليه السلام , كانت لغة الناس هي لغة نوح عليه السلام , وهي إحدى اللهجات التي خرجت من اللغة العربية , وقد أفرزت بدورها لهجات جديدة بشكل مستمر .. وهكذا فالاعتقاد هو أن نبي الله إبراهيم عليه السلام كان يتكلم بلغة متسلسلة من العربية , كما كانت كذلك لغة قبيلة جرهم التي كانت تعيش قرب مكة حيث أرسل زوجه السيدة هاجر وابنها إسماعيل عليه السلام ليعيشا هناك .


ولعل الفترة التي عاش فيها إسماعيل عليه السلام هي نقطة التحول المهمة في تاريخ اللغة العربية , فقد وهبه الله سبحانه وتعالى الفصاحة والبيان , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة " (1) .

لقد عاش عليه السلام في وسط قبيلة جرهم العربية . وتعلم لسانها , ولكن الله تعالى أمده بالفصاحة والبيان الذين صارا سمة كلام أبنائه وغيرهم من العرب حتى زمن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم .


وبابتعاد القبائل المهاجرة من الجزيرة العربية عن موطنها , وبمرور الزمن أخذت لهجاتها تبتعد شيئا فشيئا بكلماتها وأساليبها النطقية عن اللغة الأم حتى صارت إحداها تبدو وكأنها لغة جديدة .

بناء على هذا المفهوم فإن من المقبول الاعتقاد بأن لهجة قوم سبقوا غيرهم في الهجرة من الجزيرة موطن الإنسان الأول تكون أكثر بعدا واختلافا عن اللغة الأم من لهجات من هاجر بعدهم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
(1) رواه الشيرازي في " الألقاب " , وانظر : صحيح الجامع تحقيق الألباني , حديث رقم : 2581 .


وربما يبرز تساؤل : هل استمر خروج الموجات البشرية من شبه الجزيرة العربية ؟ ومتى كان توقفها ؟

بعد أن تتابعت هجرات الساميين إلى العراق والشام وصار الهلال الخصيب مقسما إلى دويلات وممالك , خفت الهجرة من الجزيرة التي ازدحمت بمن فيها من القبائل التي توزعت في الأرجاء الجنوبية والشرقية والشمالية منها , وظلت تتكلم العربية لاستمرار اتصالها بوطنها .

وكانت آخر الهجرات إلى الشمال هجرات المناذرة والغساسنة أيام الفرس في العراق والرومان في الشام . وظل الغساسنة والمناذرة على صلة بإخوانهم في الجزيرة الذين كانوا يصلون بسهولة إلى أطراف ملكهم في الشمال وإلى مدن اليمن في الجنوب .

من التاريخ المجهول إلى ذروة الكمال
يستطيع دارس اللغات السامية أن يلاحظ التقارب الشديد بين كلماتها وكلمات اللغة العربية , مما جعل بعض اللغويين يجزمون بانتساب العربية إلى اللغات السامية . والصحيح أن اللغات السامية متفرعة من العربية , لأن العربية هي هبة الله تعالى لآدم عليه السلام أبي الساميين وأبي البشر أجمعين .


وعندما لاحظ اللغويون التقارب بين العربية والحبشية ولغات وادي النيل كالنوبية قالوا بوجود أسرة اللغات السامية الحامية وانتسابها إلى أصل واحد .

اللغة العربية بناء على ما افترضنا هي لغة آدم عليه السلام وأم اللغات جميعا . هي اللغة وما عداها لهجات منبثقة منها . ولعل المؤرخين الذين قالوا إن العربية متولدة من النبطية قد لاحظوا تقاربا بين النبطية والعربية أكثر مما بين العربية واللهجات الأخرى .


لقداحتار المتخصصون في تاريخ اللغات في أمر العرب ولغتهم , وظلت جزيرة العرب لغزا يلفه الغموض في طريق الباحث عن بداية تاريخ العرب فيها أو بداية نشوء اللغة العربية .


يقول الدكتور حسن ظاظا في كتابه " الساميون ولغاتهم " حول أقدمية العرب في شبه الجزيرة : " ولو أننا ركزنا اهتمامنا على بحث الجانب الحضاري كله , من خلال دراسة مقارنة بين اللغة العربية واللغات القديمة , وهو بحث لم ينجز إلى الآن على جهة الاستقصاء والإحصاء , لرأينا العجب العجيب من حيث أقدمية العرب في منطقتهم هذه . ولو أننا إلى جانب ذلك عكفنا على عاداتهم وتقاليدهم في الجاهلية وعلى أسماء أصنامهم ومقدساتهم ؛ وعلى أمثالهم وأساطيرهم وخرافاتهم , لتبين لنا أن الجاهلية الأخيرة لم تكن إلا مرحلة ضئيلة جدا من حياة العرب في أميتهم هذه قبل الإسلام بزمن سحيق يصعب علينا الحدس ببدايته , ولو أننا بالإضافة إلى ذلك كله عنينا بجس باطن الأرض لأغراض غير التي ينشدها الباحثون عن النفط , فلربما أسفر ذلك عن كشوف تصحح معرفتنا بتاريخ العرب القدماء , وتزيدها دقة وتفصيلا " (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
(1) د . حسن ظاظا : الساميون ولغاتهم , دار المعرف بمصر / ص 162 .

وينقل الدكتور حسن ظاظا في الكتاب نفسه رأيا للمستشرق الفرنسي آرنست رينان حول رأيه في العرب واللغة العربية , يقول رينان : " إن وسط شبه الجزيرة العربية وهو موطن العرب الأصلي , لم يظهر في تاريخ الشرق القديم إلا متأخرا , ومع ذلك فإنه هنالك بالتحديد تستمر بفضل الحياة البدوية الميزات الأصلية للجنس السامي .

ففي القرن السادس بعد الميلاد يتراءى هناك عالم زاخر بالحياة وبالشعر وبالرقي الفكري في بلاد لم تعط حتى هذا التاريخ أية علامة على وجودها . فبدون سابقة ولا تمهيد نلتقي فجأة بفترة المعلقات وغيرها من الشعر الذي احتواه كتاب الأغاني ؛شعر فطري في مضمونه بينما هو من حيث الشكل في غاية الأناقة , ولغة منذ البداية تفوق في لطائفها أشد أنواع الكلام إمعانا في الثقافة , وألوان من الحصافة في النقد الأدبي , وفي البيان , تشبه ما تجده في أشد عصور الإننسانية إعمالا للفكر . فإذا ما وجدنا هذه الحركة تنتهي بعد قرن من الزمان بدين جديد , وبفتح نصف العالم ثم تعود من جديد فتنطوي في النسيان .. أفليس من حقنا إزاء ذلك أن نقول إن بلاد العرب , دون جميع البلاد , تشذ أكثر الشذوذ عن كل القوانين التي نحاول بمقتضاها تفسير تطو الفكر الإنساني ؟


ومن بين الظواهر التي اقترن بها هذا الانبثاق غير المنتظر لوعي جديد في الجنس البشري . ربما كانت اللغة العربية نفسها هي الظاهرة الأشد غرابة والأكثر استعصاء على الشرح والتعليل , فهذه اللغة المجهولة قبل هذا التاريخ , تبدو لنا فجأة بكل كمالها ومرونتها وثروتها التي لا تنتهي . لقد كانت من الكمال منذ بدايتها بدرجة تدفعنا إلى القول بإيجاز إنها منذ ذلك الوقت حتى العصر الحديث لم تتعرض لأي تعديل ذي بال . اللغة العربية لا طفولة لها , وليست لها شيخوخة أيضا ... , ولست أدري إذا كان يوجد مثل آخر للغة جاءت إلى الدنيا مثل هذه اللغة من غير مرحلة بدائية ولا فترات انتقالية ولا تجارب تتلمس فيها معالم الطريق " (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الدكتور حسن ظاظا : الساميون ولغاتهم , ص 162-164 .

وسر كمال العربية الذي حير آرنست رينان وغيره من المؤرخين والدارسين يرجع إلى كمال مصدرها . فكمال المظهر يدل على كمال المصدر ؛ ألهمه فتكلم , وعلمه بها فتعلم , ووهبه البيان بها فأفصح وأبان .

كما افترضنا فإن الناس الذين كانوا يسكنون مكة وما حولها من بعد سيدنا إسماعيل عليه السلام ظلوا دوما يحافظون على اللغة العربية الفصحى ولا يتركون مجالا لتشويه ألفاظها . وهكذا كان الحال دائما إلى أن كان العصر الذي بعث فيه سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل فيه القرآن باللغة العربية .


وكانت مكة تمثل بؤرة التجمع العربي . وكانت تتاجر في رحلتين في السنة : إحداهما في الشتاء وتذهب جنوبا إلى اليمن والأخرى في الصيف وتذهب إلى الشمال . وباستمرار اتصال القبائل العربية ببعضها فقد تمت المحافظة على اللغة العربية إلى أن حان موعد الدين الجديد ( الإسلام ) .


وبعد ظهور الإسلام خرج العرب لنشره في العالم , وارتحل عدد من القبائل ليسكن في العراق والشام وأخذ الموالي من غير العرب يختلطون مع العرب وتوافد الناس من الشعوب الأخرى المسلمة على الجزيرة العربية , فبدأ اللحن يظهر على اللغة مما حمل العرب على القيام بخطوات للمحافظة على لغتهم , ومن ذلك : جمع القرآن , وقيام أبي الأسود الدؤلي بجمع اللغة فيما سمي من بعد بالنحو , وظهور المعاجم التي حوت كلام العرب .


وينبغي أن لا يفوتنا إذا أردنا أن نجري دراسة مقارنة بين كلمات العربية وبعض اللغات الأسيوية مثل الفارسية والتركية والأوردية والمالاوية أن نأخذ في الاعتبار مجريات تاريخية ودينية مرت بها تلك اللغات منذ انتشار الإسلام في آسيا واحتوت خلالها على عدد كبير من الكلمات العربية التي تتعلق بالدين .

ماهية اللغة ودراسة اللغات واحتكاكها
اللغة أصوات ورموز
اللغة هي الكلام , ولها صورتان : الصورة الصوتية وهي الكلام المنطوق ؛ والصورة المكتوبة وهي الكلام المرسوم .


ومفرد الكلام كلمة , وهي اللفظة التي يلفظها اللسان . ولما كان اللسان يلفظ الكلام سميت اللغة اللسان .

والمادة الأساسية في بناء الكلمات هي الأحرف المنطوقة , وهي وحدات صوتية تجمع معا في مجموعات صوتية هي الكلمات الملفوظة . وفي الكتابة فإن للوحدات الصوتية أشكالا رمزية تدل عليها هي الأحرف الهجائية .

وقد تختلف أشكال الحروف الهجائية وطرق كتابتها وقراءتها من لغة إلى أخرى , وقد تتشابه .


اللغة وسيلة التعبير الأولى والرئيسة عما لدى المتكلم من معان يود إبلاغها السامع أو القارئ . ولكن الحياة الاجتماعية اقتضت أن يزيد الناس من وسائل التعبير من أجل التفاهم فيما بينهم . ولئن كانت لغة ما تخص شعبا دون غيره أو أكثر فإن من وسائل التعبير ما هو عام يصلح لكل الناس مثل الإشارة الضوئية وعلامات المرور وشواخص الطرق ولكن لا بد من ترجمة تلك الوسائل والتعبير عنها باللغة .


إذا اقتربت من إشارة ضوئية وقد ظهر النور الأحمر , وقفت لأنك فهمت أن الضوء الأحمر يقول لك قف . ومن لافتات وإشارات عند المنعطفات تعرف وأن تقود السيارة بأي اتجاه تسير وأي الشوارع التي لا يسمح بالمرور فيها


وهكذا فحياتنا تزخر بمثل هذه الرموز التي تهدف كلها إلى توصيل المعلومات لمن يراها أو يسمعها . فهي أساليب تعبيرية . واستعمال مثل هذه الأساليب ليس وليد العصر , بل هو قديم قدم المجتمعات الإنسانية , فكان الطبل والبوق وسيلتين تعبيريتين تنقلان للناس إعلان الحرب , وكانت الرياش وما يلبس أثناء الحرب تميز الجند عن القادة وعن سائر الناس .


كل وسائل الاتصال الرمزية تسهل على الناس توصيل المعلومات والحصول عليها , ولكن فهمها لا يتم إلا بترجمتها للذهن بالكلام , ولو أراد شخص ِأن يشرح سبب وقوفه عند إشارة المرور الحمراء لقال : وقفت لأن معناها ( قف ) , وتصور هذه الكلمة في كل لغة بحسب أشكال حروفها , أما المعنى فواحد وهو الأمر بالوقوف .


لقد سارت اللغة الرمزية أو الوموز التعبيرية جنبا إلى جنب مع اللغة المنطوقة , وقد عرفتها المجتمعات البشرية القديمة , بل نستطيع القول إن الرموز التعبيرية في تلك المجتمعات قد كانت كثيرة الاستعمال كبيرة الأثر , وقد أملتها على الناس ظروف الحياة الاجتماعية , فالعلاقات الإجتماعية تفرض سرعة الاتصال وتوصيل المعلومات , فعلى صعيد الحياة القبلية , لم يكن من السهل إبلاغ جميع أفراد القبيلة سريعا بما يطرأ من أمور بالغة الأهمية فاستخدم الطبل ليكون أداة إعلامية , فإذا ما ضرب بلغ صوته أسماع القبيلة كلها , فأسرع أفرادها بالحضور. ولم يكن شأن أهم من تعرض القبيلة إلى غزو خارجي , فكان الطبل وسيلة الإعلام التي تجمعها بسرعة . والزواج قضية اجتماعية كبيرة , إنه إعلان عن بداية لتشكيل أسرة جديدة تنجب فيزيد عدد أفراد القبيلة , وتمدها بقوة شبابية جدبدة , والزواج يزيد من تقارب عناصر القبيلة . إنه موضوع يحتاج إلى مراسم خاصة صارت فيما بعد رموزا تدل على العرس .

ولكن لغة الكلام قد سبقت لغة الرمز , وإلا فكيف نفسر عناصر الرموز , فيجب أن يعرف الناس قبل وجود طبول الحرب معنى كلمة طبل وحرب وعدو , وأن يعرفوا قبل إقامة مراسم الزواج معنى كلمة عروس وزواج وأبناء .


وظل الرمز لغة لا بد منها , لأنه وسيلة التعبير والاتصال عبر المسافات البعيدة وقطاعات المجتمع المختلفة , وكما كان معلما اجتماعيا في الماضي فقد ظل مظهرا بارزا من مظاهر المجتمع الحديث له دور كبير في تنظيم الحياة العصرية , فكما تلعب الأعلام دورا كبيرا في التمييز بين الدول والجيوش والمنظمات الدولية ويحتل الشعار مكانا مرموقا في التعريف بالشركات والمؤسسات تقوم الموسيقى والأصوات والإشارات باليد وباللافتات والألوان والمصابيح الكهربائية والأزياء بدور يغطي معظم الحياة الاجتماعية وينظمها .



عيون الحب غير متصل   رد مع اقتباس