فتأففت ورده وقبل ان تنطق بكلمه سحبتها امها لعنه وعادت بها حيث تجلس العجوز بعيدا..
وحينما وصلت لعنه للعجوز قالت لها : ان المرأة ترفض الذهاب من جانب القبر.
فقالت ورده: ويا خاله هذه المجنونه تقول ان هذا القبر لرجل .
فنهرتها العجوز وقالت : لا يا ورده لا تقولي عنها هكذا فهي جاءت تضيء الشموع على قبر جورجيت وتسأل شيئا ولا يهم ما تظنه ..
واناس كثيرون يزورون هذا القبر ولا يعلمون لمن هو ويتداولون القصص حول صاحبه.
فقالت ورده : والان يا خاله الى متى سنبقى ننتظر والشمس ستشرق قريبا والمرأة لا تذهب .
فقالت العجوز: حتى تذهب لوحدها فلا يجوز طرد زائر للقبر.
مرت دقائق
وكأنها ساعات وهن ينتظرن ذهاب المرأة...فتنفست ورده وامها الصعداء حينما
بدأت المرأة بلملمة حالها وتحركت بعيدا عن القبر حتى توارت عن الانظار..
فتوجهت ورده وامها بأتجاه القبر وبقية العجوز مكانها تنتظر ..وحينما وصلت ورده والام أضيئت الشموع ولم تتمالك لعنه الام الا ان
اجهشت بالبكاء وكذلك فعلت ورده ...
وقالت لعنه بكلمات ممزوجة بالدموع تخاطب بها القبر :
انا وبناتي صن عهدك يا جورجيت ..
انا وبناتي صن عهدك يا جورجيت ...الخ.واستمرت لعنه تخاطب القبر لأكثر من ساعه والدموع لا تفارق عينيها وعيني ابنتها ورده ..
اقتربت العجوز بأتجاه لعنه وابنتها ورده ووضعت يدها على كتف لعنه وقالت : هيا يا ابنتي يجب ان نعود ..
فقالت لعنه للعجوز : ولكن امي جورجيت لم تظهر
فقالت
العجوز مخاطبة لعنه وورده:لم نحضر الى هنا لرؤية جورجيت،جئت بكن لزيارة
القبر واضاءة الشموع على قبر جورجيت في الشام، للتأكيد على وفائكن
بالنذر،لا اكثر من ذلك.
وعادت ورده وامها بصحبة العجوز وخيبة امل كبيره علت على وجوههن لعدم ظهور جورجيت..
فقالت العجوز لهن تحثهن على ان يسرعن اكثر:هيا يا بنات يجب ان نعود قبل ان تشرق الشمس .
فقالت ورده للعجوز : ليش ما أجت يا خاله ..انا نفسي اشوفها .
فقالت العجوز: سترينها يا ورده ..والان هيا نعد..
وعادت العجوز بصحبة ورده ولعنه من نفس الطريق حتى وصلن الى حيث كن بالسابق ..وبعد ان ارتحن قليلا..
ذهبت العجوز وعادت تحمل بيدها صندوق..وضعته امام لعنه الام
وقالت للعنه : افتحيه..
ففتحته لعنه
..فلمع نور من داخل الصندوق منبعث من قلادة صنعت من الذهب والفضة ومعادن
اخرى مصنوعه بغاية من الدقة والاتقان وقالت العجوز للعنه : هذه القلاده قد
تركتها لك امك جورجيت فيها سر وقوة العهد ترد عن حاملها الشرور...لا
يملكها اثنان ..
لا تباع ولا تشترى ..
يرثها من
استحقها وحافظ على عهدها..وجدت مع اهل هذا المكان منذ مئات السنين وانتقلت
بينهم وخرجت خارج هذا المكان وعادت اليه...وحينما حضرت الينا جورجيت قبل
عشرات السنين استلمت القلادة واقسمت امام صاحبتها ان تصونها وتحافظ عليها
وان لا تورثها الا لمن يستحقها...
مدت لعنة يدها لتمسك بالقلادة ولكن يد ابنتها ورده سبقتها وامسكت بها واخذت تتفحصها مبهورة بجمالها...
نظرت لعنة
الى ابنتها ورده مستأة من تصرفها واخذت القلادة منها واعادتها الى الصندوق
واغلقته وقالت للعجوز لقد حلمت بهذه القلادة منذ صغري حينما كنت اراهاعلى
عنق امي جورجيت وفي احد المرات بهرتني مثلما بهرت ابنتي ورده وطلبت من امي
جورجيت ان ارتديها ..
فقالت لي اخشى يا ابنتي انه حينما ترتدينها ستخسري احد عيونك ..
فقلت لها :انه لا شيء مهم في حياتي لاخسره .
فقالت لي: وانا يا لعنة الست مهمة...
فخجلت من نفسي واعتذرت منها واقسمت لها اني لا اريد هذه القلادة ولن ارتديها ما حييت..
والان يا
خالة قد مرت السنوات والعنق الذي كان يزين هذه القلادة لم يعد موجود وها
هي تذكرني بان امي جورجيت "نوري الوحيد" لم تعد في عالمي ومع هذه القلادة
يعتريني شعور بالخوف بأن افقد شيء اخر في حياتي ..فأرجوك يا خاله لا تفتحي
هذا الصندوق من جديد...
ابتسمت
العجوز وقالت للعنه: الصندوق وما فيه لك يا لعنة فقد ورثتيه عن امك جورجيت
وواجبي ان اسلمه لك فأن اردتي ان تبقيه مغلقا على القلادة فلا احد يمنعك
وان اردت ان ترتدي القلادة او ان تعطيها لأحدى بناتك فالخيار خيارك..
فقالت لعنة
: خياري ان تبقى هذه القلادة بالصندوق ولا تخرج منه ولا خيار اخر لدي وانت
يا خالتي العجوز طالما كنت وصية علينا وعلى امي جورجيت من قبلنا وعلى اهل
هذا المكان فهذا الصندوق سيبقى كما هو وان رأيت انه قد جاء يوم واستحق هذه
القلادة احد لتساعده فامنحيها له..
اما انا وبناتي فيكفينا شرف العهد وما منحنا من حماية وقوة فلا حاجة لنا بهذه القلادة ..
ردت العجوز
على لعنة وقالت: يا ابنتي انت قررت ان تعيشي هنا معنا فربما يأتي يوم
وتكوني انت الوصية على هذا المكان ..اما ياسمين ولعنه فهن اصبحن بنات
النور ولم تعد تربطهن علاقة بهذا المكان ..والقوة التي امتلكنها ستتلاشى
كلما وصلن الى الاستقرار في حياتهن الجديدة ..
ولكن
القلادة ان منحتيها لأحداهن فهي ستبقى معهن الى الابد لتنتقل من صاحبتها
الى وريثتها ولهذا السبب اطلب منك ان لا تتسرعي بأتخاذ القرار ...
فقالت ورده تأيدا لكلام العجوز: نعم يا ماما فكري ولا تتسرعي.
فقالت لعنه لوردة: افكر وبماذا افكر يا ورده واي قرار يجب ان اتخذ ..اعطيك القلادة ام اعطيها لاختك ياسمين.
فقالت ورده : لا فرق بيني وبين ياسمين يا امي فنحن واحدة ولن نكون اثنتان مهما حدث.
فقالت لعنه: لقد اتخذت قراري لن تخرج هذه القلادة من الصندوق ما دمت حية
والموضوع منتهي ولن اناقش فيه ، والان يا ورده وجب ان تستعدي حتى تنتقلي
للحياة خارج القبور..
سيحزنني فراقك انت الاخرى ولكن سأكون مرتاحة اكثر حينما اعلم انكن معا تحرص الواحدة على الاخرى.
فقالت العجوز : نعم يا ورده لقد حان الوقت فعلا لتستعدي للذهاب للعيش مع اختك ياسمين لتبدئي حياة جديدة.
فقالت ورده :لست على عجلة من امري يا خاله وانا بحاجة للوقت لافكر جيدا
قبل ان اخرج من هنا واحرم من العودة وامي التي لا اعلم ان كنت ساراها ام
لا ..
فقالت لعنه لابنتها : لا تخافي يا ورده لقد وعدتكن ساحضر الى زيارتكن
دائما واستمر النقاش بين ورده وامها والعجوز في تفاصيل المستقبل.
فارس وياسمين
حينما عادت ياسمين مرتديه ثوب الزفاف الابيض مع فارس في طريقهما الى بيته
كانت تضحك تاره وتبكي تارة اخرى وفارس ما زال مذهولا لا يصدق نفسه ان زمن
الخمار الاسود قد ولىّ وان ياسمين قد اصبحت زوجته دون تعقيدات ..
توقفت السيارة بجانب البيت في ساعة متأخرة من الليل ودخل فارس وزوجته
ياسمين البيت وكانت ام فارس واخوه نيام فتعمد فارس ان يحدث ضجيج في البيت
..
فقالت ياسمين لفارس بعد ان تنبهت ان فارس يفعل ذلك الضجيج لايقاضهم حتى يروا ياسمين: دعها نائمة فستراني في الصباح...
ولكن فارس أصر على ايقاظ امه ..
افاقت ام فارس وحينما خرجت من غرفتها لتكشف سر هذا الضجيج الذي دب في بيتها فجأة..
فوجئت بفارس يقف مبتسما وياسمين بجانبه بثوبها الابيض ..وقفت ام فارس
للحظات مشدوهة لا تتكلم وعيونها متسمرة باتجاه ياسمين ..اقترب منها فارس
وهزها من كتفها فنظرت اليه وقالت :انا ..انا بحلم ..مش آه .
فقال لها فارس : لا يا امي انت ما بتحلمي شو اللي بتشوفيه هو الحقيقة .
.ضحكت ام فارس وعادت الى غرفتها دون ان تنطق بكلمة ..ضحك فارس وقال لياسمين مازحا : امي انجنت .
دخل فارس وياسمين لغرفتهما ودقائق مرة وفارس مرتبك متردد في الاقتراب من
ياسمين..ولكن بنظرة واحدة خبيثة من ياسمين جعلته ينسى كل شيء ...الا
ياسمين .
لم يكن ذلك الصباح كأي صباح لاسرة ذلك البيت او للمنطقة كلها فأم فارس
افاقت من نومها فرحة سعيدة تعد الافطار ولا يبارح مخيلتها ذلك الحلم
الجميل لفارس وعروسه واخذت ترويه لابنها علاء وهي تنتظر بشوق ان يستيقظ
فارس الذي علمت بوجوده من خلال رؤيتها للسيارة مركونة خارج البيت لتروي له
عن حلمها الجميل .
ام فارس مشغولة في اعداد الافطار وعلاء يجلس على الطاولة يستمع لحديثها
وهو يبتسم فتوقفت ام فارس دون حراك وقد تغيرت ملامح وجهها وهي تنظر بأتجاه
الباب وعلاء يلتفت الى الخلف ليرى ما صدم امه ليفاجيء بياسمين ترتدي ثوب
زهري وتقترب منهم وعيونهم تتسائل من هذه ومن اين أتت ..
تبتسم ياسمين وتقول :صباح الخير ..مالكم في اشي.
ومن صوتها ادرك علاء وامه ان هذا الملاك الذي ظهر فجاءة ما هو الا ياسمين .
ام فارس وبحركات لا شعورية تدق بيدها على الطاولة
وتقول : بسم الله وما شاء الله ..بسم الله وما شاء الله ..وتكرر كلامها
عشرات المرات ..علاء يفيق من ذهوله ويمازحها قائلا "بتعرفي انت بالقناع
الاسود احلى" تقترب منه ياسمين وتمسك بأذنه وتشدها ويصرخ علاء وهو يضحك
ويقول لها: بتعرفي يا ياسمين انا اول وانت لابسه الخمار ومقنعة ما كان
يهمني اسألك ليش لابسى هيك علشان كنت متأكدة انك مثل القردة بس صوتك حلوا
وما حبيت احرجك ..بس هلا لازم افهم تطلعي على السما تنزلي على الارض بدي
افهم .
فقالت ياسمين :الله يبعثلك يا علاء وحده قردة على قد ذوقك ونيتك.
افاق فارس من نومه سعيدا وكأنه يرى الشمس تشرق لاول مرة في حياته جلس معهم
واخذت امه تروي لهم انها رأتهم بالحلم امس فقال لها فارس: ما رأيته كان
حقيقة وليس حلم ولكنها لم تقتنع وفضلت على ان يكون حلما قد تحقق على كونه
حقيقة.
مرة عدة ايام ومثلما كانت حكاية المقنعة السوداء في بيت فارس حكاية على
لسان كل الناس..اصبحت حكاية ياسمين اجمل الجميلات حكاية الناس في
الحارةوالمنطقة كلها.
طلبت ياسمين من فارس ان يبحث عن بيت ليبدؤا حياتهم بأستقلال وبعيدا عن الماضي ..
فقال لها فارس بعد ان تذكر حكاية البيت الذي قام ببيعه في الماضي ليغطي
نفقات الزفاف : لم يعد هنا بيت قديم ليكون هناك جديد ..فقالت له ياسمين :
لا تخف لقد قمت بأرجاع البيت وهو ما زال على اسمك ولا داعي لان تربط كل
شيء بحياتنا بالماضي ...فقال لها فارس : اذا سأبدأ من اليوم بالبحث عن بيت
..
فقالت ياسمين : ولكنك لم تسألني في اي المناطق اريد ان اسكن..فابتسم فارس وقال : اين؟
فقالت : فقط في مدينة القدس..
استاء فارس وبداخله لا يود ترك الناصرة او الابتعاد عنها لاي سبب كان وقال لها: هل انا مجبر على القبول بهذا الخيار .
فقالت له: كلا لست مجبر ولكن انا سأكون سعيدة ولي اسبابي الخاصة وهذا جزء
من عهد قطعته على نفسي ..لم يكن امام فارس الا ان يصطحب ياسمين ويبدأ
بالبحث عن بيت بمواصفات خاصة طلبتها ياسمين.
لم يكن ايجاد البيت بحاجة الى عناء وخاصة انه كان واضحا ان ياسمين تعلم
مسبقا ما تريده وبسرعة لم يتوقعها فارس تم شراء بيت في احد الاحياء
الهادئة بالقدس وكان ذلك البيت شبه مهجور ..
قاموا فورا بشرائه وترميمه ..لم يكن البيت ذلك البيت الجميل مقارنة
بالبيوت الاخرى ولكنه كان ذوا طابع قديم وكير الحجم ...انتقل فارس وياسمين
للعيش في البيت الجديد الذي لم يرق لفارس وكان يفضل لو انه سكن في بيت اخر
ولكن وجود ياسمين جعله يشعر بأنه يسكن في قصر بعد عدة ايام حضرت ورده في
ساعات المساء الى بيت ياسمين واستقبلتها ياسمين بالضحك والدموع ..
وسألتها ياسمين لماذا تأخرت وانها قد تركت لها رسالة في المكان المتفق عليه بينهما ..
فقالت ورده انها احتاجت لعدة ايام اخرى لتفكر قبل ان تتخذ قرارها فسألتها
ورده عن فارس فقالت ياسمين انه نائم فأمسكت ياسمين بيد ورده وسحبتها وقالت
لها تعالي لاريك غرفتك التي جهزتها لك كما تحبين..
ذهبت معها ورده وكانت ياسمين بغاية السعاده الا انها شعرت بأن ورده لم تكن
متحمسه او سعيدة مثلها فسألتها ياسمين ما الحكاية يا ورده ما بك ..فصمتت
ورده
وقالت : لا ادري يا اختي ولكني محتارة وخائفة واخشى اني لا استطيع الحياة
بعيدا عن اهل المكان حيث تربيت وايضا لا استطيع الحياة بعيدا عنك فقالت
لها ياسمين ورده اختي حبيبتي اليس هذا الحلم الذي عشنا من اجله ها قد تحقق
اخيرا فلماذا الخوف الان.
فقالت ورده: لا تكون الاحلام دائما كاملة يا اختي.
فقالت ياسمين: ورده ارجوك لا تحرميني السعاده التي انتظرتها سنين طويلة ارجوك.
فقالت ورده: دعيني من هذا الحديث انا سأبقى معك عدة ايام وربما الجو قد يعجبني فاغير رأي ولكن لا تحاولي ان تؤثري عليّ بدموعك .
فقالت ياسمين : اتفقنا وسأقنعك بدون دموع ولكن الان اذهبي واستبدلي ملابسك .
فقالت ورده: حاضر ولكن لن اخلع الخمار حتى اقرر لاني ان فعلت فلن استطيع العودة الى المكان من جديد ..
فقالت ياسمين لا تخافي فلن يراك فارس وهو نائم وانا لا اريد ان اتحدث معك من خلف الخمار