وقال إحسان لهم «أنا أعطى الحرية للكتاب الذين يعملون داخل مجلتى وأؤمنبالحرية التى تؤمنون بها والتى تنادون أنتم بها.. من الممكن أن أكون غيرمتفق مع مصطفى محمود فى أفكاره وفيما يكتب لكننى لا أستطيع تقييد حريتهوالأمانة الصحفية تمنعنى من التدخل بل وأن أعطيه مساحة ليعبر عن رأيه وليسهو وحده ولكن هذا ينطبق على كل الصحفيين فى مجلتى وحق الرد متاح للجميع».
أنتم تلاحظون أن إحسان عبدالقدوس قد دعمنى ووقف بجانبى وقت أن كان هوالعملاق عبدالقدوس ولم ينس رجال الثورة وعلى رأسهم عبدالناصر هذا الموقفلإحسان وردوا عليه بعد ذلك بسحله وسجنه وكيف أنهم لم يستطيعوا أن يدينونىأيام المقالات وظهر موقفهم عندما جمعت هذه المقالات فى كتابى الأول «اللهوالإنسان» عام ١٩٥٦ إذا غضضنا النظر عن المجموعة القصصية الأولى «أكلعيش».
على الرغم من أن الإعلام لم يكن بمثل هذا الحجم وكان الاعتماد كله علىالصحافة الورقية إلا أنك تستطيع أن تؤكد أن الحياة فى مصر قد توقفت بالفعلبعد إصدار الكتاب ورواجه.. لم يعتد الناس على مثل هذه الأفكار أو علىالأقل هذه الطريقة فى طرحها.. انقلبت الدنيا من حولى.. أصبح كل واحد يكتبعن الموضوع بمزاجه، من وصفنى بأننى فيلسوف العصر الجديد ومن وصفنى بالملحدوالشيوعى والكافر و.. و.. وهنا ضحك مصطفى محمود حتى دمعت عيناه اللتانأصابهما المرض مؤخرا.. وقال من الطريف أن دارا حكومية «دار الجمهوريةللنشر» هى التى وافقت على طبع الكتاب ونشره وكان يشرف عليها فى ذلك الوقتأنور السادات وحقق الكتاب رواجا كبيرا..
والطريف أيضا أن المفتى كان قد قرأ هذا الكتاب وأبدى رأيه بأن هذا الأسلوبيبشرنا بكاتب كبير وعالم ومفكر وكان هذا اعترافا رسميا من الدولة بهذاالكتاب وقيمته ولكن قضاة التفتيش الجدد رفضوا الكتاب وثاروا وهاجوا وسبواوقالوا هذا الكاتب أصابه الجنون أو كفر وقدموا مجموعة الشكاوى ضدى للقضاءوتمت مصادرة النسخ المعدودة المتبقية فى الأسواق من الكتاب بعد أن تخاطفهالكثير من المصريين الذين كانوا يرغبون فى من يكسر لهم الظلام ويطيرالخفافيش التى تتزايد داخله ويفسر لهم حقيقة ما يجرى لأنهم سئموا من أنتفرض عليهم الأشياء باعتبارها «واقع ولازم يقبلوه»..
وتحولت الدعاوى التى قدمت ضدى إلى قضية كبرى تناولها معظم صحفيى مصر ،وظلت القضية تنظر أمام محكمة أمن الدولة شهوراً خرجت خلالها شائعات كثيرةومتعددة وكان من بينها «أنهم سيحكمون بكفرى وارتدادى عن الدين ومن ثمإعدامى،
وآخر أن علماء الأزهر انتهوا بالفعل للحكم علىّ بالكفر والارتداد عنالدين» وظلت الشائعات تظهر شائعة تلو الأخرى وتتردد فى أرجاء مصر حتى تقررإصدار الحكم فى القضية فى شهر رمضان وذلك بغرض تشديد الحكم وعدم استخدامالرأفة وأتذكر أيامها أن إحسان عبدالقدوس استعان بمحام كان اسمه محمودوكان قد اشتهر وبرع فى الترافع عن جرائم النشر وكان يتحدث عما يجرى منأعمال قمع وقهر وإرهاب وديكتاتورية ومصادرة الكتب والأفكار
وأذكر أيضا أنه أثناء المرافعات قال لى إن ما كتبته فى كتابك هذا كلاميستخدمه كبار الصوفية وبعد سلسلة مرافعات طويلة استغرقتها المحاكمة التىكانت تتداول فى حجرة مغلقة وسرية واستغرقت المرافعات ساعات طويلة ولكن لايستطيع القضاة فى ذلك الوقت الحرج فى تاريخ مصر إلا إرضاء جمال عبدالناصرالذى أصدر حكمه من أول يوم بمصادرة الكتاب ورغم كل المرافعات وما استندتإليه من أقوال الصوفية فقد أصدرت محكمة أمن الدولة الحكم بمصادرة الكتابوعدم خروجه للنور وبالطبع خرج الحكم دون حيثيات ورغم ذلك صادروه بأمر جمالعبدالناصر.
وتقبلت اتهامى بالكفر وأنا فى بداية حياتى بأن أغلقت على نفسى باب شقتى.. واعتزلت من هول الصدمة حيث كانت عواطفى مازالت حساسة فلما أخذت الأفكارتهاجمنى.. لقد كفرونى لأنى امتلكت نفس ما امتلكوه.. نفس مؤهلاتهم.. القدرةعلى جذب الانتباه.. القدرة على جعل الآخرين يستمعون ويؤمنون بما أقول.. كفرونى.. قالوا نقضى عليه وهو صغير.. وناجيت روح أبى.. لقد اتهمونى بالكفريا أبى.. أنا ابنك اصطحبتنى إلى المسجد وأنا ابن الثالثة وألبستنى الطاقيةوالجلباب الصغير.. أنا الذى حفظتنى القرآن والحديث بينما مازال من فى مثلعمرى يلعبون فى تراب الشارع..
أين أنت يا أبى لتدفعهم بعيدا بأيديك الكبيرة الحانية.. لا تدفعهم بعيداعنى فقط بل تدفعهم بعيدا عن هذا البلد الطيب.. الذى يحاوطونه كالسرطان.. وجعلوا من يفكر يكفر.. جاءت أمى إلى.. جاءت بجلبابها وطرحتها.. افترشتسجادة الصلاة وأخذت رأسى فى حجرها.. وظللت فترة طويلة على هذا الحال.. ورغم أن معظم أفكار الكتاب لم تقترب من الأساسيات والثوابت مثل الله بلكانت فى (مسألة القضاء والقدر والجنة والنار والصواب والخطأ وقضايا الجبروالاختيار والبعث والخلود) إلا أن رجال الدين يعتبرون أن مجرد التفكير فىمثل هذه الأشياء هو الكفر ولكنهم لا يعلمون أن التفكير فى مثل هذه الأشياءمنتهى الإيمان لأننى مفكر أبحث عن أشياء تزيد من إيمانى وتعلقى باللهسبحانه وتعالى وقديما كانوا يفكرون فى هذه الشكوك دون أن يعرضوا للرجم أوالقتل .
فى بعض الأحيان قادنى تفكيرى لأتساءل هل كان ضروريا نزول الوحى والإلهامبواسطة جبريل على النبى صلى الله عليه وسلم ولماذا لم يلهمه الله مثلماألهم الفنانين والموسيقيين والعلماء فى لحظات الإبداع والاختراع؟ وكانتقصة الوحى تشغلنى بشكل كبير وكنت دائما أفكر فيها ولكن بمجرد أن طرحتالسؤال وبدأت البحث عن إجابة تعالت أصوات بتكفيرى مرة أخرى وكأنه لا توجدتهمة للمفكرين والباحثين عن الحقيقة غير التكفير وهذه القضايا تغير تفكيرىفيها بعد وصولى لليقين فسبحانه وتعالى كان لابد أن يميز رسوله عن بيتهوفنوجوخ وبيكاسو وقيس وعنترة،
وبعد بحث طويل فى القرآن أحسست أنه كتاب عجيب دستور لكل البشر وذلك لأنىحين قرأت كل الأديان أحسست أنها جميعا تتحدث عن شىء واحد لاشك فيه هووحدانية الله ولكن اكتشفت أن الأديان القديمة مضت عليها القرون وتمتحريفها ودخلتها مصالح الكهنة وكانوا هم السبب فى كل هذه الفروق بين دينوآخر فكل واحد منهم يريد أن يستغل الدين لأغراض ومصالح شخصية حتى فى مصرالقديمة «الفرعونية» كانت الديانة توحيدية والدليل هو كتاب الموتى ولكنالكهنة الذين يريدون أن يشيدوا المعابد اخترعوا آلافاً من الآلهة ليحصلوامن ورائها على القرابين وهذا ما حدث مع الأنبياء أيضا فكلما مات نبى خرجالمنتفعون وحرفوا ليستفيدوا بالمكاسب المادية وجاء بعد ذلك عصر الملوكوالرؤساء والسياسات المختلفة التى نعرفها الآن والتى زادت الأمر سوءا حيثإن العلمانيين يرددون شعارهم «كيف أسير إلى الأمام وأنا ألتفت إلى الخلف» ومن هنا يقولون العلم يتناقض مع الإيمان وقد نسوا أن كتاب الله سبحانهوتعالى يقود إلى أفضل طريق.. إلى الله..
وبعد مصادرة كتابى وجدت الماركسيين فى مصر يرفعوننى إلى السماء ويعلنونأنى أصبحت من كبار مفكرى الماركسية والشيوعية فى مصر وازداد إعجابهم بىوتأييدهم لى عندما كتبت قصة عن رجل زبال ونشرتها فى مجلة صباح الخير وكانتالمجلة فى بدايات إصداراتها وبعدها وجدت أن الشيوعيين يصفوننى بأنى أعظمكاتب وأكبر مفكر وقيل عنى يومها إن تشيكوف مجددا يظهر فى مصر يحمل اسممصطفى محمود وكنت مندهشا لكل ما يحدث حولى ومندهشا أكثر لإعجابهم بهذهالقصة رغم أنها قصة عادية للغاية ولم أشترك معهم أو أنضم إليهم بلتجاهلتهم بعد ذلك بأن حذفت هذه القصة من جميع مؤلفاتى،
ولكنهم سرعان ما تحولوا ضدى بعد ذلك ووجهوا إلى الكثير من الاتهامات ومنهاالردة الفكرية وكانت مدرسة ظهرت فى ذلك الوقت على يد محمود أمين العالموكانت ترغب فى أن ينادى الكتاب جميعهم بالاشتراكية العلمية والشيوعيةوالماركسية ومن يخالفهم لا يعد أديبا أو مفكرا وأكبر دليل أنهم رفعونى إلىالسماء ولذلك قرأت عن الفكر الماركسى بإمعان فلم أشعر باقتناع ودار داخلىحوار طويل ووجدت أنه يجب أن أغلق على نفسى باب حجرتى وظللت أمارس قراءتىفى معظم كتب الفلسفة وعلم النفس مثل (أفلاطون وأرسطو وهيجل وبكارل وماركسووليم جيمس) وقراءة الأديان (الفيدات الهندية والبوذية والزرادشتية)
وفى النهاية وصلت إلى الإيمان فى حين أن اليسار فى الستينيات كان قد أصبحاتجاها قوياً موجوداً على الساحة وله ثقله وقد توغلت يده إلى الأدبوالسينما والمسرح فتسبب نظام الاقتصاد الشمولى الذى طالب به فى الفقروالجوع للمصريين وهذا ما توقعته ولكنهم بعد ذلك وفى دقائق معدودة وجدواصحف العالم والإذاعات والشعوب تنادى بسقوطهم.. سقوط الشيوعية..
وسقط هؤلاء الأشخاص الذين عندما تمردت على أفكارهم وانتقدتهم اغتالونى فىموهبتى وفكرى وجردونى حتى من لقب الكاتب واتهمونى بالتخلف وهذه هى أفكارهموطباعهم لأن الشيوعية والشيوعيين تنظيم إذا صادف فى طريقه كاتبا يميللأفكارهم فإن مهمتهم تكون جذبه إليهم ومن بعد ذلك بدأت أعيد النظر فى كلشىء حولى وبدأت بمراجعة كتابى الأول «الله والإنسان» ووجدته مليئاًبالثغرات التى عدلت عنها وصححتها فى كتب أخرى.. وأنا هنا أعلن لأول مرة أننى تراجعت عن كل الأفكار المادية التى لا ترتبط بالدين والتى جاءت بكتابى الأول «الله والإنسان».
■ كفرونى لأنى امتلكت نفس ما امتلكوه.. نفسمؤهلاتهم.. القدرة على جذب الانتباه.. القدرة على جعل الآخرين يستمعونويؤمنون بما أقول.. كفرونى.. قالوا نقضى عليه وهو صغير
■ أغلقت على نفسى باب شقتى.. وناجيت روح أبى.. لقداتهمونى بالكفر يا أبى.. أنا ابنك الذى اصطحبتنى إلى المسجد وأنا ابنالثالثة.. أنا الذى حفظتنى القرآن والحديث بينما مَنْ فى مثل عمرى لميتخطوا مرحلة اللعب فى تراب الشارع.. أين أنت يا أبى لتدفعهم بعيدا عنىبأيديك الكبيرة الحانية.. لا تدفعهم بعيدا عنى فقط بل تدفعهم بعيدا عن هذاالبلد الطيب.. الذى يحاوطونه كالسرطان.. وجعلوا من يفكر يكفر
■ جاءت أمى إلىّ والتى كانت تتمثل فى شخصية أختىالكبيرة زكية.. جاءت بطرحتها وجلبابها.. افترشت سجادة الصلاة وأخذت رأسىفى حجرها.. وظللت فترة طويلة على هذه الحال.. حتى نهضت من جديد
■ كان يجب ألا أترك الساحة لخفافيش ظلام جدد.. لقضاة فى محاكم تفتيش جديدة
■ إن الناجح هو ذلك الذى يصرخ منذ ميلاده: جئت إلىالعالم لأختلف معه.. لا يكف عن رفع يده فى براءة الأطفال ليحطم بها كل ظلموكل باطل.