عرض مشاركة واحدة
قديم 2010-01-15, 01:50 AM   #3
الصورة الرمزية عيون الحب
مشرف مجلة الصور
تاريخ التسجيل: 2009-11-29
الدولة: الشرقية
المشاركات: 3,112
التقييم: 430
الصورة الرمزية عيون الحب
مشرف مجلة الصور
افتراضي

حكم الهدايا:

إذا قدّم أحد الخاطبين للآخر هدايا، فما هو الحكم الشرعي لهذه الهدايا إذا عدل أحدهما عن الخطبة؟
تباينت أقوال المذاهب في هذه المسألة على النحو التالي:
أولاً: مذهب الحنفية:
هذه الهدايا تأخذ حكم الهبة، فتعاد لصاحبها إلا إذا اندرجت تحت مانع من موانع الرجوع بالهبة السبعة، وهي:
1- زيادة الموهوب.
2- موت الواهب أو الموهوب له.
3- العوض عن الهبة.
4- خروج الموهوب عن ملك الموهوب له.
5- الزوجية القائمة بين الواهب والموهوب له وقت الهبة.
6- القرابة المحرمية بين الواهب والموهوب له.
7- هلاك العين الموهوبة في يد الموهوب له.
ثانيًا: مذهب المالكية:
فصل المالكية المسألة حيث ميّزوا بين كون الرجوع من طرف الخاطب، أو كونه من طرف المخطوبة.
فإن كان العدول من طرف الخاطب، فلا يحق له أن يستردّ شيئا من الهدايا سواء كانت قائمة أو مستهلكة؛ لأنه وهب بشرط إتمام الزواج، وهو المتسبب في عدم تحقيق هذا الشرط وبالتالي لا يحق له الرجوع بشيء من هداياه.
وإن كان العدول من طرف المخطوبة، فللخاطب أن يرجع عليها بكل ما قدمه من هدايا إذا كانت قائمة، فإن استهلكت استردّ قيمتها؛ لأنه وهب بشرط إتمام الزواج، وهي السبب في عدم تحقيق هذا الشرط، فلا يحل لها الاحتفاظ بهداياه.
وكل هذا يقيّد بالشرط أو العرف إذ يقدّمان على كل ما سبق.
ثالثًا: مذهب الشافعية:
عند الشافعية قولان في المسألة رجح أحدهما الرملي ورجح الآخر ابن حجر الهيتمي، وهما في الترجيح سواء.
القول الأول:
"له الرجوع بما أنفقه على من دفعه له، سواء كان مأكلاً أو مشربًا أم حلوى أم حليًا، وسواء رجع هو أم مجيبه أم مات أحدهما؛ لأنه إنما أنفقه لأجل تزويجه بها، فيرجع به إن بقي وببدله إن تلف".
القول الثاني:
"إن كان الردّ منهم (أهل المخطوبة) رجع عليهم؛ لأنه لم يهد لهم إلا بناء على أنْ يزوجوه ولم يحصل غرضه، فإن كان الرد منه فلا رجوع له؛ لانتفاء العلة المذكورة". وهذا القول يلتقي مع ما قاله المالكية.
رابعًا: مذهب الحنابلة:
الهدية تأخذ حكم الهبة، والهبة عندهم لا يجوز الرجوع فيها إلا إذا كانت قبل القبض، ولا يخفى أن الخاطب في مسألتنا هذه قد أهدى المخطوبة وقبضت الهدايا، فينبغي أن يكون الحكم عندهم أن لا رجوع للخاطب بهديته على مخطوبته، وهذا ما نسبه إليهم أحد المعاصرين.
ولكن إذا سرّحنا النظر في كتب المذهب نجد أنّ المسألة عندهم تخرج عن أصلهم المقرر سابقًا والقاضي بعدم رجوع الواهب بهبته بعد القبض.
والمقررعندهم في مسألتنا أن للخاطب أن يرجع بما أهدى قبل العقد، إن زوجت المخطوبة من غيره، وهذان نصان يشهدان على صحة ما أقول:
النص الأول:
"... وليست هديته من المهر نص عليه، فإن كانت قبل العقد وقد وعد به فزوجها غيره رجع".
النص الثاني:
"... فإن كانت قبل العقد (يعني الهدية) وقد وعدوه بأن يزوجوه فزوجوا غيره رجع بها، قاله الشيخ تقي الدين واقتصر عليه في الفروع، قلت: وهذا مما لا شك فيه".
وقد بين أحد المعاصرين هذا الرأي فقال: "ولكن الحنابلة يذهبون إلى جواز رجوع الخاطب في هداياه؛ لأن من شرط الهبة عندهم أن تكون بغير عوض، والواهب في الخطبة -كما يقول القاضي من الحنابلة- إنما وهب في هذه الحال بشرط بقاء العقد، فإذا زال ملك الرجوع، كالهبة بشرط الثواب".
ولا يخفى أن الحكم المذكور صحيح ولكن الشاهد لا علاقة له بالقضية محل البحث، فأي عقد
يراد له البقاء مع علمنا أن الخطبة ليست عقدًا، والهدية قبل العقد تختلف عنها بعده.
وبعد هذا التجوال في أقوال المذاهب نخلص إلى أن الفقهاء انقسموا إلى فريقين في حكم الهدايا حال العدول عن الخطبة:
الفريق الأول:
يجيز للمهدي الرجوع مطلقًا، وهم الحنفية وبعض الشافعية، هذا إذا استثنينا الحالات السبع المانعة من الرجوع في الهبة، والتي سبق ذكرها عند الحنفية؛ لأنها حالات عارضة.
وقد استدل الفريق الأول على جواز الرجوع في الهبة بالسنة المطهرة:
فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها).
وجه الدلالة:
جُعل الواهب صاحب حق، بل له الأولوية في هبته ما لم يصل إليه العوض من الموهوب له.
الفريق الثاني:
يجيز للمهدي الرجوع إذا لم يكن هو المتسبب في العدول، بل كان العدول من الطرف الآخر، وذهب إليه المالكية في المعتمد عندهم، وبعض الشافعية، وهو قول الحنابلة.
واستدل الفريق الثاني بأن المهدي قد قدم هديته بشرط إتمام الزواج، والطرف المُهدى إليه قد فوّت هذا الغرض على الواهب؛ فلا يجمع بين فوات الغرض وذهاب هديته.
الترجيح:
إذا تأملنا الأدلة وجدنا أن الراجح هو قول الفريق الأول من الحنفية وبعض الشافعية، والقاضي بأنّ للواهب أن يسترد هديته مطلقًا إلا أنه لا بدّ من مراعاة حالات الاستثناء المذكورة عند الحنفية والتي تمنع هذا الجواز.
وذلك لقوة أدلة هذا الفريق، وعدم نهوض دليل الفريق الثاني على المعارضة، بالإضافة إلى أن قول الفريق الأول يحوي قول الفريق الثاني من وجهٍ، وهو: لو عدل أحد الخاطبين كان للآخر الرجوع بهديته؛ لأن قول الفريق الأول أعم، وهو حاوٍ لقول الفريق الثاني من وجهٍ.
حكم التعويض عن الضرر المادي أو المعنوي:

قد ينجم عن العدول عن الخطبة ضرر بأحد الطرفين، وهذا الضرر إمّا أن يكون مادّيًّا أو معنويًا.
ومثال الضرر المادي: أن تترك المخطوبة العمل بناءً على طلب من الخاطب، أو أن يجهّز الأهل ابنتهم بجهازٍ قد طلبه الخاطب (وهذا في البلاد التي يجهز فيها أهل العروس مسكن الزوج مثل مصر).
ومثال الضرر المعنوي: ما يلحق بسمعة الفتاة من كلام وافتراءات حيث تكون قد أمضت مُدّة ً
طويلة ًمع خاطبها، وربما خرجا معًا ودخلا، وكانا محط نظر الناس وكلامهم.
وأيضًا قد تكون خِطبتها الأولى فوّتت عليها خطّابًا أفضل من هذا الأول الذي عدل.
وإذا سرّحنا النظر في كتب الفقهاء فإننا لن نجد لهذه المسألة أثرًا، ولعلّ السبب في ذلك أنه خلال السنين الماضية لم يكن لإطالة فترة الخِطبة في الحياة الاجتماعية وجود، بل كان يسود بينهم المثل الشائع "خير البر عاجلُه".
أضف إلى ذلك أنه لم تكن حياتهم الاجتماعية معقدة كما هي في هذه الأيام، حيث لم تكن المرأة تعمل في الوظائف الرسمية الحكومية، ولم تكن الوظائف تحمل ذات الطابع الذي تحمله الآن إلخ..
وأزيد على ما سبق أنّ حياة السابقين ومفاهيمهم كانت مصبوغةً بصبغة الإسلام وتعاليمه، حيث نجد المطلقة ربما تزوجت أربع مرات وكذلك الأرملة، فكان عدول الخاطب عن خطبته شيئًا لا يذكر. وفي هذا الزمان انقلبت الموازين رأسًا على عقب، وتغيرت المفاهيم والقيم، وأصبح المجتمع ينظر للأرملة والمطلقة والتي عدل عنها خاطبها نظرة دونية، لا تليق بالمرأة، ولا بتعاليم ديننا الحنيف الشريف.
والحاصل أنّ هذه المسألة تعدّ من المسائل الفقهية المعاصرة المستجدّة، أي من النوازل.
وإذا تأمّلنا آراء الفقهاء المعاصرين في الضرر المادي والمعنوي الناجم عن العدول عن الخطبة، نجدها محصورة في أربعة آراء:
الرأي الأول: عدم التعويض مطلقًا: ومن القائلين به الشيخ محمد بخيت المطيعي (مفتي الديار المصرية سابقًا) وأ. د. محمد عقلة الإبراهيم وأ. د. عمر سليمان الأشقر.
وأدلة القائلين بهذا الرأي:
أولاً: إنّ العدول أمر جائز شرعًا، والجواز الشرعي يتنافى مع الضمان.
ثانيًا: إنّ الخِطبة ليست عقدًا بل هي وعد بالعقد، ولا إلزام في هذا الوعد، فمن عدل عن خِطبته إنما يمارس حقًا من حقوقه، ولا يجوز أن نرتب على ممارسة الحقوق أي تعويض.
ثالثًا: لم يُفوّت العادل عن الخطبة على الآخر حقًا حتى يُلزم بالتعويض.
رابعًا: قد يلزم من الحكم بالتعويض إلزام الخاطب على الزواج عند عدم قدرته على دفع التعويض، وهنا يختفي الركن الأعظم لعقد النكاح وهو التراضي.
الرأي الثاني: التعويض مطلقًا: ومن القائلين به: الشيخ محمود شلتوت (شيخ الأزهر الشريف سابقًا).
الأدلة:
أولاً: إن القاعدتين الفقهيتين التاليتين هما أول دليل يستند إليه من قال بالتعويض:
1- لا ضرر ولا ضرار.
2- الضرر يزال.
ثانيًا: لا سبيل إلى إزالة الضرر سوى التعويض المالي.
ثالثًا: إن الخاطب قد سبب للمخطوبة ضررًا نتيجة عدم الوفاء بوعده، فلا بد أن يترتب عليه تعويض يتناسب مع مقدار ما تسبب به من ضرر.
الرأي الثالث: التعويض عن الضرر المادي فقط دون المعنوي، قال به الشيخ محمد أبوزهرة.
لكنّ الشيخ أبا زهرة يوجب التعويض عن الضرر المادي الناتج عن التغرير لا الاغترار.
والتغرير هو: الضرر الذي ينشأ وللخاطب دخل فيه غير مجرد الخطبة والعدول، مثل أن يطلب نوعًا مخصوصًا من الجهاز، ثم يكون العدول والضرر، فهو من باب المسؤولية التقصيرية.
أما الاغترار: فهو الضرر الناشئ عن مجرد الخطبة من غير عمل من جانب الذي عدل. وهذا الاغترار لا تعويض عليه
الرأي الرابع: إنّ التعويض يترتب على العدول عن الخطبة إذا ترتب عليه ضرر ماديًا كان أو معنويًا، وبه قال الشيخ مصطفى السباعي، ولكنه وضع ثلاثة شروط لوجوب التعويض:
1- أن يثبت أنّ العدول لم يكن بسبب المخطوبة.
2- أن يثبت أن العدول قد أضر بها ماديّا أو معنويّا غير الاستهواء الجنسي.
3- أن يكون الخاطب قد أكد رغبته في الزواج من المخطوبة بما يستدل به عادة وعقلاً على تأكيد خطبته وتصميمه على إجراء عقد الزواج
ونلحظُ في هذا الرأي أنه يُراعي المخطوبة حال عدول الخاطب، ويضرب عُرض الحائط بالخاطب حال عدول مخطوبته.
المناقشة:
أولاً: الضرر المعنوي:
لا بُدّ أن نتساءل: ما هو الضرر المعنوي الذي يقع على أحد الخاطبين بسبب عدول الآخر؟
وكيف يُقوّمُ هذا الضرر؟ وما هو ضابطه؟ مع مراعاة أنه أمر معنوي لا حسي ملموس.
أما ما ذكره البعض أنه ما يلحق بسمعة المخطوبة بسبب طول فترة الخطبة وكثرة الدخول والخروج مع الخاطب فهو أمر غير مقبول؛ لأنه رقة في الدين، وإغفال لأحكام رب العالمين، فكيف نرتب التعويض على إهمال المكلف بالشرع، أيعصي المرءُ الله تعالى فيكافأ؟!
فالخاطبان طالما لم يعقدا عقد الزواج فهما أجنبيان عن بعضهما، ولا يحل لأحدهما من الآخر شيء. ويحرم مخالطة أحدهما للآخر-بعد النظر والتعرف- وخلوته به، ومسه، والخروج معه. ومن الذي أجبرها على إطالة فترة الخطبة؟! لقد وافقت الفتاة على إطالة فترة الخطبة بمحض إرادتها مع علمها اليقيني أنّ للخاطب حق العدول متى شاء، فكيف نُضمّنُ إنسانًا إذا مارس حقه المشروع، والجواز الشرعي ينافي الضمان.
ثانيًا: الضرر المادي:
قد تترك المخطوبة عمَلها أو تشتري أثاثًا مخصوصًا يرغب به الخاطب، أو تترك الدراسة بناء على طلبه، أو غير ذلك من الصور التي تتضرر فيها الفتاة بسبب طاعة الخاطب.
ولا يخفى أن ضررًا ماديًّا قد وقع على الفتاة، لكن لنا أن نتساءل فنقول: ألم تكن الفتاة على علم أن خطبتها وعد غير ملزم؟ وأنّ رجوع الخاطب عن الخطبة حق له، وله أن يمارس حقه متى شاء؟ أليس تركها للعمل والدراسة وشراؤها الأثاث الذي طلبه الخاطب قبل العقد سوء تصرف منها، واستعجال في اتخاذ القرار، وخطأ في حساب عواقب الأمور؟
ما الذي أجبرها على إطاعة أمره، مع أنه لا طاعة له عليها؟ لقد تصرّفت بمطلق حريّتها وإرادتها، وهي وحدها تتحمل مسؤولية تصرفاتها وسوء تقديرها.
أما العدول عن الخطبة فهو حق لكل من الخاطبين، ولا وجه للضمان عند استعمال الحق.
أما ما قيل: إنه على الخاطب أنْ يُعوضَ المخطوبة عن الضرر الناشئ عن العدول بناء على المسؤولية التقصيرية فغير صحيح؛ لأن الفعل في المسؤولية التقصيرية غير مشروع أصلاًً
هذا ومن شروط المسؤولية التقصيرية: أن يُلازم الفعل أفعالاً خاطئة في ذاتها ومستقلة عنه استقلالاً تامًّا ومنسوبة لأحد الطرفي، وأن ينتج عنه ضرر للطرف الآخر
نُلاحظ أن كل ما سبق غير منطبق على المسألة محل البحث؛ إذ الخطبة مشروعة، وطلب الخاطب من مخطوبته بناء على النية في إتمام الزواج، وتنفيذ طلبات الآخر بناء على الثقة المتبادلة بين الاثنين وليست هذه الطلبات ضارة في ذاتها.
الترجيح:
بعد ما تقدم من الأدلة والمناقشة تركن النفس إلى القول بعدم التعويض مطلقـًا لما تقدم من أدلة قوية، وعدم نهوض أدلة المخالفين على المعارضة، وهذا الرأي يتفق مع حق كل واحد من الخاطبين بالإتمام أو العدول مما يبقي عقد النكاح رضائيًّا.

عيون الحب غير متصل   رد مع اقتباس