شبـــكة تـيـفـا نت

شبـــكة تـيـفـا نت (https://tefanet.protector.pw/vb/index.php)
-   المنتدى العام (https://tefanet.protector.pw/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   الإنتماء للوطن في شعر (https://tefanet.protector.pw/vb/showthread.php?t=25360)

سمو الأحساس 2010-05-08 07:21 PM

الإنتماء للوطن في شعر
 
إن الشعر من حيث كونه لونًا أدبيًا يؤثر في تنشئة الأطفال وفي تربيتهم ، فهو يقدم لهم مفاهيم ومعلومات وحقائق ، ويزودهم بالألفاظ والتراكيب والثروة اللغوية ، كما يعزز الناحية الوجدانية ويغرس القيم ، بل من المفروض أن يشبع حاجاتهم النفسية ، وينمي مهارات التذوق الأدبي لديهم فتكون لديهم ملكة الفهم والدقة في التفكير .
والشعر الذي يُقدم للأطفال لا بد له من أن يفي باحتياجات الطفل واهتماماته ، ولا بد له من أن ينمي خيال الأطفال ، ومن أن يخلق استجابات ذهنية لديهم تجعلهم في موقع جديد يشاركون فيه الشاعر حالاته الوجدانية ؛ ولا بدع إذا كان الانتماء للوطن / الأرض / القرية بكل ما فيه من تحقيق الذات هو المنطلق وهو البحث عن الذات وتعزيزها .

ينعكس الانتماء أولاً وقبلاً بذكر الوطن والبلاد ، وبترسيخ حب هذا الوطن حتى ينشأ الطفل ابنًا بارًّا له ، وليس الوطن مجرد اسم يُذكر ، بل هو يضم ما فيه من أرض و نبات وأماكن ومدى حبها ، والشاعر إذ يثير أو يعالج ذلك ، فإنما يحمل رسالة وطنية يود أن يبلغها لهذا الجيل الصاعد ، وينمي بذلك عنصر الانتماء المنشود . ومن هذا القبيل نذكر الشاعر أحمد صوالحة ، وهو يخاطب الطفل ، فيقول :
هاي بلادي والا الجنــــه
شوف بعينك محلاها
خضرة وميه طيور بتغني
بلادي الحلوه ما اغلاها [1]
فبلاده كأنها الجنة وقد جعل ذلك بلهجة التساؤل التي عهدناها في الشعر القديم ، وكأن الإجابة تستلزم الموازنة ، وذلك بسبب شدة التشابه بينهما ، ففيها الطيور المغردة والمياه العذبة والخضرة ، والشاعر يدعو الطفل لأن يتحسس ذلك : ( شوف بعينك ) ويؤكد على حلاوتها و " غلاوتها " بصورة تعجبية من شأنها أن تجعل الطفل مشاركًا وطرفًا في تلقيه النص .

وترى الشاعرة لميس كناعنة أن تخصص كتابًا للأطفال تحت عنوان : أحب بلادي ، وبالطبع تجعل النص بصورة خبرية ، وكأنها تقول أنا أحب بلادي ، وأريدك أيها الطفل أن تقرأ العنوان وكأنك أنت الذي قررت ذلك ، فأنا لا أملي عليك ، ولا أطالبك أن تفعل ذلك ، فالقرار لك .
ومن قصائد هذا الكتاب قصيدة ( أحب بلادي ) ، وتقول فيها :
نريد أن نعيش
نعمّر البلاد
قلوبنا تجيش
بالخير والوداد
جميعنا ننادي
بالسلم والرخاء
للعيش في البلاد
بالحب والإخاء[2]
فهي إذن تدعو لتعمير الوطن ، وأن تكون القلوب مفعمة بالخير والود ، وأن يعم الرخاء والسلام والحب والإخاء على هذه البلاد . إنها تحب وطنها وتحب ما فيه من أماكن :
أحب بلادي == ومسقط رأســــي
أحب جليلي == ومرجي وقدسي [3]
ثم ما تلبث أن تذكر لنا أن المسيح تعمد في الناصره ولا تغفل عن ذكر بيت لحم مهد المسيح عليه السلام ، كما تذكر القدس أكثر من مرة ، وكيف أن الرسول عليه السلام عرج إلى السماء منها .
ثم تذكر الأماكن التي تعز علينا : جبال الجليل وعكا ووادي عارة ، وتتوقف عن سرد الأماكن لأنها فطنت أنها لن تفي كل مكان حقه ، فتؤكد أنه يعز عليها كل شبر وكل حارة وحي ....وتختم نصها بدعوة السلام التي تنشدها بلادنا ، فتختم بالقول :
أحب بلادي == لأن بلادي
تمد السلام == لكل الأيادي [4]
والمكان هو الصورة الراسخة لوجود الإنسان واستذكاره هو استحضار لكيانه ، ففي الرحلة إلى طبريا يحبب أحمد صوالحة هذا المكان إلى الطفل، فيقول :
طبريا شطك هادي
مياتك كنز بلادي
........
يا طبريا مياتك
غالية علينا وحياتك
منها نسقي زهور بلادي
ونتغدى من سمكاتك [5]
فالتركيز على لفظة ( بلادي ) بما تحمله من ياء المتكلم - تجعل الموضوع تابعًا لملكية الطفل ولانتمائه ، ولا يغفل الشاعر عن الحديث عن الماء = الكنز وعن الزهور التي يجب أن نرويها ، والشاعر لا يبخل على الطفل ، فيغديه سمكًا.... وربما كان أحب الطعام إليه ، وهو أمر لا شك سيجذب انتباه الطفل .
أما الشاعرة لميس كناعنة فتصف لنا الناصرة :
ما أحلاك يا ناصرتي
من سمّــاك
قد وفّـــأك
لن أنساك من ذاكرتي [6]
فمن سماها الناصرة وفّاها حقها لأنها تنصر وتنتصر ، ثم إن في قولها " لن أنساك " دعوة لعدم نسيانها ، وكأنها تتحدث باسم الطفل ، وهي ترافقه في مواضع بعينها تذكرها له كالجابية وأرض النبعة وبئر الأمير وحي الروم والحي الشرقي واللاتين ، وختام رحلتها كان في عين العذراء :
ما أحلى عين العذراء
يحلو منها أعذب ماء
إن حب الوطن بأمكنته والدعوة إلى انتمائه يترددان في الشعر حتى لو اكتسب دلالات مصاحبة كخدمة المجتمع ، والتسلح بالعلم والمعرفة ، وذلك حتى يلحق الطفل العصر ، وهذا الشاعر سليمان جبران يقول على لسان الطفل :
بعد سنين أكبر
حتى أكون رجلا
أعلو كأني الشجر
لكي أصير بطلا
........
أخدم أهل بلدي
أنفع كل الناس
فالعلم في زماننا
هذا هو الأساس [7]
ونلاحظ كذلك أن الشاعر يغرس في نفسية الطفل أن يكون بطلاً نافعًا لمجتمعه ، ولو دققنا النظر ثانية لوجدنا التشبيه ( أعلو كأني الشجر ) مستقى من نباتات الأرض ومن كيانها .
وإذا كان المكان بما يثيره من ارتباط بالأرض قد ذكر وتردد في الشعر ، فإن النباتات لها صلتها العميقة في نفسية الطفل ، والأرض هي العطاء ومعناه ، وكم سمعنا الأطفال وهم ينشدون عن برتقال يافا وزيتون بلادي وشجرة السنديان و.....، وما هذه إلا رموز للتعلق بالوطن واحتضان معالمه . يقول فاضل علي - مثلاً - عن الزيتونة :
قال جدي ذات مره
حبة الزيتون دره
.........
هذه زيتونتي
مختالة للأرض غُرّه
قبل ميلادي تعالت
بعد موتي مستمره [8]
الزيتونة غرة الأرض أو تاجها ، وهي ستستمر في البقاء والخلود على هذه الأرض التي نعيش عليها ...إنها كانت وستبقى , ولا ننس أن الجد هو الراوي الأول لهذا التشبث ، والنص الغائب يوحي لنا بالقول : يا أيها الغريب دع عنك تجاهل كياني ووجودي ، فهذه الزيتونة شاهد على وجود تراثي وأصالتي ، إنها كانت وستبقى ، وهكذا أنا ، فقد كان أجدادي وآبائي وأنا اليوم هنا وسيظل أبنائي وأحفادي .
إن الحديث عن الزيتون هو رمز له دلالته المتأصلة حتى لو تحدث الشاعر عن مظاهر أخرى ، فيقول الشاعر صوالحة :
ما أحلى حواكير الزيتون
واللوز مفتح النوار
محلا النرجس والحنون
ونبع المية هالفوار [9]
انه منظر قروي ، والقرية لا شك تتصل نفسيًا وبعمق بوجود الإنسان الفلسطيني ، فيقول فاضل علي :
قريتي موال حبي
قريتي بيت العتابــــا [10]
في هذا النص نجد أن أهل القرية فرحوا للخير وغنوا ، وكانت القرية عرسًا للتآخي ، وينهي نشيده بالقول :
سوف أحيا في رباها
لست أرضى الاغترابــــا
من هنا نلاحظ رسالة النص الواضحة وقد وردت على لسان الطفل - هذا الطفل الذي سيعيش في ربا القرية ، ولن يهجرها . تلتقي هذه الرسالة مع رسالة الشاعر صوالحة وهو يعود إلى الطفل بوصف تفصيلي لعالم القرية الجميل :
شو حلوة أيام زمان == بين البيدر ...والبستان
عيشه حلوة وهنية == لا في هموم ولا أحزان
كان في عنا بيت كبير == قدامه في ساحة ..وبير
بالساحة في شجرة توت == وفيّتها تلـــــم الجيران
........
يا محلا خبز الطابون == مع شقفة جبنة وزيتون
والا الميه من العين == شربتها تروي العطشان
........
كان الجار يحب الجار == وكل الناس أهل وخوان [11]
فمثل هذا الوصف من شأنه أن يحبب الطفل لأجواء القرية ، بل إن الطفل الذي يحب الرسم يستطيع أن يرسم أكثر من لوحة ، تدور حول ظروف المعيشة والطعام وحسن الجوار ، وبالتالي فإن هذا الحب للقرية يعمق حبه لوطنه ، ويتمنى أن يعيش في رباها ويحس بمدى الارتباط بها .
ومن مقومات هذا الانتماء للوطن تظل اللغة العربية معلمًا بارزًا ، فيذكر الشاعر فاضل علي أطفالنا ، ويقول على لسان كل منهم :
أقرأ باللغة العربية
أكتب باللغة العربية
أحلى كلماتي أكتبها
شمس
أزهار بريــــة
بحر
أقمار
حريــــة
أكتب مكتوبًا لصديقي
أقرأ لافتة بطريقي [12]
فمثل هذا التطعيم للغة ولعشقها - وخاصة فيما ربط به من مظاهر الطبيعة ، ومن انطلاقة الحرية - يجعل الطفل وكأن اللغة العربية ملكًا له يحافظ عليه ، فلا بد له من كتابة رسالة لصديق ، وهو يريد أن يفهم ويعي ما هذه اللافتات التي كتبت بلغته ، وهو حريص على فهم مدلولها .
ربط الشاعر عشق اللغة بأحلى الكلمات التي يكتبها الطفل ، ومنها ( الحريـــة ) ، ويبدو أن الشاعر فاضل علي أولى أهمية لحرية الإنسان ، وكم بالحري في وطنه ، فيقول :
أطفال نحن وقد جئنا
جيلاً يصبو للحريــــة [13]
فهذا الجيل في منظور الشاعر يحلم بالفجر الآتي ، وقلبه مفعم بالآمال ، يكد ويسعى في الدنيا ، وشعاره العلم والعمل معًا .
وكان الشاعر فاضل قد أشار في مجموعته الأولى للأطفال ( خدي كالورد ) إلى انطلاقة الحرية والبحث عن الجديد والمجهول ، فيقول على لسان الطفل :
أحب السفر
إلى حيث لم يأتِ قبلي بشر [14]
فهذا جو المغامرة وبحرية وبجرأة من شأنه أن يجعل الطفل أمام مسؤولية ، وأمام تحقيق شخصيته ، ويدعوه إلى حب الاكتشاف من خلال السفر ، وحتى إلى المجهول ، وذلك بدون خوف أو تهيب .
وعلى غرار هذه الروح كان الشاعر سامر خير يردد على لسان طفلِـــه :
يا ليتني أطير
لو أن لي بساط ريح
مثل بساط السندبادِ
كنت أطير كالنسورِ
فوق البلادِ [15]
وفي هذا التمني نلمح تحبيب الحرية ، وارتباط ذلك في البلاد وفي الشموخ ، كما يذكّر الطفل بأسطورة بساط الريح والسندباد ، مما يقربه إلى عالم الحكايات والخرافات الجميلة المعبّرة .
وتأتي الشاعرة لميس كناعنة على هذه المعاني أيضًا مؤكدة على لسان طفلها مقتها للحدود والقيود ، وباحثة عن المجهول :
أحب أن أسافر
لأبعد الحدود
كطائر طليق
أحبها الدروب
.......
أحبه الفضاء
وأمقت الحدود [16]
الحرية والبحث عنها والانطلاق من شأنها أن تشجع الطفل على رفض كل تقييد أو ظلم ، وقد ارتأى الشاعر نعيم عرايدة أن يحوّر نص محمود درويش المعروف : أنا يوسف يا أبي ، فيخصص للأطفال كتابًا تحت هذا العنوان نفسه ، وفيه يشكو الطفل من إخوته ومن ظلمهم :
يعتدون علي
ويرمونني بالحصى
يريدونني أن أموت
.....
هم أكلوا عنبي
وهم حطموا لعبي يا أبي
والذئب أرحم من إخوتي ، أبتِ [17]
وهذه الشكوى هي إعلان لموقف رافض ، وبالتالي إلى بناء شخصية جديدة تذود عن حقها في العيش والكرامة ، حتى لو وردت تلك بصورة استصراخ أو تألم .
وإذا كانت الرمزية قد وجدت سبيلها على لسان الشعراء في توجههم للطفل فإن الشاعر فهد أبو خضرة يُكسب الانتماء معنى التضحيــة ، ففي كتابه – أيوب الجليلي يعود إلى الورد [18] يروي لنا كيف أن أيوب انتشرت على جسده البثور ، ولم يجد له أي شفاء .
غير أن هناك طبيبًا أشار إليه بضرورة الاغتسال من بئر ماء معينة . وكان على البئر حارس يحول دون الوصول إليها إلا بأجر كبير . ولما أن كانت لمياء حبيبة أيوب لا تملك مالا ، اقترح عليها الحارس أن تقص شعرها الجميل وتدفع به إليه ، فما كان من لمياء الحبيبة إلا أن ضحت بشعرها المنسدل الطويل لتدفع به ثمنًا للماء الذي يبجث عنه أيوب . وبذلك تم الشفاء .

إن هذه الحكاية الشعرية تعلم الطفل أن يضحي في سبيل من وما يحب ، وهي ترسخ معنى العطاء . وتكتسب القصة بعدًا وطنيًا إذا ما انتبهنا إلى لفظة (أيوب ) وهو رمز للصبر ، وإلى لفظة ( الجليلي ) التي تدل على انتماء وطني للأرض والمكان .
  • * *
مما ورد يتبين لنا أن التعبير عن الانتماء يعزز اهتمامات الطفل بكيانه وبمكانه ، ويجعله يتساءل عن واقع هو فيه ، كما يجعله يربط بين الماضي والحاضر ، ويهيئ له رؤية وموقفًا يستقيهما بصورة غير مباشرة ، وبالتالي تبنى له هوية هي ذاته وأناه .

إن هذا التعبير عن الانتماء لشعراء محليين له دلالته وأهميته ، وخاصة في ظروف التنكر للانتماء
الحقيقي ، وفي ظروف التمييز العنصري ، وله أهميته في ضرورة التشبث بالمكان وبالذات وبتاريخ وجودنا وحاضره ، وقد أحسن هؤلاء الشعراء في عرض هذه الصور الانتمائية وتحبيبها لأطفالنا .


الساعة الآن 08:33 AM.

Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
استضافة , دعم فنى