فجر الاسلام
2007-07-13, 09:11 PM
آينشتاين والقنبلة الذرية
د. عدنان عاكف
كان علي أن أحرق أصابعي قبل أن
أكتب تلك الرسالة الى الرئيس روزفلت....
ألبيرت آينشتاين
الصديق الذي عرفني على ألبيرت آينشتاين رحل عن هذه الدنيا في يوم السادس عشر من شهر آب، قبل أكثر من عقد من الزمن. وقد انحفر هذا التاريخ في ذاكرتي لأنه صادف نفس اليوم الذي رحل فيه عن هذه الدنيا نحو 66 ألف ياباني قضوا نحبهم في هيروشيما خلال أقل من دقيقة واحدة. ولكن قبل هذا قد انحفرت في ذاكرتي معلومة أخرى أخبرني بها ذلك الصديق الراحل، وهي ان آينشتاين هو المسؤول الأول عن تصنيع القنبلة الذرية. ولو تصفحت أية وسيلة إعلام أو تعليم عربية فانك لن تفاجئ من معلومة كهذه. وأعترف باني لم أكن أشعر بالارتياح وأنا أقرأ المقالات عن إنجازاته الكبيرة التي انطبع بها العلم المعاصر، لهذا السبب بالذات. لكن من خلال قراءتي خلال العامين الماضيين، والتي تزامنت مع الاستعدادات التي قامت بها دوائر ومؤسسات علمية والكثير من الجامعات في أنحاء العالم للاحتفال بالسنة العالمية للفيزياء والسنة العالمية لآينشتاين، بدأت الصورة الحقيقية لآينشتاين تتكشف تدريجيا. وقد أصبت بدهشة كبيرة عندما تعرفت عن قرب عن قصته مع القنبلة الذرية، وهي كما سنرى من هذه المقالة على نقيض ما عرف عنه تماما.
في عام 1905- وهي السنة التي أطلق عليها العلماء فيما بعد سنة العجائب، لكونها عرفت نشر أربعة مقالات علمية في الفيزياء النظرية لشاب مغمور، عرف فيما بعد باسم البيرت آينشتاين- تعرف العالم العلمي على معادلة قدر لها ان تصبح فيما بعد رمز للفيزياء الحديثة، وهي التي لخص فيها العلاقة القائمة بين الطاقة والمادة :
E = M C2 ( الطاقة تساوي الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء ). تبين هذه المعادلة ان كمية ضئيلة من الكتلة يمكن أن تتحول الى كمية هائلة من الطاقة. وهكذا لو توفرت إمكانية تحويل كمية معينة من بعض المواد يمكن ان نحصل على قدر لا يمكن تخيله من الطاقة.
لم يخطر على بال آينشتاين وهو يخط معادلته غير العادية، بقلم رصاص عادي انه كان يضع الخطوة الأولى لاكتشاف غير عادي، سوف يكون له دور حاسم في إعادة التفكير في عالمنا المعاصر ومستقبله والمخاطر التي يمكن أن تجابهه. لم يكن له دور مباشر، كما يعتقد البعض، في صناعة القنبلة الذرية. وقد أكد على هذه الحقيقة بنفسه، حين قال بعد أكثر من أربع عقود على نشر معادلته : " لا أعتبر نفسي الأب الذي حصل على الطاقة الذرية. كان نصيبي في هذا الشأن غير مباشر كليا. وفي الحقيقة اني لم أكن أتوقع ان يحصل ذلك خلال حياتي. كنت فقط مؤمن انه ممكنا من الناحية النظرية. وقد تم التوصل الى ذلك بعد الاكتشاف العرضي للتفاعل المتسلسل، وهذا لم يكن بالشيء الذي كان من الممكن أن أتوقعه. ".
الذي رأى وجود إمكانية التوصل الى طريقة للحصول على الطاقة الذرية كان شخص آخر، ولم يكن غريب عن آينشتاين. انه ليو سيلاهرد Leo Szilard - - ( عالم فيزياء ولد وترعرع في بودابست ، وعمل لبضعة سنوات بصحبة آينشتاين. غادر بلاده في عام 1933هربا من الحكم النازي، واستقر به المطاف في لندن، وكان من المساهمين الكبار في تصنيع أول قنبلة ذرية ).
في عام 1934 أجريت أول محاولة بريطانية للتوصل الى التفاعل المتسلسل للنتيترون. وقد باءت هذه التجربة بالفشل. واصل سيلاهرد أبحاثه لبضعة سنوات في اكسفورد. بعد تفاقم الأوضاع في أوربا، والتي كانت تهدد باندلاع الحرب انتقل في عام 1938 الى الولايات المتحدة واستقر في مدينة نيويورك. وباشر تجاربه في جامعة كولومبيا في عام 1939.
في صيف 1939 وبعد مرور نحو ستة أشهر على اكتشاف ظاهرة انشطار ذرات اليورانيوم أخذت الصحف والمجلات الأمريكية تناقش وبشكل مكشوف آفاق الطاقة النووية. في ذلك الوقت كانت غالبية الفيزيائين في الولايات المتحدة يشككون بامكانية الحصول على الطاقة الذرية للقنبلة الذرية.
استغرب سيلاهرد جدا لهذا الموقف الرسمي من المسألة، وأقلقه كثيرا غياب الفعل الأمريكي، بعد ان أصبح من الواضح ان تصنيع قنبلة ذات قوة تدميرية كبرى لم يعد بالأمر المستحيل. والذي أقلقه على وجه الخصوص الأنباء التي تتحدث عن وقف ألمانيا بيع خامات اليورانيوم من مناجم شيكوسلفاكيا، بعد ان احتلتها.
لم تكن لدى سيلاهرد معارف كثيرين في أمريكا، وخاصة لم تكن لديه علاقة بالشخصيات الرسمية المسؤولة.
قرر ان يستعين بصديقه القديم آينشتاين. شرح سيلاهرد الوضعية التي كانت عليها الأبحاث العلمية في موضوع اليورانيوم، والأدلة التي تشير الى انه يمكن أن يبدأ تفاعل ذري متسلسل، من خلال الانشطار الذري، والذي يجعل تصنيع القنبلة الذرية احتمال للمستقبل القريب. شكلت تلك المعلومات صدمة كبيرة لآينشتاين. قبل أربع سنوات فقط كان قد عبر عن إمكانية إنتاج الطاقة بقوله : " ان هذا يشبه إطلاق النار على الطيور في منطقة لا يوجد فيها إلا عدد قليل منها ". كانت النقطة الجوهرية بالنسبة للعالمين هي ليست القنبلة الذرية بحد ذاتها، بل هي احتمال ان تتوصل ألمانيا الى القنبلة قبل غيرها، وبذلك سيتعرض العالم كله الى خطر لا يمكن استيعاب كل أبعاده.
اتفق العالمان على ضرورة التحرك السريع وقبل فوات الأوان. الخطوة الأولى كانت مفاتحة ألكسندر ساشيس، الذي كان مستشار غير رسمي للرئيس روزفلت، بالموضوع. اقترح ساشيس على سيلاهرد ان يقوم آينشتاين بكتابة رسالة الى الرئيس. ووعد بانه سوف يوصلها الى الرئيس شخصيا.
في اليوم الثاني من آب وقع آينشتاين الرسالة، إلا انها لم تصل الى الرئيس بالسرعة المطلوبة. في مطلع أيلول اخترقت القوات الألمانية الحدود البولونية، وكان ذلك أول يوم من أيام الحرب العالمية الثانية. لم يستطع ساشس مقابلة الرئيس الأمريكي الا في اليوم العاشر من تشرين الأول.
كان العمل يسير ببطء. ويعود السبب بالدرجة الأولى الى ان غالبية العلماء الأمريكان العاملين في موضوع اليورانيوم كانوا يشككون بامكانية التوصل الى إنتاج الطاقة من اليورانيوم. بعث آينشتاين وسيلاهرد برسالة أخرى الى الرئيس الأمريكي، ليؤكدا على أهمية الإسراع في العمل. خلال تلك الفترة اخذ الموقف السياسي للولايات المتحدة يزحف من موقف الحياد باتجاه التحالف مع بريطانيا وفرنسا وروسيا. أصدر الرئيس أوامره بضرورة التسريع بالعمل. وخلال فترة وجيزة كانت التهيئة لتصنيع السلاح الجديد قد قطعت خطوات مهمة، قادت الى ولادة برنامج جديد عرف لاحقا باسم " مشروع مانهاتن ". أنيطت مسؤولية المشروع الى الجنرال ليسلي غروفس، في حين اصبح العالم المعروف روبرت أوبينهيمر مهمة قيادة الفريق العلمي. وقد عرف أوبينهيمر بلقب " أب القنبلة الذرية ".
يشير مؤرخ سيرة آينشتاين رولاند كلارك الى ان اكتشاف القنبلة الذرية كان سيتم بدون رسالة آينشتاين، ولكن ذلك ما كان سيتيح للولايات المتحدة التوصل الى النتائج التي تم التوصل اليها في الوقت الذي سيسمح باستخدامها ضد اليابان خلال الحرب. أما مساهمة آينشتاين الأخرى في صناعة القنبلة الذرية ( هذا اذا اعتبرنا رسالته الى الرئيس مساهمته الأولى ) فكانت محدودة جدا، ولم تستغرق منه سوى يومين. كان المسؤول عن تنسيق الأبحاث العلمية المتعلقة بالقنبلة قد طلب في الأول من كانون الأول 1941من آينشتاين المشورة بمسألة نظرية تتعلق بالموضوع. غير ان هذا المنسق وغيره من المسؤولين عن المشروع قد استبعدوا آينشتاين عن أي عمل له صلة بالقنبلة. ويعود هذا الموقف الى أسباب أمنية بحتة. لقد سبق ان طلب المسؤولون عن المشروع تزكية أمنية لما يقرب من 30 عالم، وكان من بينهم ألبيرت آينشتاين. قامت المخابرات العسكرية بدورها بالطلب من مكتب التحقيقات الفدرالي (م.ت.ف. ) تقريرا مفصلا عن آينشتاين. لم تكن لدى المكتب الكثير من التفاصيل عن العالم في ذلك الوقت، لذا لجأ الى تقرير قديم، كانت منظمة يمينية قد أعدته عن آينشتاين. أرفق مكتب التحريات هذا التقرير وأرفقه بعدد من النقاط الأخرى، التي كانت في معظمها مزيفة أو من أنصاف الحقائق، وأرسلها الى المخابرات العسكرية، مع توصيته النهائية :
" على ضوء الخلفية الراديكالية فان هذا المكتب لا يرشح د. البيرت آينشتاين للعمل في أية مواضيع ذات طبيعة سرية، بدون القيام بتحريات دقيقة. كما يبدو ان رجل بمثل هذه الخلفية لا يستطيع ان يصبح مواطن أمريكي مخلص خلال مثل هذه الفترة الزمنية القصيرة ".
وبناء على هذه التوصية رفضت المخابرات العسكرية منح آينشتاين تزكيتها للعمل في المشروع، الذي كانت رسالته السبب في وجوده أصلا...على العكس من المخابرات العسكرية، كان موقف القوة البحرية أكثر انفتاحا تجاه آينشتاين. في عام 1942 عرضت القوات البحرية عليه ان يعمل كمستشار علمي في موضوع يتعلق بتصنيع مواد شديدة الانفجا، فوافق على العرض بدون تردد، لا بل يذكر من التقى به انه كان مسرور جدا لهذا التعاون. وقد نشرت صورته في بعض الصحف، مع بعض رجال البحرية. على أثر نشر المعلومات عن تعاون القواة البحرية مع آينشتاين اتصل به أحد المسؤولين على برنامج مانهاتن أن يشارك في المشروع. هل أراد آينشتاين غاضبا من الموقف السلبي الذي اتخذ ضده في السابق، أم انه بالفعل لا يرغب في المساهمة لأسباب علمية ؟ أي كان السبب لكن آينشتاين رفض العرض الجديد بدون تردد.
لماذا منع أشهر عالم في ذلك الوقت من العمل في أهم مشروع علمي قدر للبشرية ان تجابهه؟ فسر بعض من كتب حول الموضوع ان آينشتاين لا يمتلك خبرة في مجال الدراسات التكنولوجية، في حين أن تصنيع القنبلة كان بحاجة الى خبراء كبار في هذا المجال، و ان نظريات آينشتاين لم تعد ضرورية في دراسات الذرة. إضافة الى ان طبيعة آينشتاين كانت تنزع الى العمل الفردي، في حين ان مشروع القنبلة كان يتطلب بالدرجة الرئيسة، عمل جماعي لمجموعة كبيرة جدا من العلماء والمهندسين. لم تقنع هذه الفكرة الكثيرين. وأشار البعض الى ان السبب في الوقوف ضد مشاركة آينشتاين في المشروع هي مواقفه السياسية في ألمانيا وفي الولايات المتحدة على حد سواء، وخاصة مواقفه اليسارية الصريحة. غير ان عدد كبير من العلماء الذين ساهموا في المشروع كانوا قد قدموا من خلف المحيط، ومن معسكر اليسار بالتحديد.
مهما كان الأمر، فان الواقع يقول ان " أب القنبلة الذرية " لم يشترك في صناعة القنبلة، وان دوره انحصر في تلك الرسالة المشهورة، وتلك المشورة فقط. لكن هذا لا يعني انه ابتعد كليا عن الموضوع. قبل أن تصنع القنبلة، وقبل ان تضع الحرب أوزارها أخذ ينظر الى المستقبل والمشاكل الكبيرة والخطيرة التي سوف تجابه البشرية. وقد بعث برسالة الى الفيزيائي الشهير نيل بور في الأول من كانون الأول 1944 : " يدعوه الى العمل من أجل حث العلماء الكبار من مختلف الدول – وبضمنها روسيا – لتدويل القدرات العسكرية. ودعا آينشتاين الى حماية المستقبل من المخاطر التي تهدده. وكتب يقول : " بعد ان تنتهي هذه الحرب سوف تبدأ التهيئة والاستعداد لحرب جديدة في جميع البلدان، وسيكون ذلك بوسائل تكنولوجية مدمرة، وستؤدي لا محالة الى تدمير كل شيء".
في 12/4/1945 توفي الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت. وخلفه في رئاسة البيت الأبيض الرئيس ترومان. بعد أقل من شهر أعلنت ألمانيا استسلامها. لكن الحرب في الشرق الأقصى كانت متواصلة مع اليابان. في حزيران قامت مجموعة من العلماء من جامعة شيكاغو، من العاملين في برنامج مانهاتن، وفي مقدمتهم كل من سيلاهرد( الذي لعب أكبر دور في الوصول الى القنبلة ) ، والحائز على جائزة نوبل جيمس فرانك بتقديم مذكرة الى وزارة الحرب، تحذر من ان استخدام القنبلة ضد اليابان سوف يعرض للشبهة أخلاقية أمريكا. وقد ذكر آينشتاين فيما بعد ان تقرير فرانك كان يقترح إسقاط القنبلة على منطقة مهجورة لاقناع اليابانيين بالاستسلام بدون الحاجة الى استخدام السلاح النووي. أكثر من 150 عالم من العاملين في برنامج مانهاتن انظموا الى هذا الموقف. ولكن موقف العلماء لم يستطع ان يزيح الساسة عن مواقفهم. كان الرئيس روزفلت قد ودع البيت الأبيض، وخلفه الرئيس ترومان. في الساعة الخامسة صباحا من يوم 16 تموز 1945 ارتفعت في صحراء نيومكسيكو الأمريكية سحابة
في الساعة الثامنة وخمسة عشر دقيقة من السادس من آب 1945 ، أي أقل من أسبوعين من كتابة تلك اليوميات قامت مقنبلة أمريكية بإسقاط قنبلة ذرية على هيروميشا، وبدون تحذير مسبق. في الساعة الثامنة وستة عشر دقيقة كان 66000 من سكان هيروشيما قد لقوا حتفهم. وقد وصل عدد الضحايا الى نحو 100 ألف من المواطنين من مختلف الأعمار. 100 ألف آخرين سوف يقضون نحبهم بسبب تأثير الإشعاع النووي......
يقال ان آينشتاين لم يعلق على خبر تفجير القنبلة في هيروشيما، إلا بعد مرور سنة على الحادث. ويقال أيضا انه لم يكن يعلم بنجاح تصنيع القنبلة إلا بعد أن سمع بخبر تفجيرها من الراديو. ويقال أيضا ان أول ملاحظة قالها معلقا على الخبر... حسنا سننقل ما قاله حسب ما ورد في ملف آينشتاين السري الذي أعده مكتب التحقيقات الفدرالي: " البروفيسور ألبيرت آينشتاين... قال اليوم بانه متأكد بان الرئيس روزفلت كان سيحظر ضرب هيروشيما بالقنبلة الذرية، لو كان ما يزال حيا...". ونقل عنه أيضا : " كان علي ان أحرق أصابع يدي، قبل أن أكتب رسالتي الأولى الى الرئيس روزفلت ". وفي تصريح لاحق أكد : " لقد شجبت دائما استخدام القنبلة ضد اليابان ...".
لم يكن العلماء الذين صنعوا القنبلة، ومن ثم ندموا على ما فعلت عقولهم، وحدهم من عارض استخدام القنبلة في الحرب، بل كان هناك عدد من القادة العسكريين، الذين شاركوا العلماء هذا الموقف. وفي مقدمة هؤلاء كان الجنرال ايزنهور. لقد كان هؤلاء الضباط يرون ان استسلام اليابان أصبح نجرد مسألة وقت، وليس هناك أي مبررات عسكرية لاستخدام القنبلة الذرية.
عدد غير قليل من العلماء الذين ساهموا في بناء القنبلة انتابهم القلق مما حدث ومما سوف يحدث لاحقا. لذا وجدوا بان هناك ضرورة قصوى للتحرك من أجل عمل شيء ما لمواجهة الموقف. هل كان تحرك هؤلاء بدافع الشعور بالذنب، أو بالنظر للمخاطر التي بدأت تتجسد أمامهم، أو ربما بدافع هذا وذاك دعوا الى تشكيل هيئة طوارئ من العلماء المناهضين للسلاح الذري لتنشط عبر كل أمريكا. بعد بضعة أشهر على مأساة هيروشيما قام عدد من العلماء من جامعة شيكاغو، ومن الذين عملوا في مشروع مانهاتن بتشكيل فدرالية علماء الذرة. وخلال أقل من عام ساعدت الفدرالية الجديدة على تشكيل هيئتين جديدتين : اللجنة الوطنية في المعلومات الذرية، والتي كانت تمثل لخمسين اتحاد، وكنائس وعدد من المنظمات المدنية ؛ و جمعية العلماء للتربية الذرية.، والتي كانت تقوم بارسال العلماء الى الاجتماعات التي تعقد في مختلف الولايات للتحدث عن المخاطر الناجمة عن استخدام الأسلحة الذرية.
في شهر آيار طلب سيلاهرد وزميل آخر من آينشتاين ان يترأس الهيئة التي أسست حديثا " اللجنة الطارئة لعلماء الذرة ". جميع أعضاء الهيئة، باستثناء آينشتاين شاركوا في بناء القنبلة، وأعلنت اللجنة انها تتحرك بدافع الضرورة القومية الملحة وبدافع ضميرهم الجماعي.. وحددت هدفها الرئيسي في استنهاض الأمريكيين من أجل أن يفهموا حجم الأزمة التي تجابههم، والتي لم يسبق لها مثيل، على المستوى الوطني والدولي.
في نهاية عام 1946 بدأ آينشتاين يتحرك في اتجاهات مختلفة، مدفوعا بهاجس السباق الدولي من أجل الحصول على السلاح الذري. وأعلن في أحد الاجتماعات : " ان عالمنا المعاصر يواجه أزمة، ما زال أولئك الذين يمتلكون القدرة على القيام بالخيار الكبير بين الخير والشر، لا يستطيعون إدراكها. ان إطلاق العنان لطاقة الذرة قد غير كل شيء، باستثناء أسلوب تفكيرنا، ولهذا ترانا ننجرف نحو كارثة فريدة من نوعها ".
وفي كلمة له في اجتماع للجنة الطارئة لعلماء الذرة، عقد في تشرين ثاني 1946، أعلن آينشتاين ان المهمة الأولى يجب ان تنصب على " ان نوصل قناعتنا الى الآخرين، بان الحرب يجب تمنع مهما كانت التكاليف.. وقد خرج المؤتمر باستنتاجات في غاية الأهمية، كان في مقدماتها: لا توجد وسائل عسكرية دفاعية ضد القنبلة الذرية، ومن غير المتوقع التوصل الى مثل هذه الوسائل، باستطاعة الدول الأخرى التوصل الى القنبلة، الاستعداد لمقاومة القنابل الذرية أمر عبثي، ولا جدوى منه، لو نشبت الحرب سوف تستخدم القنابل الذرية، وهي بكل تأكيد ستقضي على حضارتنا؛ لا حل لهذه المشكلة إلا من خلال الرقابة الدولية على الطاقة الذرية، والعمل على التخلص نهائيا من الحرب....
في عام 1947 قام آينشتاين بمحاولة باتجاه آخر. قام بمحاولة للقاء بوزير الدفاع جورج مارشل على أمل إقناعه بان حكومة عالمية بقوات عسكرية هي الوحيدة القادرة على تجنب كارثة الحرب الذرية. ...
كان آينشتاين يرى ان القنبلة الذرية تمثل تغيير كمي في التسلح، أكثر من كونه تغيير نوعي. وقد شرح فكرته على النحو التالي : " اختراع القنبلة الذرية لم يخلق مشكلة جديدة. كل ما استحدثته هو انها جعلت من قضية حل المشكلة القائمة أكثر إلحاحا. يستطيع المرء القول بانها أثرت فينا كميا وليس نوعيا... ما دامت هناك هيمنة للدولة التي تمثل القوة العظمى، فان الحرب محتومة. كان هذا حقيقة قبل ان تصنع القنبلة. كل ما تغير هي القوة التدميرية للحرب...".
قبل أيام من وفاته وصلته مسودة بيان مرسلة من عالم الرياضيات والفيلسوف البريطاني برتراند راسل، يدعوه الى التوقيع على البيان، في حالة موافقته على المحتوى. صدر البيان بعد وفاة آينشتاين، وكان موقعا من قبل تسعة علماء آخرين، إضافة الى كل من آينشتاين وراسل. وقد عرف البيان فيما بعد " بيان آينشتاين – راسل ".. وقد كان هذا البيان البداية لانطلاق حركة جديدة ، لتنظم الى الحركات المختلفة التي تناضل من أجل السلم والأمن في العالم. وتعرف هذه الحركة التي انطلقت في عام 1957 باسم " مؤتمر باكاش " ، غير ان هذا موضوع لحديث آخر، قد تسنح لنا الفرصة لمتابعته...
كان أصغر العلماء التسعة الذين وقعوا على البيان، هو العالم الفيزيائي جوزيف روتبلات ( عالم بولوني غادر بلاده قبل احتلالها من قبل هتلر واستقر في بريطانيا )، الحائز على جائزة نوبل من أجل السلام في 1995 . وقد ترأس مؤتمر باكاش لفترة طويلة، وتوفي قبل بضعة أشهر عن عمر 96 سنة. وهو العالم الوحيد من بين جميع العلماء الذين عملوا في مشروع تصنيع القنبلة الذرية، الذي انسحب من المشروع بعد ان تأكد بان ألمانيا لم تعد قادرة على صناعة القنبلة، وشعر ان مواصلته للعمل في المشروع أصبح غير مبرر من الناحية الأخلاقية. وقبل وفاته ترك لنا في عام 2005 بعض من ذكرياته عن آينشتاين، أقتطع منها الكلمات التالية :
" جعلنا آينشتاين نفكر في كل شيء – لا شيء هو المطلق؛ كل شيء هو النسبي. لقد كان عالم، ولكنه واقعي واع بشأن كل ما كان يحدث في العالم.... وأنا لا أعتبره عالم عظيم فحسب، بل وإنسان عظيم أيضا. ..
كان آينشتاين عملاقا بين الرجال، بقي طيلة حياته يحارب ببسالة لا نظير لها من أجل السلام... ان رسالة آينشتاين للإنسانية ما زالت مناسبة في يومنا، كما كانت خلال حياته......".
ما دامت رسالة هذا المناضل العنيد من أجل السلم والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، مازالت مناسبة لنا وللإنسانية أجمع، حري بنا أن نقرأ آخر سطرين منها، لأن ما يتضمناه من معنى ينبغي ان يبقى يشكل ناقوس خطر لا يهدأ ما دام على وجه هذه المعمورة كابوس أسود اسمه السلاح النووي. حين سألوه عن نوع السلاح الذي سوف يستخدم في الحرب العالمية القادمة، أجاب :
" بصراحة لا أستطيع أن احدد نوعية الأسلحة التي سوف تستخدم في الحرب العالمية الثالثة. لكني متأكد بأن سلاح الحرب العالمية الرابعة ستكون العصي والحجارة "......
د. عدنان عاكف
كان علي أن أحرق أصابعي قبل أن
أكتب تلك الرسالة الى الرئيس روزفلت....
ألبيرت آينشتاين
الصديق الذي عرفني على ألبيرت آينشتاين رحل عن هذه الدنيا في يوم السادس عشر من شهر آب، قبل أكثر من عقد من الزمن. وقد انحفر هذا التاريخ في ذاكرتي لأنه صادف نفس اليوم الذي رحل فيه عن هذه الدنيا نحو 66 ألف ياباني قضوا نحبهم في هيروشيما خلال أقل من دقيقة واحدة. ولكن قبل هذا قد انحفرت في ذاكرتي معلومة أخرى أخبرني بها ذلك الصديق الراحل، وهي ان آينشتاين هو المسؤول الأول عن تصنيع القنبلة الذرية. ولو تصفحت أية وسيلة إعلام أو تعليم عربية فانك لن تفاجئ من معلومة كهذه. وأعترف باني لم أكن أشعر بالارتياح وأنا أقرأ المقالات عن إنجازاته الكبيرة التي انطبع بها العلم المعاصر، لهذا السبب بالذات. لكن من خلال قراءتي خلال العامين الماضيين، والتي تزامنت مع الاستعدادات التي قامت بها دوائر ومؤسسات علمية والكثير من الجامعات في أنحاء العالم للاحتفال بالسنة العالمية للفيزياء والسنة العالمية لآينشتاين، بدأت الصورة الحقيقية لآينشتاين تتكشف تدريجيا. وقد أصبت بدهشة كبيرة عندما تعرفت عن قرب عن قصته مع القنبلة الذرية، وهي كما سنرى من هذه المقالة على نقيض ما عرف عنه تماما.
في عام 1905- وهي السنة التي أطلق عليها العلماء فيما بعد سنة العجائب، لكونها عرفت نشر أربعة مقالات علمية في الفيزياء النظرية لشاب مغمور، عرف فيما بعد باسم البيرت آينشتاين- تعرف العالم العلمي على معادلة قدر لها ان تصبح فيما بعد رمز للفيزياء الحديثة، وهي التي لخص فيها العلاقة القائمة بين الطاقة والمادة :
E = M C2 ( الطاقة تساوي الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء ). تبين هذه المعادلة ان كمية ضئيلة من الكتلة يمكن أن تتحول الى كمية هائلة من الطاقة. وهكذا لو توفرت إمكانية تحويل كمية معينة من بعض المواد يمكن ان نحصل على قدر لا يمكن تخيله من الطاقة.
لم يخطر على بال آينشتاين وهو يخط معادلته غير العادية، بقلم رصاص عادي انه كان يضع الخطوة الأولى لاكتشاف غير عادي، سوف يكون له دور حاسم في إعادة التفكير في عالمنا المعاصر ومستقبله والمخاطر التي يمكن أن تجابهه. لم يكن له دور مباشر، كما يعتقد البعض، في صناعة القنبلة الذرية. وقد أكد على هذه الحقيقة بنفسه، حين قال بعد أكثر من أربع عقود على نشر معادلته : " لا أعتبر نفسي الأب الذي حصل على الطاقة الذرية. كان نصيبي في هذا الشأن غير مباشر كليا. وفي الحقيقة اني لم أكن أتوقع ان يحصل ذلك خلال حياتي. كنت فقط مؤمن انه ممكنا من الناحية النظرية. وقد تم التوصل الى ذلك بعد الاكتشاف العرضي للتفاعل المتسلسل، وهذا لم يكن بالشيء الذي كان من الممكن أن أتوقعه. ".
الذي رأى وجود إمكانية التوصل الى طريقة للحصول على الطاقة الذرية كان شخص آخر، ولم يكن غريب عن آينشتاين. انه ليو سيلاهرد Leo Szilard - - ( عالم فيزياء ولد وترعرع في بودابست ، وعمل لبضعة سنوات بصحبة آينشتاين. غادر بلاده في عام 1933هربا من الحكم النازي، واستقر به المطاف في لندن، وكان من المساهمين الكبار في تصنيع أول قنبلة ذرية ).
في عام 1934 أجريت أول محاولة بريطانية للتوصل الى التفاعل المتسلسل للنتيترون. وقد باءت هذه التجربة بالفشل. واصل سيلاهرد أبحاثه لبضعة سنوات في اكسفورد. بعد تفاقم الأوضاع في أوربا، والتي كانت تهدد باندلاع الحرب انتقل في عام 1938 الى الولايات المتحدة واستقر في مدينة نيويورك. وباشر تجاربه في جامعة كولومبيا في عام 1939.
في صيف 1939 وبعد مرور نحو ستة أشهر على اكتشاف ظاهرة انشطار ذرات اليورانيوم أخذت الصحف والمجلات الأمريكية تناقش وبشكل مكشوف آفاق الطاقة النووية. في ذلك الوقت كانت غالبية الفيزيائين في الولايات المتحدة يشككون بامكانية الحصول على الطاقة الذرية للقنبلة الذرية.
استغرب سيلاهرد جدا لهذا الموقف الرسمي من المسألة، وأقلقه كثيرا غياب الفعل الأمريكي، بعد ان أصبح من الواضح ان تصنيع قنبلة ذات قوة تدميرية كبرى لم يعد بالأمر المستحيل. والذي أقلقه على وجه الخصوص الأنباء التي تتحدث عن وقف ألمانيا بيع خامات اليورانيوم من مناجم شيكوسلفاكيا، بعد ان احتلتها.
لم تكن لدى سيلاهرد معارف كثيرين في أمريكا، وخاصة لم تكن لديه علاقة بالشخصيات الرسمية المسؤولة.
قرر ان يستعين بصديقه القديم آينشتاين. شرح سيلاهرد الوضعية التي كانت عليها الأبحاث العلمية في موضوع اليورانيوم، والأدلة التي تشير الى انه يمكن أن يبدأ تفاعل ذري متسلسل، من خلال الانشطار الذري، والذي يجعل تصنيع القنبلة الذرية احتمال للمستقبل القريب. شكلت تلك المعلومات صدمة كبيرة لآينشتاين. قبل أربع سنوات فقط كان قد عبر عن إمكانية إنتاج الطاقة بقوله : " ان هذا يشبه إطلاق النار على الطيور في منطقة لا يوجد فيها إلا عدد قليل منها ". كانت النقطة الجوهرية بالنسبة للعالمين هي ليست القنبلة الذرية بحد ذاتها، بل هي احتمال ان تتوصل ألمانيا الى القنبلة قبل غيرها، وبذلك سيتعرض العالم كله الى خطر لا يمكن استيعاب كل أبعاده.
اتفق العالمان على ضرورة التحرك السريع وقبل فوات الأوان. الخطوة الأولى كانت مفاتحة ألكسندر ساشيس، الذي كان مستشار غير رسمي للرئيس روزفلت، بالموضوع. اقترح ساشيس على سيلاهرد ان يقوم آينشتاين بكتابة رسالة الى الرئيس. ووعد بانه سوف يوصلها الى الرئيس شخصيا.
في اليوم الثاني من آب وقع آينشتاين الرسالة، إلا انها لم تصل الى الرئيس بالسرعة المطلوبة. في مطلع أيلول اخترقت القوات الألمانية الحدود البولونية، وكان ذلك أول يوم من أيام الحرب العالمية الثانية. لم يستطع ساشس مقابلة الرئيس الأمريكي الا في اليوم العاشر من تشرين الأول.
كان العمل يسير ببطء. ويعود السبب بالدرجة الأولى الى ان غالبية العلماء الأمريكان العاملين في موضوع اليورانيوم كانوا يشككون بامكانية التوصل الى إنتاج الطاقة من اليورانيوم. بعث آينشتاين وسيلاهرد برسالة أخرى الى الرئيس الأمريكي، ليؤكدا على أهمية الإسراع في العمل. خلال تلك الفترة اخذ الموقف السياسي للولايات المتحدة يزحف من موقف الحياد باتجاه التحالف مع بريطانيا وفرنسا وروسيا. أصدر الرئيس أوامره بضرورة التسريع بالعمل. وخلال فترة وجيزة كانت التهيئة لتصنيع السلاح الجديد قد قطعت خطوات مهمة، قادت الى ولادة برنامج جديد عرف لاحقا باسم " مشروع مانهاتن ". أنيطت مسؤولية المشروع الى الجنرال ليسلي غروفس، في حين اصبح العالم المعروف روبرت أوبينهيمر مهمة قيادة الفريق العلمي. وقد عرف أوبينهيمر بلقب " أب القنبلة الذرية ".
يشير مؤرخ سيرة آينشتاين رولاند كلارك الى ان اكتشاف القنبلة الذرية كان سيتم بدون رسالة آينشتاين، ولكن ذلك ما كان سيتيح للولايات المتحدة التوصل الى النتائج التي تم التوصل اليها في الوقت الذي سيسمح باستخدامها ضد اليابان خلال الحرب. أما مساهمة آينشتاين الأخرى في صناعة القنبلة الذرية ( هذا اذا اعتبرنا رسالته الى الرئيس مساهمته الأولى ) فكانت محدودة جدا، ولم تستغرق منه سوى يومين. كان المسؤول عن تنسيق الأبحاث العلمية المتعلقة بالقنبلة قد طلب في الأول من كانون الأول 1941من آينشتاين المشورة بمسألة نظرية تتعلق بالموضوع. غير ان هذا المنسق وغيره من المسؤولين عن المشروع قد استبعدوا آينشتاين عن أي عمل له صلة بالقنبلة. ويعود هذا الموقف الى أسباب أمنية بحتة. لقد سبق ان طلب المسؤولون عن المشروع تزكية أمنية لما يقرب من 30 عالم، وكان من بينهم ألبيرت آينشتاين. قامت المخابرات العسكرية بدورها بالطلب من مكتب التحقيقات الفدرالي (م.ت.ف. ) تقريرا مفصلا عن آينشتاين. لم تكن لدى المكتب الكثير من التفاصيل عن العالم في ذلك الوقت، لذا لجأ الى تقرير قديم، كانت منظمة يمينية قد أعدته عن آينشتاين. أرفق مكتب التحريات هذا التقرير وأرفقه بعدد من النقاط الأخرى، التي كانت في معظمها مزيفة أو من أنصاف الحقائق، وأرسلها الى المخابرات العسكرية، مع توصيته النهائية :
" على ضوء الخلفية الراديكالية فان هذا المكتب لا يرشح د. البيرت آينشتاين للعمل في أية مواضيع ذات طبيعة سرية، بدون القيام بتحريات دقيقة. كما يبدو ان رجل بمثل هذه الخلفية لا يستطيع ان يصبح مواطن أمريكي مخلص خلال مثل هذه الفترة الزمنية القصيرة ".
وبناء على هذه التوصية رفضت المخابرات العسكرية منح آينشتاين تزكيتها للعمل في المشروع، الذي كانت رسالته السبب في وجوده أصلا...على العكس من المخابرات العسكرية، كان موقف القوة البحرية أكثر انفتاحا تجاه آينشتاين. في عام 1942 عرضت القوات البحرية عليه ان يعمل كمستشار علمي في موضوع يتعلق بتصنيع مواد شديدة الانفجا، فوافق على العرض بدون تردد، لا بل يذكر من التقى به انه كان مسرور جدا لهذا التعاون. وقد نشرت صورته في بعض الصحف، مع بعض رجال البحرية. على أثر نشر المعلومات عن تعاون القواة البحرية مع آينشتاين اتصل به أحد المسؤولين على برنامج مانهاتن أن يشارك في المشروع. هل أراد آينشتاين غاضبا من الموقف السلبي الذي اتخذ ضده في السابق، أم انه بالفعل لا يرغب في المساهمة لأسباب علمية ؟ أي كان السبب لكن آينشتاين رفض العرض الجديد بدون تردد.
لماذا منع أشهر عالم في ذلك الوقت من العمل في أهم مشروع علمي قدر للبشرية ان تجابهه؟ فسر بعض من كتب حول الموضوع ان آينشتاين لا يمتلك خبرة في مجال الدراسات التكنولوجية، في حين أن تصنيع القنبلة كان بحاجة الى خبراء كبار في هذا المجال، و ان نظريات آينشتاين لم تعد ضرورية في دراسات الذرة. إضافة الى ان طبيعة آينشتاين كانت تنزع الى العمل الفردي، في حين ان مشروع القنبلة كان يتطلب بالدرجة الرئيسة، عمل جماعي لمجموعة كبيرة جدا من العلماء والمهندسين. لم تقنع هذه الفكرة الكثيرين. وأشار البعض الى ان السبب في الوقوف ضد مشاركة آينشتاين في المشروع هي مواقفه السياسية في ألمانيا وفي الولايات المتحدة على حد سواء، وخاصة مواقفه اليسارية الصريحة. غير ان عدد كبير من العلماء الذين ساهموا في المشروع كانوا قد قدموا من خلف المحيط، ومن معسكر اليسار بالتحديد.
مهما كان الأمر، فان الواقع يقول ان " أب القنبلة الذرية " لم يشترك في صناعة القنبلة، وان دوره انحصر في تلك الرسالة المشهورة، وتلك المشورة فقط. لكن هذا لا يعني انه ابتعد كليا عن الموضوع. قبل أن تصنع القنبلة، وقبل ان تضع الحرب أوزارها أخذ ينظر الى المستقبل والمشاكل الكبيرة والخطيرة التي سوف تجابه البشرية. وقد بعث برسالة الى الفيزيائي الشهير نيل بور في الأول من كانون الأول 1944 : " يدعوه الى العمل من أجل حث العلماء الكبار من مختلف الدول – وبضمنها روسيا – لتدويل القدرات العسكرية. ودعا آينشتاين الى حماية المستقبل من المخاطر التي تهدده. وكتب يقول : " بعد ان تنتهي هذه الحرب سوف تبدأ التهيئة والاستعداد لحرب جديدة في جميع البلدان، وسيكون ذلك بوسائل تكنولوجية مدمرة، وستؤدي لا محالة الى تدمير كل شيء".
في 12/4/1945 توفي الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت. وخلفه في رئاسة البيت الأبيض الرئيس ترومان. بعد أقل من شهر أعلنت ألمانيا استسلامها. لكن الحرب في الشرق الأقصى كانت متواصلة مع اليابان. في حزيران قامت مجموعة من العلماء من جامعة شيكاغو، من العاملين في برنامج مانهاتن، وفي مقدمتهم كل من سيلاهرد( الذي لعب أكبر دور في الوصول الى القنبلة ) ، والحائز على جائزة نوبل جيمس فرانك بتقديم مذكرة الى وزارة الحرب، تحذر من ان استخدام القنبلة ضد اليابان سوف يعرض للشبهة أخلاقية أمريكا. وقد ذكر آينشتاين فيما بعد ان تقرير فرانك كان يقترح إسقاط القنبلة على منطقة مهجورة لاقناع اليابانيين بالاستسلام بدون الحاجة الى استخدام السلاح النووي. أكثر من 150 عالم من العاملين في برنامج مانهاتن انظموا الى هذا الموقف. ولكن موقف العلماء لم يستطع ان يزيح الساسة عن مواقفهم. كان الرئيس روزفلت قد ودع البيت الأبيض، وخلفه الرئيس ترومان. في الساعة الخامسة صباحا من يوم 16 تموز 1945 ارتفعت في صحراء نيومكسيكو الأمريكية سحابة
في الساعة الثامنة وخمسة عشر دقيقة من السادس من آب 1945 ، أي أقل من أسبوعين من كتابة تلك اليوميات قامت مقنبلة أمريكية بإسقاط قنبلة ذرية على هيروميشا، وبدون تحذير مسبق. في الساعة الثامنة وستة عشر دقيقة كان 66000 من سكان هيروشيما قد لقوا حتفهم. وقد وصل عدد الضحايا الى نحو 100 ألف من المواطنين من مختلف الأعمار. 100 ألف آخرين سوف يقضون نحبهم بسبب تأثير الإشعاع النووي......
يقال ان آينشتاين لم يعلق على خبر تفجير القنبلة في هيروشيما، إلا بعد مرور سنة على الحادث. ويقال أيضا انه لم يكن يعلم بنجاح تصنيع القنبلة إلا بعد أن سمع بخبر تفجيرها من الراديو. ويقال أيضا ان أول ملاحظة قالها معلقا على الخبر... حسنا سننقل ما قاله حسب ما ورد في ملف آينشتاين السري الذي أعده مكتب التحقيقات الفدرالي: " البروفيسور ألبيرت آينشتاين... قال اليوم بانه متأكد بان الرئيس روزفلت كان سيحظر ضرب هيروشيما بالقنبلة الذرية، لو كان ما يزال حيا...". ونقل عنه أيضا : " كان علي ان أحرق أصابع يدي، قبل أن أكتب رسالتي الأولى الى الرئيس روزفلت ". وفي تصريح لاحق أكد : " لقد شجبت دائما استخدام القنبلة ضد اليابان ...".
لم يكن العلماء الذين صنعوا القنبلة، ومن ثم ندموا على ما فعلت عقولهم، وحدهم من عارض استخدام القنبلة في الحرب، بل كان هناك عدد من القادة العسكريين، الذين شاركوا العلماء هذا الموقف. وفي مقدمة هؤلاء كان الجنرال ايزنهور. لقد كان هؤلاء الضباط يرون ان استسلام اليابان أصبح نجرد مسألة وقت، وليس هناك أي مبررات عسكرية لاستخدام القنبلة الذرية.
عدد غير قليل من العلماء الذين ساهموا في بناء القنبلة انتابهم القلق مما حدث ومما سوف يحدث لاحقا. لذا وجدوا بان هناك ضرورة قصوى للتحرك من أجل عمل شيء ما لمواجهة الموقف. هل كان تحرك هؤلاء بدافع الشعور بالذنب، أو بالنظر للمخاطر التي بدأت تتجسد أمامهم، أو ربما بدافع هذا وذاك دعوا الى تشكيل هيئة طوارئ من العلماء المناهضين للسلاح الذري لتنشط عبر كل أمريكا. بعد بضعة أشهر على مأساة هيروشيما قام عدد من العلماء من جامعة شيكاغو، ومن الذين عملوا في مشروع مانهاتن بتشكيل فدرالية علماء الذرة. وخلال أقل من عام ساعدت الفدرالية الجديدة على تشكيل هيئتين جديدتين : اللجنة الوطنية في المعلومات الذرية، والتي كانت تمثل لخمسين اتحاد، وكنائس وعدد من المنظمات المدنية ؛ و جمعية العلماء للتربية الذرية.، والتي كانت تقوم بارسال العلماء الى الاجتماعات التي تعقد في مختلف الولايات للتحدث عن المخاطر الناجمة عن استخدام الأسلحة الذرية.
في شهر آيار طلب سيلاهرد وزميل آخر من آينشتاين ان يترأس الهيئة التي أسست حديثا " اللجنة الطارئة لعلماء الذرة ". جميع أعضاء الهيئة، باستثناء آينشتاين شاركوا في بناء القنبلة، وأعلنت اللجنة انها تتحرك بدافع الضرورة القومية الملحة وبدافع ضميرهم الجماعي.. وحددت هدفها الرئيسي في استنهاض الأمريكيين من أجل أن يفهموا حجم الأزمة التي تجابههم، والتي لم يسبق لها مثيل، على المستوى الوطني والدولي.
في نهاية عام 1946 بدأ آينشتاين يتحرك في اتجاهات مختلفة، مدفوعا بهاجس السباق الدولي من أجل الحصول على السلاح الذري. وأعلن في أحد الاجتماعات : " ان عالمنا المعاصر يواجه أزمة، ما زال أولئك الذين يمتلكون القدرة على القيام بالخيار الكبير بين الخير والشر، لا يستطيعون إدراكها. ان إطلاق العنان لطاقة الذرة قد غير كل شيء، باستثناء أسلوب تفكيرنا، ولهذا ترانا ننجرف نحو كارثة فريدة من نوعها ".
وفي كلمة له في اجتماع للجنة الطارئة لعلماء الذرة، عقد في تشرين ثاني 1946، أعلن آينشتاين ان المهمة الأولى يجب ان تنصب على " ان نوصل قناعتنا الى الآخرين، بان الحرب يجب تمنع مهما كانت التكاليف.. وقد خرج المؤتمر باستنتاجات في غاية الأهمية، كان في مقدماتها: لا توجد وسائل عسكرية دفاعية ضد القنبلة الذرية، ومن غير المتوقع التوصل الى مثل هذه الوسائل، باستطاعة الدول الأخرى التوصل الى القنبلة، الاستعداد لمقاومة القنابل الذرية أمر عبثي، ولا جدوى منه، لو نشبت الحرب سوف تستخدم القنابل الذرية، وهي بكل تأكيد ستقضي على حضارتنا؛ لا حل لهذه المشكلة إلا من خلال الرقابة الدولية على الطاقة الذرية، والعمل على التخلص نهائيا من الحرب....
في عام 1947 قام آينشتاين بمحاولة باتجاه آخر. قام بمحاولة للقاء بوزير الدفاع جورج مارشل على أمل إقناعه بان حكومة عالمية بقوات عسكرية هي الوحيدة القادرة على تجنب كارثة الحرب الذرية. ...
كان آينشتاين يرى ان القنبلة الذرية تمثل تغيير كمي في التسلح، أكثر من كونه تغيير نوعي. وقد شرح فكرته على النحو التالي : " اختراع القنبلة الذرية لم يخلق مشكلة جديدة. كل ما استحدثته هو انها جعلت من قضية حل المشكلة القائمة أكثر إلحاحا. يستطيع المرء القول بانها أثرت فينا كميا وليس نوعيا... ما دامت هناك هيمنة للدولة التي تمثل القوة العظمى، فان الحرب محتومة. كان هذا حقيقة قبل ان تصنع القنبلة. كل ما تغير هي القوة التدميرية للحرب...".
قبل أيام من وفاته وصلته مسودة بيان مرسلة من عالم الرياضيات والفيلسوف البريطاني برتراند راسل، يدعوه الى التوقيع على البيان، في حالة موافقته على المحتوى. صدر البيان بعد وفاة آينشتاين، وكان موقعا من قبل تسعة علماء آخرين، إضافة الى كل من آينشتاين وراسل. وقد عرف البيان فيما بعد " بيان آينشتاين – راسل ".. وقد كان هذا البيان البداية لانطلاق حركة جديدة ، لتنظم الى الحركات المختلفة التي تناضل من أجل السلم والأمن في العالم. وتعرف هذه الحركة التي انطلقت في عام 1957 باسم " مؤتمر باكاش " ، غير ان هذا موضوع لحديث آخر، قد تسنح لنا الفرصة لمتابعته...
كان أصغر العلماء التسعة الذين وقعوا على البيان، هو العالم الفيزيائي جوزيف روتبلات ( عالم بولوني غادر بلاده قبل احتلالها من قبل هتلر واستقر في بريطانيا )، الحائز على جائزة نوبل من أجل السلام في 1995 . وقد ترأس مؤتمر باكاش لفترة طويلة، وتوفي قبل بضعة أشهر عن عمر 96 سنة. وهو العالم الوحيد من بين جميع العلماء الذين عملوا في مشروع تصنيع القنبلة الذرية، الذي انسحب من المشروع بعد ان تأكد بان ألمانيا لم تعد قادرة على صناعة القنبلة، وشعر ان مواصلته للعمل في المشروع أصبح غير مبرر من الناحية الأخلاقية. وقبل وفاته ترك لنا في عام 2005 بعض من ذكرياته عن آينشتاين، أقتطع منها الكلمات التالية :
" جعلنا آينشتاين نفكر في كل شيء – لا شيء هو المطلق؛ كل شيء هو النسبي. لقد كان عالم، ولكنه واقعي واع بشأن كل ما كان يحدث في العالم.... وأنا لا أعتبره عالم عظيم فحسب، بل وإنسان عظيم أيضا. ..
كان آينشتاين عملاقا بين الرجال، بقي طيلة حياته يحارب ببسالة لا نظير لها من أجل السلام... ان رسالة آينشتاين للإنسانية ما زالت مناسبة في يومنا، كما كانت خلال حياته......".
ما دامت رسالة هذا المناضل العنيد من أجل السلم والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، مازالت مناسبة لنا وللإنسانية أجمع، حري بنا أن نقرأ آخر سطرين منها، لأن ما يتضمناه من معنى ينبغي ان يبقى يشكل ناقوس خطر لا يهدأ ما دام على وجه هذه المعمورة كابوس أسود اسمه السلاح النووي. حين سألوه عن نوع السلاح الذي سوف يستخدم في الحرب العالمية القادمة، أجاب :
" بصراحة لا أستطيع أن احدد نوعية الأسلحة التي سوف تستخدم في الحرب العالمية الثالثة. لكني متأكد بأن سلاح الحرب العالمية الرابعة ستكون العصي والحجارة "......