سمو الأحساس
2010-12-18, 07:12 PM
الملك عبدالعزيز
ولد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بالرياض في شهر ذي الحجة عام 1293ه ونشأة نشأ صالحة على يد والده الإمام عبدالرحمن وحرص خلال حكمه على مناصرة العقيدة وتطبيق الشريعة الإسلامية، وقد وهبه الله من الحكمة والتدين والذكاء والفطنة ما ساعده على تحقيق نجاحات كثيرة، من أبرزها توحيد البلاد ونشر الأمن والاستقرار في أرجاء المملكة، وحقق أهدافه السامية المتمثلة في التمسك بالعقيدة وتطبيق الشريعة الإسلامية والدفاع عنها وتأسيس مجتمع موحد يسوده الاستقرار والرخاء، وبدأ في مشروع البناء الحضاري لدولة قوية الأركان استطاعت أن تنشر الأمن في أنحائها المترامية الأطراف وامتلأت القلوب إيماناً ومحبة وتلاحماً في مسيرة تاريخية ونهضة زاهرة .
وعرف عن الملك عبدالعزيز من الصفات إيمانه بالله وعفوه عند المقدرة ونشر العلم والمعرفة ولقد كتب كثير من الكتاب والمؤرخين والمفكرين سيرته وتاريخه وإنجازاته. ولن أتحدث هنا عن تلك الإنجازات ولكني سأذكر بعض المواقف من حياة المؤسس .
وكانت مجالسه تضم فئات متعددة من الناس من مختلف الثقافات والطبقات مما أعطى لمجلسه مكانة مرموقة متميزة، وكان يعقد بشكل يومي ولذا فهو يزخر بالمواقف التي يحفظها الرواة وما زالت قصصها جميلة يتحدث بها الناس في مجالسهم في أيامنا هذه .
ريِّض يا عبدالعزيز
وما أكثر ما نجهله عن الملك عبدالعزيز وإنسانيته وخلقه وعفوه عند المقدرة ومن تلك المواقف: موقف إنساني له خلال زيارته للمجمعة 1347ه بعد معركة (السبلة) فقد أتى إلى المجمعة وأقام فيها عدة أيام يستقبل النادمين والمذنبين استقبال لأب لأبنائه يعفو ويتسامح، وحينما مشى الملك عبدالعزيز من المجمعة إلى شقراء لحقه أحد الأعراب وكان رجلاً قصيراً وأعرج وصاح: يا عبدالعزيز "ريَّض" فوقف له وهو على ظهر مطيته وقال: من هذا الذي يصيح؟ قالوا: رجل أعرج، فشد بخطام مطيته وأوقفها والناس حوله بالآلاف فقال له: ماذا لديك؟ فقال: ياعبد العزيز ما عرفناك هكذا نحن الضعفاء، كيف تخاطبني من فوق ظهر جملك وأنا فقير تحتك؟! أعوذ بالله أن تصاب بالغرور بعد هذا النصر الذي حصل لك في "السبلة". فقال له: من أي القوم أنت ؟ فقال: من القوم الذين قاتلوك بالأمس ولكن تواضع.
فأناخ الملك عبدالعزيز مطيته ونزل إلى الأرض وقال أمرت بخير، ما اسمك؟ قال: مطلق بن صحن المطيري، قال: ماذا تريد مني يا مطلق؟ قال: العدل والإنصاف، فقد مررت بحمى لأمير الدوادمي محتكره لنفسه ولإبله فتركت مطيتي ترعى في حماه إلى أن أتغدى فأتى إليها رجاله وأخذوها ووسموها أمام عيني. فطلب الملك عبدالعزيز ورقة وكتب بيده والناس ترى المشهد: "من عبدالعزيز إلى أمير الدوادمي، اردد على مطلق ناقته وأعطه من أجود حلالك مطية له تأديباً لك إن عاد إلي سأضاعف لك التأديب. أرضِه". ثم ركب مطيته ولكن مطلقاً لحقه يصيح فوقف له وقال: أحول من فوق مطيتي أم لا؟ فرفع مطلق يده إلى السماء وأخذ يدعو له ثم قال: الورقة ما فيها ختمك، قال: كتبته بيدي، قال: أريد ختمك على الورقة. فأتوا بحبر وختم فختم الكتاب.
إنها قمة التواضع والرحمة والعدل - رحم الله عبدالعزيز.
وذكر الأستاذ عبدالله الحيدري في كتابه (أطياف شعبية) قصة لطيفة جرت في مجالس الملك عبدالعزيز يرحمه الله. ولنفسح المجال لرواي القصة الأستاذ الحيدري : حيث قال : كل الذين شاهدوا أو اجتمعوا بالملك عبدالعزيز - يرحمه الله - يجمعون على ذكائه وبعد نظره، ويذكرون - أيضاً - الهيبة التي كان يتمتع بها - رحمه الله - مع تواضع جم يتناقله الجميع .
مكتبه كان مفتوحاً لشعبه : الصغير قبل الكبير، وهذه سنة حسنة سار عليها أبناؤه البررة من بعده، وكان يدخل عليه المظلوم والمحتاج وكل من له حاجة أياً كانت، فينظر فيها ويصدر أوامره. دخل عليه أحد القرويين الذي يدخل المدينة لأول مرة ناهيك عن مجالس الملوك التي لم ير أحداً شاهدها! حاجته (ذلول) يستعين بها على السفر والترحال، دخل المجلس فماتت الكلمات على شفيته، حاول أن يجمع ما لديه من كلمات ليطلب بها حاجته ... أرْتِجَ عليه فقال يخاطب جلالة الملك عبدالعزيز: يا طويل الذلول أبي عمر !! يقصد: يا طويل العمر أبي ذلول ! (أبي: أريد).
فضحك الملك وعرف ما يريد فلبى حاجته.
ولقد كان رحمه الله شجاعاً صبوراً وباش الوجه يحب النكتة ويضحك لها إذا جاءت في وقتها ومن أمثلة ذلك ما رواه الزركلي في كتابة "الوجيز في سيرة الملك عبدالعزيز" حيث يقول: سمعته مرة يتندر على بعض الأطباء فيقول: (ثلاثة لا تناقشهم: الغريب والهرم والطبيب. فالأول يحدثك بالعجائب فإذا عارضته قال رأيت ذلك في بعض أسفاري، والثاني يأتيك بما لا يرضاه العقل ويقول كان هذا في أيام صباي، والثالث يسمي لك أمراضاً ليست فيك ويقول قرأت هذا في المدرسة) .
ويروي خير الدين الزركلي قائلاً: "لقيت خبيراً أمريكياً يتهيأ للقيام بعمل رسمي في البلاد السعودية، ورأيت أمامه بضعة كتب أشار إليها وقال لي: كل هذه الكتب عن الملك "ابن سعود" سأقرأها قبل أن أذهب إليه، ومضى بعد حين إلى الرياض وتعددت مقابلاته للملك ثم عاد فمر بالقاهرة - وكنت يومئذ فيها- فسألته عن الملك والكتب فقال: ما قرأته شيء وابن سعود شيء آخر، إنه أعمق مما وصف به" .
وقال لي صديق - وكان وزيراً للخارجية في سورية: أعجب ما رأيت في الملك عبدالعزيز أنني لم أكد أبدأ الحديث معه حتى استوقفني وأجاب على ما قلت وعلى ما كنت مزمعاً أن أقول ..
وعاد شكري القوتلي من أول زيارة قابل بها الملك عبدالعزيز فكان مما وصف به ذاكرة الملك وحضور ذهنه أنه يعد وجهات النظر في الموضوع وهو يتكلم، فيقول مثلاً: أمامنا طريقتان أو ثلاث، بل أربع ..
قال القوتلي: واسترسل مرة فقال: بل سبع بل ثمان ... وأوردها جميعاً واحدة فأخرى يعدها على أصابعه .
ولعل القارئ لم ينس كلمة الرئيس روزفلت، وقد أذاعها البرق بعد مقابلته للملك عبدالعزيز : (لقد فهمت من الملك ابن سعود في عشر دقائق عن قضية فلسطين ما تعذر عليّ فهمه في عشر سنين) وسر القوة في حجة عبدالعزيز أن عقله كان يسبق لسانه، وأنه ينسى العاطفة أمام المنطق ولا يقول إلا ما يعتقد .
(1000) بدلاً عن (100)
ويروي عبدالحميد الخطيب في كتابه "الإمام العادل" قائلاً: يروى عن كرم الملك عبدالعزيز أنه شكا إليه رجل مضايقة الدائنين له وأن عليه مئة جنيه ذهباً وطلب من جلالته المساعدة بسدادها، فأمر أن يحقق في ذلك فثبت أنه مئة جنيه فكتب بخطه على الطلب بإعطائه مئة جنيه ولكنه تغلب عليه الكرم فكتب ثلاثة أصفار بدلاً من صفرين "يعني ألف جنيه" ولما وصل الأمر إلى مدير المالية لاحظ ذلك الغلط فذهب إلى جلالته لتصحيح الغلط فما كان من جلالته إلا أن قال: (ليس القلم أكرم مني، اصرفوا له ما قسمه الله له) فأعطي الرجل ألف جنيه فأخذها وانصرف داعياً .
ويروي الزركلي أنه لما ذهب إلى الكويت في إحدى زياراته مما يدل على وفائه سمع أن معلما له كان يقرأ عليه القرآن في أيام طفولته موجوداً بها فاستدعاه ولاطفه ومنحه مبلغا من المال. ومما يروى عنه أنه قام بزيارة مفاجئة لمدرسة أنجال جلالته في الرياض ودخل إحدى الغرف التي يدرسون بها فاجتمع حول التلاميذ ولاحظ في ثوب احدهم بقعة كبيرة من الحبر يحاول إخفاءها عن نظر أبيه فقال له: (لا تخفها، هذا عطر المتعلمين).
ويروي الشيخ عبداللطيف بن حمد بن عتيق (1350ه) من العلماء الذين عاصروا الملك عبدالعزيز وحصل له مع جلالته الملك موقف في غاية الطرافة، خلاصته أن الملك عبدالعزيز طلب منه توليه قضاء وادي الدواسر لأنه من اهل تلك المناطق وهو أدرى من غيره بالبلد، فما كان من الشيخ عبداللطيف إلا أن توارى مؤقتا عن عيني الملك عبدالعزيز واقام مع اهالي البادية فترة حتى لا يلزمه الملك عبدالعزيز بتولي القضاء، وبالفعل حصل له ما اراد فلم يوله الملك القضاء في تلك المنطقة، وبعد فترة عاد الشيخ عبداللطيف إلى مدينة الرياض وزار أخاه القاضي المعروف سعد بن عتيق (1349ه) فقال له الشيخ سعد : نذهب الآن نسلم على الامام، (الملك عبدالعزيز) والطريف أنه وافق لحظات دخولهم عليه أن الملك عبدالعزيز أبلغ في تلك الساعة بوفاة قاضي بلدة رانية فكلفه الملك عبدالعزيز بالقضاء فما كان منه إلا القبول وتسلم القضاء بعد ان حاول الفرار منه.
ويروي الشيخ حمد الحقيل في كتابه "عبدالعزيز في التاريخ" أن بعض الشعراء الشعبيين من اهالي المجمعة كانت له حاجة عند الملك عبدالعزيز وهي عبارة عن إثبات اسمه في الديوان وإجراء عادة سنوية له وكانت مراجعاته في اوقات غير مناسبة فيقول له الملك عبدالعزيز "هيِّن هيِّن"، (أي إصبر إلى فرصة أخرى) فلما سئم من المراجعة حضر يوما بباب الملك عبدالعزيز ورفع صوته بهذا البيت الذي جعله كوسيلة لنجاح مهمته قائلا:
يامن يعلمني بتاريخ هيِّن
إلى قيل هيِّن كم أخليه من يوم
فكانت بمسمع من الملك عبدالعزيز وعندها أمر بإحضار كاتب وكتب للجهة المختصة بإثبات اسمه في الديوان وإجراء عادة سنوية له.
وكان هناك شاعر من أهل المجمعة هو الاستاذ محمد بن مقحم - رحمه الله - سافر إلى الرياض ليثبت اسمه مع اهل العوايد والوافدين على قصر الملك فلم يوفق هذا الشاعر لدى ابن جميعة المسئول عن ذلك فما كان منه إلا أن وقف للملك في طريقه وهو ذاهب إلى قصر المربع فأنشد قائلا:
يا بو تركي لا تنساني
ابن جميعة تناساني
لي عشرين ولي بتية
ووليدي سبعة بيضاني
اجعلها منك إلاهية
عند الله وارحم بزراني
ان بغيتو لي مارية
ابحث في الدفتر تلقاني
فما كان من الملك عبدالعزيز إلا أن عطف عليه وقال له: قلت لي تسعين لكان أولى وأمر أن يعطى له تسعون ولولده عشرون وعباءة. وقوله سبعة بيضان أي سبعة ريالات فضة..
وما أكثر المواقف والقصص في هذا المجال...
وجملة القول فإن المواقف كثيرة ومتنوعة لا يسمح المقام بذكرها جميعاً، حيث كانت مجالسه حافلة بالمواقف العظيمة والمؤثرة مما يسترعي الاهتمام والانتباه ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق كما يقول المثل وبالله التوفيق .
ولد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بالرياض في شهر ذي الحجة عام 1293ه ونشأة نشأ صالحة على يد والده الإمام عبدالرحمن وحرص خلال حكمه على مناصرة العقيدة وتطبيق الشريعة الإسلامية، وقد وهبه الله من الحكمة والتدين والذكاء والفطنة ما ساعده على تحقيق نجاحات كثيرة، من أبرزها توحيد البلاد ونشر الأمن والاستقرار في أرجاء المملكة، وحقق أهدافه السامية المتمثلة في التمسك بالعقيدة وتطبيق الشريعة الإسلامية والدفاع عنها وتأسيس مجتمع موحد يسوده الاستقرار والرخاء، وبدأ في مشروع البناء الحضاري لدولة قوية الأركان استطاعت أن تنشر الأمن في أنحائها المترامية الأطراف وامتلأت القلوب إيماناً ومحبة وتلاحماً في مسيرة تاريخية ونهضة زاهرة .
وعرف عن الملك عبدالعزيز من الصفات إيمانه بالله وعفوه عند المقدرة ونشر العلم والمعرفة ولقد كتب كثير من الكتاب والمؤرخين والمفكرين سيرته وتاريخه وإنجازاته. ولن أتحدث هنا عن تلك الإنجازات ولكني سأذكر بعض المواقف من حياة المؤسس .
وكانت مجالسه تضم فئات متعددة من الناس من مختلف الثقافات والطبقات مما أعطى لمجلسه مكانة مرموقة متميزة، وكان يعقد بشكل يومي ولذا فهو يزخر بالمواقف التي يحفظها الرواة وما زالت قصصها جميلة يتحدث بها الناس في مجالسهم في أيامنا هذه .
ريِّض يا عبدالعزيز
وما أكثر ما نجهله عن الملك عبدالعزيز وإنسانيته وخلقه وعفوه عند المقدرة ومن تلك المواقف: موقف إنساني له خلال زيارته للمجمعة 1347ه بعد معركة (السبلة) فقد أتى إلى المجمعة وأقام فيها عدة أيام يستقبل النادمين والمذنبين استقبال لأب لأبنائه يعفو ويتسامح، وحينما مشى الملك عبدالعزيز من المجمعة إلى شقراء لحقه أحد الأعراب وكان رجلاً قصيراً وأعرج وصاح: يا عبدالعزيز "ريَّض" فوقف له وهو على ظهر مطيته وقال: من هذا الذي يصيح؟ قالوا: رجل أعرج، فشد بخطام مطيته وأوقفها والناس حوله بالآلاف فقال له: ماذا لديك؟ فقال: ياعبد العزيز ما عرفناك هكذا نحن الضعفاء، كيف تخاطبني من فوق ظهر جملك وأنا فقير تحتك؟! أعوذ بالله أن تصاب بالغرور بعد هذا النصر الذي حصل لك في "السبلة". فقال له: من أي القوم أنت ؟ فقال: من القوم الذين قاتلوك بالأمس ولكن تواضع.
فأناخ الملك عبدالعزيز مطيته ونزل إلى الأرض وقال أمرت بخير، ما اسمك؟ قال: مطلق بن صحن المطيري، قال: ماذا تريد مني يا مطلق؟ قال: العدل والإنصاف، فقد مررت بحمى لأمير الدوادمي محتكره لنفسه ولإبله فتركت مطيتي ترعى في حماه إلى أن أتغدى فأتى إليها رجاله وأخذوها ووسموها أمام عيني. فطلب الملك عبدالعزيز ورقة وكتب بيده والناس ترى المشهد: "من عبدالعزيز إلى أمير الدوادمي، اردد على مطلق ناقته وأعطه من أجود حلالك مطية له تأديباً لك إن عاد إلي سأضاعف لك التأديب. أرضِه". ثم ركب مطيته ولكن مطلقاً لحقه يصيح فوقف له وقال: أحول من فوق مطيتي أم لا؟ فرفع مطلق يده إلى السماء وأخذ يدعو له ثم قال: الورقة ما فيها ختمك، قال: كتبته بيدي، قال: أريد ختمك على الورقة. فأتوا بحبر وختم فختم الكتاب.
إنها قمة التواضع والرحمة والعدل - رحم الله عبدالعزيز.
وذكر الأستاذ عبدالله الحيدري في كتابه (أطياف شعبية) قصة لطيفة جرت في مجالس الملك عبدالعزيز يرحمه الله. ولنفسح المجال لرواي القصة الأستاذ الحيدري : حيث قال : كل الذين شاهدوا أو اجتمعوا بالملك عبدالعزيز - يرحمه الله - يجمعون على ذكائه وبعد نظره، ويذكرون - أيضاً - الهيبة التي كان يتمتع بها - رحمه الله - مع تواضع جم يتناقله الجميع .
مكتبه كان مفتوحاً لشعبه : الصغير قبل الكبير، وهذه سنة حسنة سار عليها أبناؤه البررة من بعده، وكان يدخل عليه المظلوم والمحتاج وكل من له حاجة أياً كانت، فينظر فيها ويصدر أوامره. دخل عليه أحد القرويين الذي يدخل المدينة لأول مرة ناهيك عن مجالس الملوك التي لم ير أحداً شاهدها! حاجته (ذلول) يستعين بها على السفر والترحال، دخل المجلس فماتت الكلمات على شفيته، حاول أن يجمع ما لديه من كلمات ليطلب بها حاجته ... أرْتِجَ عليه فقال يخاطب جلالة الملك عبدالعزيز: يا طويل الذلول أبي عمر !! يقصد: يا طويل العمر أبي ذلول ! (أبي: أريد).
فضحك الملك وعرف ما يريد فلبى حاجته.
ولقد كان رحمه الله شجاعاً صبوراً وباش الوجه يحب النكتة ويضحك لها إذا جاءت في وقتها ومن أمثلة ذلك ما رواه الزركلي في كتابة "الوجيز في سيرة الملك عبدالعزيز" حيث يقول: سمعته مرة يتندر على بعض الأطباء فيقول: (ثلاثة لا تناقشهم: الغريب والهرم والطبيب. فالأول يحدثك بالعجائب فإذا عارضته قال رأيت ذلك في بعض أسفاري، والثاني يأتيك بما لا يرضاه العقل ويقول كان هذا في أيام صباي، والثالث يسمي لك أمراضاً ليست فيك ويقول قرأت هذا في المدرسة) .
ويروي خير الدين الزركلي قائلاً: "لقيت خبيراً أمريكياً يتهيأ للقيام بعمل رسمي في البلاد السعودية، ورأيت أمامه بضعة كتب أشار إليها وقال لي: كل هذه الكتب عن الملك "ابن سعود" سأقرأها قبل أن أذهب إليه، ومضى بعد حين إلى الرياض وتعددت مقابلاته للملك ثم عاد فمر بالقاهرة - وكنت يومئذ فيها- فسألته عن الملك والكتب فقال: ما قرأته شيء وابن سعود شيء آخر، إنه أعمق مما وصف به" .
وقال لي صديق - وكان وزيراً للخارجية في سورية: أعجب ما رأيت في الملك عبدالعزيز أنني لم أكد أبدأ الحديث معه حتى استوقفني وأجاب على ما قلت وعلى ما كنت مزمعاً أن أقول ..
وعاد شكري القوتلي من أول زيارة قابل بها الملك عبدالعزيز فكان مما وصف به ذاكرة الملك وحضور ذهنه أنه يعد وجهات النظر في الموضوع وهو يتكلم، فيقول مثلاً: أمامنا طريقتان أو ثلاث، بل أربع ..
قال القوتلي: واسترسل مرة فقال: بل سبع بل ثمان ... وأوردها جميعاً واحدة فأخرى يعدها على أصابعه .
ولعل القارئ لم ينس كلمة الرئيس روزفلت، وقد أذاعها البرق بعد مقابلته للملك عبدالعزيز : (لقد فهمت من الملك ابن سعود في عشر دقائق عن قضية فلسطين ما تعذر عليّ فهمه في عشر سنين) وسر القوة في حجة عبدالعزيز أن عقله كان يسبق لسانه، وأنه ينسى العاطفة أمام المنطق ولا يقول إلا ما يعتقد .
(1000) بدلاً عن (100)
ويروي عبدالحميد الخطيب في كتابه "الإمام العادل" قائلاً: يروى عن كرم الملك عبدالعزيز أنه شكا إليه رجل مضايقة الدائنين له وأن عليه مئة جنيه ذهباً وطلب من جلالته المساعدة بسدادها، فأمر أن يحقق في ذلك فثبت أنه مئة جنيه فكتب بخطه على الطلب بإعطائه مئة جنيه ولكنه تغلب عليه الكرم فكتب ثلاثة أصفار بدلاً من صفرين "يعني ألف جنيه" ولما وصل الأمر إلى مدير المالية لاحظ ذلك الغلط فذهب إلى جلالته لتصحيح الغلط فما كان من جلالته إلا أن قال: (ليس القلم أكرم مني، اصرفوا له ما قسمه الله له) فأعطي الرجل ألف جنيه فأخذها وانصرف داعياً .
ويروي الزركلي أنه لما ذهب إلى الكويت في إحدى زياراته مما يدل على وفائه سمع أن معلما له كان يقرأ عليه القرآن في أيام طفولته موجوداً بها فاستدعاه ولاطفه ومنحه مبلغا من المال. ومما يروى عنه أنه قام بزيارة مفاجئة لمدرسة أنجال جلالته في الرياض ودخل إحدى الغرف التي يدرسون بها فاجتمع حول التلاميذ ولاحظ في ثوب احدهم بقعة كبيرة من الحبر يحاول إخفاءها عن نظر أبيه فقال له: (لا تخفها، هذا عطر المتعلمين).
ويروي الشيخ عبداللطيف بن حمد بن عتيق (1350ه) من العلماء الذين عاصروا الملك عبدالعزيز وحصل له مع جلالته الملك موقف في غاية الطرافة، خلاصته أن الملك عبدالعزيز طلب منه توليه قضاء وادي الدواسر لأنه من اهل تلك المناطق وهو أدرى من غيره بالبلد، فما كان من الشيخ عبداللطيف إلا أن توارى مؤقتا عن عيني الملك عبدالعزيز واقام مع اهالي البادية فترة حتى لا يلزمه الملك عبدالعزيز بتولي القضاء، وبالفعل حصل له ما اراد فلم يوله الملك القضاء في تلك المنطقة، وبعد فترة عاد الشيخ عبداللطيف إلى مدينة الرياض وزار أخاه القاضي المعروف سعد بن عتيق (1349ه) فقال له الشيخ سعد : نذهب الآن نسلم على الامام، (الملك عبدالعزيز) والطريف أنه وافق لحظات دخولهم عليه أن الملك عبدالعزيز أبلغ في تلك الساعة بوفاة قاضي بلدة رانية فكلفه الملك عبدالعزيز بالقضاء فما كان منه إلا القبول وتسلم القضاء بعد ان حاول الفرار منه.
ويروي الشيخ حمد الحقيل في كتابه "عبدالعزيز في التاريخ" أن بعض الشعراء الشعبيين من اهالي المجمعة كانت له حاجة عند الملك عبدالعزيز وهي عبارة عن إثبات اسمه في الديوان وإجراء عادة سنوية له وكانت مراجعاته في اوقات غير مناسبة فيقول له الملك عبدالعزيز "هيِّن هيِّن"، (أي إصبر إلى فرصة أخرى) فلما سئم من المراجعة حضر يوما بباب الملك عبدالعزيز ورفع صوته بهذا البيت الذي جعله كوسيلة لنجاح مهمته قائلا:
يامن يعلمني بتاريخ هيِّن
إلى قيل هيِّن كم أخليه من يوم
فكانت بمسمع من الملك عبدالعزيز وعندها أمر بإحضار كاتب وكتب للجهة المختصة بإثبات اسمه في الديوان وإجراء عادة سنوية له.
وكان هناك شاعر من أهل المجمعة هو الاستاذ محمد بن مقحم - رحمه الله - سافر إلى الرياض ليثبت اسمه مع اهل العوايد والوافدين على قصر الملك فلم يوفق هذا الشاعر لدى ابن جميعة المسئول عن ذلك فما كان منه إلا أن وقف للملك في طريقه وهو ذاهب إلى قصر المربع فأنشد قائلا:
يا بو تركي لا تنساني
ابن جميعة تناساني
لي عشرين ولي بتية
ووليدي سبعة بيضاني
اجعلها منك إلاهية
عند الله وارحم بزراني
ان بغيتو لي مارية
ابحث في الدفتر تلقاني
فما كان من الملك عبدالعزيز إلا أن عطف عليه وقال له: قلت لي تسعين لكان أولى وأمر أن يعطى له تسعون ولولده عشرون وعباءة. وقوله سبعة بيضان أي سبعة ريالات فضة..
وما أكثر المواقف والقصص في هذا المجال...
وجملة القول فإن المواقف كثيرة ومتنوعة لا يسمح المقام بذكرها جميعاً، حيث كانت مجالسه حافلة بالمواقف العظيمة والمؤثرة مما يسترعي الاهتمام والانتباه ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق كما يقول المثل وبالله التوفيق .