أثر العدول عن الخِطبة [الأرشيف] - شبـــكة تـيـفـا نت

المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أثر العدول عن الخِطبة


عيون الحب
2010-01-15, 01:45 AM
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلامُ على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا ومولانا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه، وأحبابه وأتباعه، صلاةً وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد أولى الإسلام الزواجَ أهميةً خاصة في تشريعاته، واعتبر عقد الزواج واحدًا من أخطر العقود، إن لم يكن أخطرَها؛ لأنه الطريق المستقيم الموصل إلى استحلال ما كان حرامًا قبله.
لذلك نجد أن الفقهاء يسيرون ضمن حدود لا يبرحون أرضها ولا يجاوزونها ألا وهي: "الأصلُ في الأبضاع الحرمة، ويُحتاط فيها ما لا يحتاط في الأموال".
وما ذاك إلا لتحقيق مقصدٍ مهمٍ من مقاصد الشريعة الغراء هو حفظ النسب.
ولا يخفى أن الأصل في عقد الزواج التأبيدُ، وهذا رافدٌ آخر يؤكد خطورة هذا العقد؛ لأن على الإنسان أن يتحمل آثار هذا العقد ما أبقى عليه، والأصل أن يبقيَ عليه مدة حياته.
ومن المعلوم أن ثمرة الزواج هي تكوينُ الأسرة، والأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، فاستقرار المجتمع كله متوقف على استقرار الأسر المكونة له، وهذا يؤكد خطورة عقد النكاح.
من أجل كل ما تقدم من بيان لخطورة عقد النكاح شُرعت الخِطبة ُ كمقدمة تسبق هذا العقدَ الخطيرَ كي تترتّبَ على العقدِ آثارُهُ بعد رَوِيَّةٍ ونظرٍ.
وبذلك يتأبد الزواج، ويُحافظُ على كيان الأسرة،ِ ومن ثَمّ يُحافظ على المجتمع كله.
أما إذا لم ينسجم الخاطب مع مخطوبته، فيعدل أحدهما أو كلاهما عن الخِطبة بعد مضي فترة من الزمن، تبادلا فيها الهدايا والهبات، بل ربما قدم الخاطبُ لمخطوبته مبلغًا من المال على حساب المهر لتجهز نفسها بشراء الملابس وغير ذلك، فما مصير هذا المال وتلك الهدايا؟
وقد يثمرُ عدولُ أحد الخاطبين عن الخطبة إلحاقَ الضرر المادي أو المعنوي بالطرف الآخر، فهل للمتضرر تعويض؟
والخلاصة: ما هو الأثر المترتب على العدول عن الخِطبة؟

تعريف الخطبة لغة واصطلاحاً:

يقال: "خطب المرأة إلى القوم: إذا طلب أن يتزوج منهم".
وخطبَ المرأةَ يخطُبُها -بالضم- خَطـْبًا وخِطبَةً، فلا يصح استعمال المصدر الشائع وهو الخطوبة، وجمع الخاطب خُطّاب.
فالخِطبة لغة: هي طلب الرجل المرأة للزواج.
وليس المعنى الشرعي الاصطلاحي للخطبة عن المعنى اللغوي ببعيد.
فالخطبة شرعاً: طلب الرجل الزواج بامرأة معينة تحل له شرعًا.


دليلُ مشروعيةِ الخِطبة:
لقد ثبتت مشروعية الخطبة بالكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة:
أولاً: الدليل من الكتاب العزيز:
قول الحق سبحانه: (ولا جُناحَ عليكم فيما عرّضتم به من خِطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علمَ الله أنكم ستذكرونهنّ ولكن ْلا تواعدوهنّ سرًا إلا أن تقولوا قولاً معروفًا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغَ الكتابُ أجله) البقرة/235.
وجه الدلالة:
جواز خطبة المعتدة من وفاة تعريضًا وتلميحًا، وجواز ذلك بعد انتهاء عدتها تصريحًا بالمفهوم المخالف، وجواز ذلك في غير المحرمات من النساء غير المعتدات بالمفهوم أيضًا.
ثانياً: الدليل من السنة النبوية المطهرة:
أ- عن ابن عُمَرَ -رضى الله عنهما- أنه كان يَقُولُ: نَهَى النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- أنْ يَبِيعَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ).
وجه الدلالة:
إن للخاطب الأول حقًا في المخطوبة، ولا يسقط إلا بإذنه أو بترك الخطبة، وهذا الحق لم يكن ليعتبر لولا مظنة الخطبة التي اعتبرها الشارع ورتب حق الخاطب عليها، وفي هذا دليل على جواز الخطبة واحترام حق الخاطب الأول في خطبته.
ب- فعل النبي الأعظم -صلى الله عليه وسلم-:
فقد خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- نساءه، وفي الحديث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطب أم سلمة.
وجه الدلالة:
خطبة النبي الأعظم -صلى الله عليه وسلم- للسيدة أم سلمة -رضي الله عنها- دليل على جواز الخطبة وبيان لمشروعيتها، ولولا جوازها لما أقدم النبي الأعظم -صلى الله عليه وسلم- على فعلها.

حكمة مشروعية الخِطبة
إن من حكمة الخالق -عزّ و جلّ- أنْ شُرعت الخِطبة قبل عقد الزواج وذلك:
1- لإعطاء أهل المخطوبة الفترة الكافية للسؤال عن الخاطب ومعرفة أحواله، والعكس.
2- لتكوين صورة واضحة عن أخلاق الخاطب ومعرفة شمائله، والعكس.
3- ليتعرف الخاطب عن كثب على شخصية المخطوبة، والعكس.
4- للتنويه على أهمية عقد النكاح؛ لأن في الخطوبة تنويهًا على ذلك، إذ هي المقدمة لإبرام
العقد.
5- للتهيؤ لإجراء الزواج.
6- حتى لا يُقدم آخر على خطبة هذه المرأة التي يرغب بها.

التكييفُ الفقهيّ للخِطبة:
الخطبة وعدٌ بالزواج، وهذا الوعدُ غيرُ ملزم ٍعند جمهور ِالفقهاء.
كما لا نعْدَمُ منْ يقول: إنّ الخطبة ليستْ وعدًا بالزواج، وإنّما هي مجردُ الطلب.
ولكنّ الجميع متفقٌ على أنها ليست عقدًا، ولا تحلّ حرامًا.
ولا يُلتفتُ إلى ما ذكرَه أحدُ المعاصرين منْ أنّ الخطبة "عقدٌ رضائيّ"؛ لأنه قال بعدها: "إنّ أقصى ما تؤديه الخطبة إذا تمّتْ أن تكونَ وعدًا بعقد الزواج". ولعلّ ما ذكره في البداية سهوٌ منه. وإذا تأملنا في الخِطبة نجد أنها تمرّ بمرحلتين:
الأولى: هي مرحلة الطلب، وفيها يطلب الرجل الزواج من فتاة معينة تحلّ له شرعًا.
الثانية: الموافقة الصريحة على طلب الخاطب؛ فتترتب عليها الأحكام الخاصة بالخِطبة.
فمرحلة طلب الرجل الزواج بالمرأة تحمل وعدًا منه بالزواج منها، وإلا ّ فلماذا تقدّم لخِطبتها؟! فإن لم نعتبر هذا الطلبَ وعدًا بالزواج لم يكن للخِطبة معنى أو فائدة.
والمرحلة الثانية كذلك تحملُ وعدًا بتزويج الخاطب، وإلا فما معنى الموافقة على الخطبة؟ ليست هذه الموافقة إلا موافقةً على طلب التزويج في المستقبل، وهذا هو الوعد.
فالراجح أنّ الخِطبة وعدٌ بالزواج؛ أي هي وعد بالعقد وليست عقدًا، فلا تُحِلُّ حرامًا، ولا تُحرِّم حلالاً.
ومن هنا نفهم أن الخطبة وعد بالزواج، ولا ينعقد بها الزواج، وقد نصت المادة (3) من قانون الأحوال الشخصية الأردني على ذلك: "لا ينعقد الزواج بالخطبة، ولا بالوعد، ولا بقراءة الفاتحة، ولا بقبض أي شيء على حساب المهر، ولا بقبول الهدية".

عيون الحب
2010-01-15, 01:48 AM
الآثار المترتبة على العدول عن الخطبة.
معنى العدول عن الخطبة وحكمه:
أولاً: معنى العدول:
أ- العدول لغةً:
يُقال: عَدَلَ عن الشيء يَعْدِلُ عَدْلاً وعُدولاً: حاد.
ب- العدول اصطلاحًا:
هو: "أن يتراجع الخاطبان أو أحدهما عن الخطبة بعد تمامها وحصول الرضا منهما".
ثانياً: حكم العدول:
تقدم أنّ الخطبة وعد بالزواج، وأنه يكره خلف الوعد عند الجمهور، فينبغي أن يكون الحكم في العدول عن الخطبة أنه مكروه،
وهذا ما ذهب إليه المالكية.
وذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز العدول، غير أن الحنابلة قالوا بالكراهة إن كان العدول لغير غرض. فإن كان العدول لغرض مشروع فالجميع على عدم الكراهة.
الأدلة والمناقشة:
استدلّ المالكية على كراهة العدول عن الخطبة بالأدلة المانعة من خلف الوعد نفسها الدالة على كراهته -لأن الخطبة وعد بالزواج- وهي من الكتاب العزيز والسنة المطهرة:
أولاً: الدليل من الكتاب العزيز:
قول الحق سبحانه: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً) الإسراء/34.
وجه الدلالة:
إنّ العهد يُطلب الوفاء به، وهي من الأمور التي يسأل الله تعالى عنها العبدَ يوم القيامة، فأقل ما يُقال: إنّ خلف الوعد مكروه.
ثانياً: الدليل من السنة المطهرة:
قول النبي الأعظم -صلى الله عليه وسلم-: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان).
محل الشاهد:
قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وإذا وعد أخلف).
وجه الدلالة:
خلف الوعد خصلة من النفاق، فإتيانها والاتصاف بها مكروه.
ومن الجدير بالذكر أن الوعد عند المالكية غير ملزم، وهو كذلك عند الجمهور؛ حيث نصوا على كراهة خُلْفِ الوعد، وهذا آية عدم الإلزام، وإلا لكان خلف الوعد حرامًا.
والوعد بالخِطبة يعتبر غير ملزمٍ حتى على الرأي الذي ينص على إلزامية الوعد عند بعض المالكية؛ لأن إلزامية الوعد في هذا الرأي إنما تكون في العقود المالية لا في عقد الزواج؛ لخطورة الآثار المترتبة على هذا العقد.
ولو سلمنا لزوم الوفاء بالوعد وحرمة الخلف به فأراد الخاطب أن يعدل عن خطبته فلا يستطيع؛ لئلا يقع في الإثم، فيضطر إلى عقد نكاحه مكرهًا، وهذا الإكراه ينافي حرية الاختيار والإرادة الواجب توفرهما في العقود ولا سيما عقد الزواج.
وقد نسب أحد العلماء المعاصرين القول بحرمة العدول عن الخطبة إلى بعض العلماء بناءً على قولهم بحرمة خلف الوعد، هذا ولم أجد قولاً صريحًا لأحدهم بحرمة العدول عن الخطبة مع أنه لازم مذهبهم، فالأولى أن يُقال: (وبناءً على أصلهم بحرمة خلف الوعد، واعتبار الخطبة وعدًا بالزواج، ينبغي أن يكون حكم العدول عن الخطبة حرامًا عندهم).
ويُقال هذا دون نسبة القول إليهم؛ لأنه لا يُنسَبُ لساكت قولٌ، ولأنّ لازمَ المذهب ليس بمذهب.
واستدلَّ الحنفية والحنابلة الذين قالوا بجواز العدول عن الخطبة بما يلي:
أولاً: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه كان يقول: نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب.
محل الشاهد:
قوله: حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب.
وجه الدلالة:
1- نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يخطب الرجل على خطبة أخيه؛ لأن للخاطب الأول حقًا في الفتاة فلا يُنازع عليه؛ لئلا يسرى التباغض والتشاحن بين المسلمين.
2- جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- للخاطب الأول حقّ الترك، وأجاز له التنازل للخاطب الثاني، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يجوّز العدول عن الخطبة ويصور هذا العدول بصورتين: الترك، أو إعطاء الإذن للغير كي يتقدم لخطبة الفتاة، وفيه إشعار بإسقاط الحق، النابع من العدول عن الخطبة. ولم يجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- جواز الترك معلقًا على سبب بل جعله حقًا للخاطب الأول.
ثانياً: إنّ عليًّا -رضي الله عنه- خطب بنت أبي جهل، فلما أنكر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- أعرض علي -رضي الله عنه- عن الخطبة.
وجه الدلالة:
لو كان الإعراض عن الخطبة مكروهًا لما أنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- على سيدنا علي -رضي الله عنه- كي لا يضطره للوقوع في المكروه، بل لأن العدول جائز وهو حق للخاطب أدى إنكار النبي -صلى الله عليه وسلم- على سيدنا علي -رضي الله عنه- أن يقع في الجائز ممارسًا حقه.
ولكن لكراهة النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الخطبة سبب مذكور في القصة فهو إعراض لسبب.
ثالثاً: عقد الزواج عقد عمْري يدوم الضرر فيه، والخطبة مقدمة تحسب فيها المنافع والمضارّ، فإن غلبت المنافع فبها ونعمت، وإلا فالعدول عن الخطبة؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار.
رابعاً: الخطبة: هي بيان الرغبة في عقد النكاح، وتراجع الخاطب عن رغبته هذه ليس فيه شيء.
الترجيح:
والذي تركن إليه النفس هو قول الحنابلة الذين قالوا بجواز العدول عن الخطبة إن كان للعدول سبب، ولو كان هذا السبب كراهية الفتاة للرجل أو العكس استنباطًا من قصة سيدنا علي -رضي الله عنه- حيث رجع عن خطبته لسبب وهو كراهة النبي -صلى الله عليه وسلم- لتلك الخطبة.
أما العدول دون سبب فمكروه؛ لأنه من قبيل خلف الوعد، وإن كان الحديث الشريف (حتى يترك الخاطب...) يفيد الجواز مطلقًا إلا أنّ هذا الجواز لا بد أن يقيد بالسبب؛ للأدلة القوية التي تنهى عن خلف الوعد، وهذا الحكم يتناسب مع السياج الأخلاقي الذي يفرضه الإسلام على كل مسلم

حكم المال المدفوع سلفًا (على حساب المهر):

إذا قدّم الخاطب المهر لمخطوبته سلفًا قبل عقد النكاح، ثم عَدَلَ أحد الطرفين عن الخطبة، أو توفي، فما هو الحكم الشرعي في هذا المهر المقبوض سلفًا؟
نص الحنفية على أن للخاطب أن يستردّ ما دفعه على حساب المهر عينًا إن كان قائمًا، أو عوضه إن كان قد هلك أو استهلك.
ولم أجد نصًّا في هذه المسألة عند سائر المذاهب، وإنما يفهم من كلامهم بعد تأمل تعريفاتهم للصداق، أن الحكم عندهم ينبغي أن لا يغاير الحكم عند الحنفية في هذه المسألة.
فالصداق عند المالكية من أركان عقد الزواج، وليس بين الخاطب والمخطوبة عقد فلا يحل لها نصف الصداق إلا بالعقد، ويحل كاملاً بالدخول، وإلا فهو من باب أكل أموال الناس بالباطل، فبعدول أحدهما وعدم العقد لم تستحق المخطوبة المهر فينبغي عليها أن تعيده للخاطب.
ونرى الشافعية يُعرِّفون الصداق بقولهم: "ما وجب بنكاح أو وطء أو تفويت بضع قهرًا كرضاع ورجوع شهود". فهذه هي الحالات التي يجب فيها المهر، وليست الخطبة منها، فلا يحل للمرأة أخذه بل عليها إعادته.
والصداق عند الحنبلية هو: "العوض المسمى في النكاح". ولا نكاح بين الخاطبين يوجب المهر أو نصفه.
وهكذا تلتقي آراء الفقهاء جميعًا عند نقطة مهمة ألا وهي: أن المهر لا يجب إلا بعقد النكاح، وفي حال الخطبة لا يوجد عقد نكاح، فاحتفاظ المرأة بالمهر بعد عدول أحد الطرفين حيازة للمال بغير سبب مشروع؛ فعليها إعادة المال لصاحبه

عيون الحب
2010-01-15, 01:50 AM
حكم الهدايا:

إذا قدّم أحد الخاطبين للآخر هدايا، فما هو الحكم الشرعي لهذه الهدايا إذا عدل أحدهما عن الخطبة؟
تباينت أقوال المذاهب في هذه المسألة على النحو التالي:
أولاً: مذهب الحنفية:
هذه الهدايا تأخذ حكم الهبة، فتعاد لصاحبها إلا إذا اندرجت تحت مانع من موانع الرجوع بالهبة السبعة، وهي:
1- زيادة الموهوب.
2- موت الواهب أو الموهوب له.
3- العوض عن الهبة.
4- خروج الموهوب عن ملك الموهوب له.
5- الزوجية القائمة بين الواهب والموهوب له وقت الهبة.
6- القرابة المحرمية بين الواهب والموهوب له.
7- هلاك العين الموهوبة في يد الموهوب له.
ثانيًا: مذهب المالكية:
فصل المالكية المسألة حيث ميّزوا بين كون الرجوع من طرف الخاطب، أو كونه من طرف المخطوبة.
فإن كان العدول من طرف الخاطب، فلا يحق له أن يستردّ شيئا من الهدايا سواء كانت قائمة أو مستهلكة؛ لأنه وهب بشرط إتمام الزواج، وهو المتسبب في عدم تحقيق هذا الشرط وبالتالي لا يحق له الرجوع بشيء من هداياه.
وإن كان العدول من طرف المخطوبة، فللخاطب أن يرجع عليها بكل ما قدمه من هدايا إذا كانت قائمة، فإن استهلكت استردّ قيمتها؛ لأنه وهب بشرط إتمام الزواج، وهي السبب في عدم تحقيق هذا الشرط، فلا يحل لها الاحتفاظ بهداياه.
وكل هذا يقيّد بالشرط أو العرف إذ يقدّمان على كل ما سبق.
ثالثًا: مذهب الشافعية:
عند الشافعية قولان في المسألة رجح أحدهما الرملي ورجح الآخر ابن حجر الهيتمي، وهما في الترجيح سواء.
القول الأول:
"له الرجوع بما أنفقه على من دفعه له، سواء كان مأكلاً أو مشربًا أم حلوى أم حليًا، وسواء رجع هو أم مجيبه أم مات أحدهما؛ لأنه إنما أنفقه لأجل تزويجه بها، فيرجع به إن بقي وببدله إن تلف".
القول الثاني:
"إن كان الردّ منهم (أهل المخطوبة) رجع عليهم؛ لأنه لم يهد لهم إلا بناء على أنْ يزوجوه ولم يحصل غرضه، فإن كان الرد منه فلا رجوع له؛ لانتفاء العلة المذكورة". وهذا القول يلتقي مع ما قاله المالكية.
رابعًا: مذهب الحنابلة:
الهدية تأخذ حكم الهبة، والهبة عندهم لا يجوز الرجوع فيها إلا إذا كانت قبل القبض، ولا يخفى أن الخاطب في مسألتنا هذه قد أهدى المخطوبة وقبضت الهدايا، فينبغي أن يكون الحكم عندهم أن لا رجوع للخاطب بهديته على مخطوبته، وهذا ما نسبه إليهم أحد المعاصرين.
ولكن إذا سرّحنا النظر في كتب المذهب نجد أنّ المسألة عندهم تخرج عن أصلهم المقرر سابقًا والقاضي بعدم رجوع الواهب بهبته بعد القبض.
والمقررعندهم في مسألتنا أن للخاطب أن يرجع بما أهدى قبل العقد، إن زوجت المخطوبة من غيره، وهذان نصان يشهدان على صحة ما أقول:
النص الأول:
"... وليست هديته من المهر نص عليه، فإن كانت قبل العقد وقد وعد به فزوجها غيره رجع".
النص الثاني:
"... فإن كانت قبل العقد (يعني الهدية) وقد وعدوه بأن يزوجوه فزوجوا غيره رجع بها، قاله الشيخ تقي الدين واقتصر عليه في الفروع، قلت: وهذا مما لا شك فيه".
وقد بين أحد المعاصرين هذا الرأي فقال: "ولكن الحنابلة يذهبون إلى جواز رجوع الخاطب في هداياه؛ لأن من شرط الهبة عندهم أن تكون بغير عوض، والواهب في الخطبة -كما يقول القاضي من الحنابلة- إنما وهب في هذه الحال بشرط بقاء العقد، فإذا زال ملك الرجوع، كالهبة بشرط الثواب".
ولا يخفى أن الحكم المذكور صحيح ولكن الشاهد لا علاقة له بالقضية محل البحث، فأي عقد
يراد له البقاء مع علمنا أن الخطبة ليست عقدًا، والهدية قبل العقد تختلف عنها بعده.
وبعد هذا التجوال في أقوال المذاهب نخلص إلى أن الفقهاء انقسموا إلى فريقين في حكم الهدايا حال العدول عن الخطبة:
الفريق الأول:
يجيز للمهدي الرجوع مطلقًا، وهم الحنفية وبعض الشافعية، هذا إذا استثنينا الحالات السبع المانعة من الرجوع في الهبة، والتي سبق ذكرها عند الحنفية؛ لأنها حالات عارضة.
وقد استدل الفريق الأول على جواز الرجوع في الهبة بالسنة المطهرة:
فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها).
وجه الدلالة:
جُعل الواهب صاحب حق، بل له الأولوية في هبته ما لم يصل إليه العوض من الموهوب له.
الفريق الثاني:
يجيز للمهدي الرجوع إذا لم يكن هو المتسبب في العدول، بل كان العدول من الطرف الآخر، وذهب إليه المالكية في المعتمد عندهم، وبعض الشافعية، وهو قول الحنابلة.
واستدل الفريق الثاني بأن المهدي قد قدم هديته بشرط إتمام الزواج، والطرف المُهدى إليه قد فوّت هذا الغرض على الواهب؛ فلا يجمع بين فوات الغرض وذهاب هديته.
الترجيح:
إذا تأملنا الأدلة وجدنا أن الراجح هو قول الفريق الأول من الحنفية وبعض الشافعية، والقاضي بأنّ للواهب أن يسترد هديته مطلقًا إلا أنه لا بدّ من مراعاة حالات الاستثناء المذكورة عند الحنفية والتي تمنع هذا الجواز.
وذلك لقوة أدلة هذا الفريق، وعدم نهوض دليل الفريق الثاني على المعارضة، بالإضافة إلى أن قول الفريق الأول يحوي قول الفريق الثاني من وجهٍ، وهو: لو عدل أحد الخاطبين كان للآخر الرجوع بهديته؛ لأن قول الفريق الأول أعم، وهو حاوٍ لقول الفريق الثاني من وجهٍ.
حكم التعويض عن الضرر المادي أو المعنوي:

قد ينجم عن العدول عن الخطبة ضرر بأحد الطرفين، وهذا الضرر إمّا أن يكون مادّيًّا أو معنويًا.
ومثال الضرر المادي: أن تترك المخطوبة العمل بناءً على طلب من الخاطب، أو أن يجهّز الأهل ابنتهم بجهازٍ قد طلبه الخاطب (وهذا في البلاد التي يجهز فيها أهل العروس مسكن الزوج مثل مصر).
ومثال الضرر المعنوي: ما يلحق بسمعة الفتاة من كلام وافتراءات حيث تكون قد أمضت مُدّة ً
طويلة ًمع خاطبها، وربما خرجا معًا ودخلا، وكانا محط نظر الناس وكلامهم.
وأيضًا قد تكون خِطبتها الأولى فوّتت عليها خطّابًا أفضل من هذا الأول الذي عدل.
وإذا سرّحنا النظر في كتب الفقهاء فإننا لن نجد لهذه المسألة أثرًا، ولعلّ السبب في ذلك أنه خلال السنين الماضية لم يكن لإطالة فترة الخِطبة في الحياة الاجتماعية وجود، بل كان يسود بينهم المثل الشائع "خير البر عاجلُه".
أضف إلى ذلك أنه لم تكن حياتهم الاجتماعية معقدة كما هي في هذه الأيام، حيث لم تكن المرأة تعمل في الوظائف الرسمية الحكومية، ولم تكن الوظائف تحمل ذات الطابع الذي تحمله الآن إلخ..
وأزيد على ما سبق أنّ حياة السابقين ومفاهيمهم كانت مصبوغةً بصبغة الإسلام وتعاليمه، حيث نجد المطلقة ربما تزوجت أربع مرات وكذلك الأرملة، فكان عدول الخاطب عن خطبته شيئًا لا يذكر. وفي هذا الزمان انقلبت الموازين رأسًا على عقب، وتغيرت المفاهيم والقيم، وأصبح المجتمع ينظر للأرملة والمطلقة والتي عدل عنها خاطبها نظرة دونية، لا تليق بالمرأة، ولا بتعاليم ديننا الحنيف الشريف.
والحاصل أنّ هذه المسألة تعدّ من المسائل الفقهية المعاصرة المستجدّة، أي من النوازل.
وإذا تأمّلنا آراء الفقهاء المعاصرين في الضرر المادي والمعنوي الناجم عن العدول عن الخطبة، نجدها محصورة في أربعة آراء:
الرأي الأول: عدم التعويض مطلقًا: ومن القائلين به الشيخ محمد بخيت المطيعي (مفتي الديار المصرية سابقًا) وأ. د. محمد عقلة الإبراهيم وأ. د. عمر سليمان الأشقر.
وأدلة القائلين بهذا الرأي:
أولاً: إنّ العدول أمر جائز شرعًا، والجواز الشرعي يتنافى مع الضمان.
ثانيًا: إنّ الخِطبة ليست عقدًا بل هي وعد بالعقد، ولا إلزام في هذا الوعد، فمن عدل عن خِطبته إنما يمارس حقًا من حقوقه، ولا يجوز أن نرتب على ممارسة الحقوق أي تعويض.
ثالثًا: لم يُفوّت العادل عن الخطبة على الآخر حقًا حتى يُلزم بالتعويض.
رابعًا: قد يلزم من الحكم بالتعويض إلزام الخاطب على الزواج عند عدم قدرته على دفع التعويض، وهنا يختفي الركن الأعظم لعقد النكاح وهو التراضي.
الرأي الثاني: التعويض مطلقًا: ومن القائلين به: الشيخ محمود شلتوت (شيخ الأزهر الشريف سابقًا).
الأدلة:
أولاً: إن القاعدتين الفقهيتين التاليتين هما أول دليل يستند إليه من قال بالتعويض:
1- لا ضرر ولا ضرار.
2- الضرر يزال.
ثانيًا: لا سبيل إلى إزالة الضرر سوى التعويض المالي.
ثالثًا: إن الخاطب قد سبب للمخطوبة ضررًا نتيجة عدم الوفاء بوعده، فلا بد أن يترتب عليه تعويض يتناسب مع مقدار ما تسبب به من ضرر.
الرأي الثالث: التعويض عن الضرر المادي فقط دون المعنوي، قال به الشيخ محمد أبوزهرة.
لكنّ الشيخ أبا زهرة يوجب التعويض عن الضرر المادي الناتج عن التغرير لا الاغترار.
والتغرير هو: الضرر الذي ينشأ وللخاطب دخل فيه غير مجرد الخطبة والعدول، مثل أن يطلب نوعًا مخصوصًا من الجهاز، ثم يكون العدول والضرر، فهو من باب المسؤولية التقصيرية.
أما الاغترار: فهو الضرر الناشئ عن مجرد الخطبة من غير عمل من جانب الذي عدل. وهذا الاغترار لا تعويض عليه
الرأي الرابع: إنّ التعويض يترتب على العدول عن الخطبة إذا ترتب عليه ضرر ماديًا كان أو معنويًا، وبه قال الشيخ مصطفى السباعي، ولكنه وضع ثلاثة شروط لوجوب التعويض:
1- أن يثبت أنّ العدول لم يكن بسبب المخطوبة.
2- أن يثبت أن العدول قد أضر بها ماديّا أو معنويّا غير الاستهواء الجنسي.
3- أن يكون الخاطب قد أكد رغبته في الزواج من المخطوبة بما يستدل به عادة وعقلاً على تأكيد خطبته وتصميمه على إجراء عقد الزواج
ونلحظُ في هذا الرأي أنه يُراعي المخطوبة حال عدول الخاطب، ويضرب عُرض الحائط بالخاطب حال عدول مخطوبته.
المناقشة:
أولاً: الضرر المعنوي:
لا بُدّ أن نتساءل: ما هو الضرر المعنوي الذي يقع على أحد الخاطبين بسبب عدول الآخر؟
وكيف يُقوّمُ هذا الضرر؟ وما هو ضابطه؟ مع مراعاة أنه أمر معنوي لا حسي ملموس.
أما ما ذكره البعض أنه ما يلحق بسمعة المخطوبة بسبب طول فترة الخطبة وكثرة الدخول والخروج مع الخاطب فهو أمر غير مقبول؛ لأنه رقة في الدين، وإغفال لأحكام رب العالمين، فكيف نرتب التعويض على إهمال المكلف بالشرع، أيعصي المرءُ الله تعالى فيكافأ؟!
فالخاطبان طالما لم يعقدا عقد الزواج فهما أجنبيان عن بعضهما، ولا يحل لأحدهما من الآخر شيء. ويحرم مخالطة أحدهما للآخر-بعد النظر والتعرف- وخلوته به، ومسه، والخروج معه. ومن الذي أجبرها على إطالة فترة الخطبة؟! لقد وافقت الفتاة على إطالة فترة الخطبة بمحض إرادتها مع علمها اليقيني أنّ للخاطب حق العدول متى شاء، فكيف نُضمّنُ إنسانًا إذا مارس حقه المشروع، والجواز الشرعي ينافي الضمان.
ثانيًا: الضرر المادي:
قد تترك المخطوبة عمَلها أو تشتري أثاثًا مخصوصًا يرغب به الخاطب، أو تترك الدراسة بناء على طلبه، أو غير ذلك من الصور التي تتضرر فيها الفتاة بسبب طاعة الخاطب.
ولا يخفى أن ضررًا ماديًّا قد وقع على الفتاة، لكن لنا أن نتساءل فنقول: ألم تكن الفتاة على علم أن خطبتها وعد غير ملزم؟ وأنّ رجوع الخاطب عن الخطبة حق له، وله أن يمارس حقه متى شاء؟ أليس تركها للعمل والدراسة وشراؤها الأثاث الذي طلبه الخاطب قبل العقد سوء تصرف منها، واستعجال في اتخاذ القرار، وخطأ في حساب عواقب الأمور؟
ما الذي أجبرها على إطاعة أمره، مع أنه لا طاعة له عليها؟ لقد تصرّفت بمطلق حريّتها وإرادتها، وهي وحدها تتحمل مسؤولية تصرفاتها وسوء تقديرها.
أما العدول عن الخطبة فهو حق لكل من الخاطبين، ولا وجه للضمان عند استعمال الحق.
أما ما قيل: إنه على الخاطب أنْ يُعوضَ المخطوبة عن الضرر الناشئ عن العدول بناء على المسؤولية التقصيرية فغير صحيح؛ لأن الفعل في المسؤولية التقصيرية غير مشروع أصلاًً
هذا ومن شروط المسؤولية التقصيرية: أن يُلازم الفعل أفعالاً خاطئة في ذاتها ومستقلة عنه استقلالاً تامًّا ومنسوبة لأحد الطرفي، وأن ينتج عنه ضرر للطرف الآخر
نُلاحظ أن كل ما سبق غير منطبق على المسألة محل البحث؛ إذ الخطبة مشروعة، وطلب الخاطب من مخطوبته بناء على النية في إتمام الزواج، وتنفيذ طلبات الآخر بناء على الثقة المتبادلة بين الاثنين وليست هذه الطلبات ضارة في ذاتها.
الترجيح:
بعد ما تقدم من الأدلة والمناقشة تركن النفس إلى القول بعدم التعويض مطلقـًا لما تقدم من أدلة قوية، وعدم نهوض أدلة المخالفين على المعارضة، وهذا الرأي يتفق مع حق كل واحد من الخاطبين بالإتمام أو العدول مما يبقي عقد النكاح رضائيًّا.