مشاهدة النسخة كاملة : مذكرات المفكر الكبير د.مصطفى محمود
محمد الجزار
2010-01-10, 12:09 PM
الجزء الأول :
الحلقةالأولى .. بذرة الشك
الرابط لايظهر فى الأرشيف (الرابط لايظهر فى الأرشيف m%2Farchive%2F2009%2F12%2Fpopimage.aspx%3FImageID% 3D107129)
تمهيد واجب
من كان يصدق ذلك؟
أخيراً بعد عشرين عاماً من الاختفاء وقبل وفاته.. يتكلم.. سأل عنه الناس.. وتكلموا.. ويئسوا.. ثم سألوا.. واندهشوا.. وصمتوا.. تعددت الشائعات فمنها أنه تم إبعاده لأسباب سياسية ومنها أن مرضاً لعيناً أصابه وأجلسه فى البيت، ومن روج أنه ترك عائلته ووطنه وسار هائماً على وجهه فى البلاد يبحث عن اليقين.
أخيراً وبعد عشرين عاماً من العزلة وقبل وفاته.. يتحدث.. ويطل على الناس.. ويروى.
أكثر من أثار الجدل فى مصر خلال القرن العشرين.. وأكثر الشخصيات التى تعرضت للهجوم والشائعات طوال حياته.. أخيراً يتكلم صاحب أكثر الكتب الدينية إثارة للجدل فى القرن العشرين (الله والإنسان) كتابه الأول الذى حوكم من أجله فى شهر رمضان وقد كان بداية لموجة التكفير، التى عانى منها المفكرون فى مصر خلال الخمسين عاماً الأخيرة.
مصطفى محمود.. العالم، المفكر، الفيلسوف، الطبيب، الفقيه، الصحفى، السياسى، الكاتب، الأديب، يتكلم ويروى ويتحدث ويعلم أجيالاً افتقدوا القدوة وبحثوا عنها كثيراً، وحتى الآن لم يعثروا عليها.
ننشر هنا حقائق لأول مرة من خلال مذكراته التى روى منها جزءاً كبيراً وتم استخراج باقى هذه المذكرات من خلال أعماله وكتاباته، وهنا يجيب عن تساؤلات كثيرة ظلت بدون إجابات حول طفولته وجمعية الكفار التى كونها فى الثانية عشرة من عمره وكيف كانت حشرات الصراصير بداية رحلة الشك الطويلة، وهل بالفعل وصل مصطفى محمود إلى اليقين التام وما المنهج الذى استخدمه وكيف كان لوالده تأثير قوى عليه وكيف احتلت ابنته أمل مكانة الأم عنده.. وهل كان الموساد الإسرائيلى سبباً فى فشل زيجاته، وهل كان له يد فى الشائعات التى دارت حوله وهل حاول اغتياله؟
نكشف علاقته بكل من (هيكل.. صلاح حافظ.. عبدالوهاب.. صلاح جاهين.. هتلر.. السادات.. إحسان عبدالقدوس.. لويس جريس.. عبدالناصر.. لوتس عبدالكريم.. بنت الشاطئ.. روزاليوسف.. ماركس والشيوعية).
عن أزمة الشفاعة التى لم تنته حتى الآن يتحدث.. قصة البرنامج الذى كانت تخلو شوارع مصر من المارة أثناء إذاعته.. ولماذا أراد مصطفى محمود أن يصور للناس عذاب القبر بالصوت والصورة؟
أين مصطفى محمود؟
لم يكن اقترابنا منه سهلا أبدا.. هو ناسك فى صومعته الآن.. غير مسموح لأحد بالتطفل أو الاختراق.. لذلك كان السماح لنا بالاقتراب أمراً غير عادى.. ذهبنا فوجدناه ولم نجده.. فقد كان جسده الذى نحل يملأ المكان.. وصوته الذى وهن يخترق سمعنا.. لا يشغله شىء عن قضاياه التى تفرغ لها.. ابتعد عن المشكلات التى تشغل المصريين هذه الأيام.. الفلاسفة دائما لا ينظرون إلى التفاصيل وإنما يرجعون كل المشاكل إلى العلل الكبرى، وعلل مصر والأمة العربية والإسلامية تتلخص الآن من وجهة نظره فى (تدنى الأخلاق، والبعد عن الدين، والفرقة).
اقتربنا منه فى اليوم الذى شهد مولده والعائلة تحتفل بعيد ميلاده الـ٨٨ فى السابع والعشرين من شهر ديسمبر عام ٢٠٠٨.. شاهدناه.. راقبناه.. حاورناه.. جادلناه واستمتعنا بالخصوصية التى خصنا بها هو وعائلته الكريمة.. طفنا فى صومعته الخاصة التى لم تتجاوز شقة مساحتها ٨٥ متراً عبارة عن حجرتين وصالة صغيرة، واجهنا صعوبة شديدة فى التحرك داخل أرجاء صومعته بسبب تلال الكتب المترامية، التى كادت تخفى معالم الجدران.
لم يتغير برنامجه طوال فترة اقترابنا منه فهو بعد الاستيقاظ فى الثامنة صباحاً يتناول وجبة إفطار خفيفة فى السرير «جبنة ومربة وعيش توست وشاى بلبن أو نسكافيه»، ثم يحصل على حمام دافئ، وبعد ذلك يبدأ بقراءة الجرائد، ويحصل على جولة قصيرة ليتابع أخبار العالم أمام التليفزيون، لينكبّ بعدها على كتبه ودفاتره يدون أفكاره مستنداً إلى لوحه الخشبى الشهير «مصطفى محمود لم يجلس على مكاتب أبدا» لا يتوقف إلا لتناول الغداء فى الخامسة والذى لم يتغير أبدا عن السمك المشوى يتلوه تفاحة وموزة، ليستمر فى اجتهاده بين كتب الفلسفة والدين وعلوم الكون، ويحاول تفسير بعض الآيات الكونية التى وردت فى القرآن الكريم ويتناول وجبة العشاء فى العاشرة مساء وهى مثل الإفطار ليواصل اجتهاده إلى الثانية عشرة مساء.
وعن عزلته هذه تقول ابنته أمل إنها ليست بجديدة عليه فقد كنا أطفالاً صغاراً لا نستطيع دخول غرفته.. والذى تغير هذه الأيام أن فترة العزلة قد طالت، لدرجة أنه يظل لأيام لا يتحدث مع أحد، مما يدفعها للقلق عليه فتذهب لتطمئن عليه فتجده فى حالة تأمل وسكون تام أو غرق فى القراءة، وعندما أظهرت قلقها عليه ذات مرة طمأنها وقال: «لا تقلقى على فأنا لا أعيش وحدى فالله معى ولا يتركنى».
إلا أن الأزمة الأخيرة التى أرقدته داخل المستشفى الذى يحمل اسمه، حيث عانى من التهابات شديدة فى قرنية العين.. ربما حسم أمره وقتها وقرر أنه آن الأوان أن يخرج من عزلته ويفتح دفاتر أسراره.
هناك صور لا تنمحى من الذاكرة أبداً مثل:
■ متى فقدت الأمل فى الحلم ورضيت بالواقع؟
■ ما اللحظة الفاصلة بين أنا القديم الحالم الساعى لتغيير العالم وبين أنا الذى صرت
■ فى أى يوم وفى أى ساعة وفى أى لحظه فهمت أن الحلم حلم والواقع واقع أكان ذلك أيام الجامعة أم فى دهاليز المجلة «سنة أولى تدريب» وأنا أرى القيم تتساقط أمامى الواحدة تلو الأخرى على يد أساتذتى الكتاب الكبار الذى كنت أحلم يوماً بالحديث لهم
■ أم حين كفرنى من كفرنى، لمجرد أن اعترضت على شعار الإسلام هو الحل وأشاعوا تنصيرى
■ أم حين شعرت بالغربة لأول مرة عن أهلى وأنا فى بلدى واخترت العزلة؟
محمد الجزار
2010-01-12, 10:02 AM
من مذكرات د / مصطفي محمودالحلقة الثانية
الهروب من الطفولة
إن سر القلق:
أننا نعيش بلا دين .. بلا إيمان وأن ديننا هو من الظاهر فقط.. كلمات علىالألسن فى المناسبات وصلوات تؤدى بحكم العادة.. فاعرف نفسك تعرف ربك، أصبحالآن بحكم الوصول لابد من المرونة والتكيف.. حتى لا نصطدم ونشتبك ولابدلنا من المداهنة والمجاملة والتملق واكتساب الناس بالكذب عليهم، لابد أنننافق الذين نكرههم لأن لهم فائدة ونتجنب الذين نحبهم لأنهم يعطلوننا فىالطريق.. بالفعل إن نجاحنا يعتقلنا.. ينتهك حرماتنا وفى الوقت الذى نظنفيه أننا ننجح ونحقق أحلامنا إذا بنا فى الحقيقة نفقد هذه الأحلام.. ونفقدأنفسنا وكل هذا من أجل إشباع حوافز الطعام والجنس وحب السيطرة.
مصطفى محمود
مازالت ذكريات الطفولة تنساب.. حكايات الطفولة غير العاديةلفيلسوف الشرق.. فيقول: «طفولتى كانت غريبة وعجيبة.. كانت لا تستقر أبداأو تعيش على الأرض التى أقف عليها، كانت سلسلة من الأحلام الجميلة والشيقةالتى أغوص داخلها، طفولتى كانت سلسلة من الهروب، هروب من واقعى المريضالعليل أو هروب من مرحلة الطفولة نفسها، التى بطبيعتها ضيقة تحصر الطفلبحكم السن داخل حدود صغيرة جدا،
بينما كانت طبيعتى نفسها أكبر من المرحلة العمرية، فكانت تراودنى أحلامكبيرة وضخمة.. لا تقل فى ضخامتها عن جبال غابات الأمازون التى تمنيتمشاهدتها وتمنيت رحلات للغابات الاستوائية التى كنت أقرأ عنها فى الكتبوالقصص وأظل ساعات طويلة أعيش فى حالة من الخيال الذى يدفعنى لأن أصدقأننى ذهبت إلى هناك فى ثوان معدودة ومارست اللعب مع القرود والغزلانوسارعت بالهروب من الأسود والنمور قبل أن تبتلعنى.. وكنت أترك لقلبىوعواطفى وعقلى العنان.. بلا قيود..
وما شجع هذه الخيالات والأحلام طبيعة المناخ الثقافى الذى عشته وعاشته أسرالطبقة المتوسطة فى هذه الفترة الزمنية فى الربع الأول من القرن الماضى،حيث كنت أداوم على مشاهدة روايات طرازان والسندباد والسندريلا فى أفلامالسينما والتى بسببها كنت أقترض بعض مصروفات إخوتى لأنى أنفق مصروفىبالكامل فى أيام معدودة من أجل مشاهدتها أكثر من مرة وعشقت قصص السندبادوربنسون كروزو وأعجبت بقصة تحطيمه لمركبه ليعيش فى الغابات بين الأشجارالكثيفة والقرود والحيوانات، وتمنيت أن أفعل مثله لأنه ليس هناك أجملوأروع من أن يعيش الإنسان على الفطرة والطبيعة التى خلقها الله بدونتدخلات وعبث البشر بها والتى تفسدها باسم التحضر والتكنولوجيا.
(ومن الممكن القول بأن المناخ الثقافى لهذه الفترة كان سبب نضوج عقليةمصطفى محمود) ولكنه قال: كان أحد الأسباب فقط، فأبى شكّل الدعم الأكبر فىهذه المرحلة.. فمن المشاهد التى لا أستطيع حتى اليوم أن أنساها أبدا أنهبينما كان الآباء من جيراننا يدخلون بيوتهم وفى يد الواحد منهم كيس منالفاكهة أو الخضار، كان أبى يترك شؤون البيت هذه لأمى، فأبى لم يدخل البيتأبدا وهو يحمل «ربطة فجل»، كان يحمل دائما فى يديه المجلات والكتب..
ولا أنسى عندما دخل وهو يحمل ربطة كتب ومجلات ملفوفة بخيط دوبارة وأعطاهالى بدون أن يذكر لى ماذا أفعل بها.. كنت مازلت طفلا صغيرا وبالتالى كانتالنتيجة المنطقية أن أقوم بتقطيع معظم هذه الكتب، إلا أننى وأنا ألعبوأمرح على بقايا مذبحة الكتب وقعت عيناى على إحدى صفحات مجلة وجدتها تحملصوراً ورسومات شيقة لقصة مصورة.. أعجبتنى جدا.. وأردت أن أعرف باقىالقصة.. ودفعنى عقلى الصغير إلى محاولة إعادة تجميع وترتيب القصة كلها.. وكانت بداية القراءة معى.. وكان هذا ما يريده أبى الذى كان يراقبنى منبعيد، بينما كان من فى مثل عمرى لا يستطيعون حتى الرضاعة.
كما أن هناك مشاهد فى طفولتى لا يمكن أن تنسى أو تنمحى من ذاكرتى فقد كنتأحب وأعشق المدرسة ويوم الجمعة كان يوم الإجازة الأسبوعى من المدرسة، أوكما كنا نسميه يوم المسامحة، وكنت أتمرد على هذه التعليمات وأذهب فىالصباح وأقفز من فوق السور إلى داخل المدرسة حتى لا يرانى الخفير وأتجولفى الفصول حتى يحين موعد أذان العصر ثم أمضى إلى أصدقائى وأقص عليهم أننىكنت فى المدرسة اليوم فيقولون غير مصدقين «اليوم هو المسامحة» فأقول «أنامعنديش مسامحة أبداً»
محمد الجزار
2010-01-12, 10:05 AM
ت : الحلقة الثانية :
وكان أحب الأيام لقلبى عندما أرتدى الزى الجديد فى أول يوم دراسى والأيامالتى كنت فيها أقود مراكبى التجارية إلى الهند أثناء تساقط الأمطارالغزيرة بمنتصف فصل الشتاء فى فناء المدرسة فقد كنت أصنع مراكب من الورقوأسيّرها فى المستنقعات الصغيرة والبرك التى خلفتها الأمطار وأتخيل أنهاذهبت إلى الهند وأنى أقودها وأثناء الرحلة تقابلت مع الهنود ونشبت بينىوبينهم صداقة حميمة وعشت مع البسطاء فى أكواخهم الموجودة فى أعالى الجبالوركبت الفيل وتجولت به وسط الغابات،
وبعد انتهاء الرحلة عادت وهى تحمل ملابس وطرحاً هندية جميلة وعاجاًوسواكاً وبخوراً ولكن كما كانت هذه القصص الغريبة والعجيبة وغيرها سبباًفى شعورى بالسعادة وأننى أختلف عن الآخرين.. كانت سبب متاعبى المستمرةلمدى غيرة أصدقائى منى لأننى لا أشاركهم ألعابهم وصراعهم وتصوروا أننىأتكبر عليهم رغم أنى كنت أكن لهم كل الحب والتقدير ولكنى طفل ضعيف لا أقوىعلى مسايرتهم وممارسة ألعابهم.. وهنا وجدنا أن هناك سؤالاً مهماً وهو: لماذا يذكر مصطفى محمود أحلام طفولته بهذا الكم الهائل من التفاصيلوالأماكن؟
ووجدنا الإجابة.. لأنه هنا يظهر الفرق عند الدكتور مصطفى محمود.. فهذهالتفاصيل هى الخلاصة بمعنى أنه ما من طفل لا يحلم لكن لا يضع كل الأطفالأمامهم هدفاً لتحقيقه.. أما مصطفى محمود فهو لم يترك حلماً واحداً إلاوحققه فيما بعد.. مثلا أحلامه بزيارته للهند والتى حققها فيما بعد عندماسافر للهند وأقام هناك فترة طويلة تعلم فيها معظم أسرار الحضارة الهنديةمثل الفنون والعبادات الهندية.. وأحلامه عن الغابات الاستوائية وحبهللحياة الأولية للإنسان (الفطرية) وهو ما حققه بالفعل فيما بعد فى زيارتهالشهيرة إلى وسط أفريقيا والتى عاد منها سيرا على الأقدام.
ولكن زاد حنقهم وحقدهم على أن يواصل حكاياته عندما علموا أنى غارق فى قصةحب تجاه فتاة كانوا يتقاتلون عليها، وقد كنا نتجمع أنا وأصدقائى وأبناءالجيران فى بير السلم وكان معظمهم أصدقائى فى المدرسة وجيرانى فى شارعالحلو بطنطا ونتبارى لإبراز مواهب كل منا وكانت تجلس معنا تلك الفتاةناصعة البياض ذات الشعر الأشقر ابنة الجيران «عدلية» وكانت جميلة جداوعمرها تسع سنوات ووالدها يعمل معاون إدارة زراعية وكانت تبهرها مواهبىالتى تفوقت وتميزت بها على أبناء الجيران وأى طفل آخر فى عمرى،
فقد كنت أغنى وأقرأ القرآن بصوت يشبه صوت الشيخ محمد رفعت - كان صوتىجميلا- وبعدها علمت أنها تبادلنى نفس الشعور بعد أن قبلتنى أول قبلة فىحياتى فى خدى تحت بير السلم، كنت أحكى لهم جميعا– ولها بالذات- حكايات منوحى الخيال فقد كانت تجلس ككليوباترا أو نفرتيتى بيننا وتطلب من كل طفل أنيحكى قصة من بنات أفكاره لترى من يستحق حبها وكانت حكايتى هى التى تفوزدائما وبعد أن أنهى حكايتى كانت تنظر إلىّ نظرة لم أنسها حتى الآن.. نظرةانبهار..
وأقسم بأننى لا أعرف كيف كانت تأتينى أفكار هذه القصص والحكايات ولكننىاكتشفت أن حبى لها هو ما كان يدفعنى لأتفوق على باقى الأطفال ودائما كنتأحمد الله لأنها تختار أن تسمع قصصاً وذلك لأنها إذا طلبت أن نتبارزونتصارع لتعرف مدى قوتنا ومن يستحق حبها فكنت سأخسر المنافسة لا محالة،وعلى مدى الأيام والشهور كنت أولع بحبها وازداد إعجابها بى وعندما أردت أنأهديها شيئاً فكرت كثيرا وكنت أسأل إخوتى الذين علموا بالأمر، الذى صارحديث أطفال الشارع والمدرسة جميعا وأطلقوا عليه «قصة حب محمود وعديلة» ولكن استقر رأيى فى النهاية على نوع الهدية، الذى كان كتاباً يحتوى علىأشعار فى الحب وبعدها بأيام قليلة وجدتها تهدينى أول هدية حصلت عليها فىحياتى من الجنس الآخر وكانت عبارة عن «فيل عاج صغير» وفرحت به جدا لأنىكنت - كما ذكرت - أحب الحيوانات.
ولأن عديلة كانت جميلة جدا فكان صعباً على جميع الأطفال الذين فعلواالمستحيل من أجل أن تنظر إليهم نظرة واحدة أن يصدقوا أنها فضلتنى عليهم،وكانوا كلما شاهدوا هذا الحب فى عيونى أو عيونها يُجنّون، وشرعوا فىمضايقتى بأن يرددوا عبارة «من همه بيحب أد أمه» وذلك لأنها كانت تكبرنىبسنتين، وفى النهاية اتفقوا مع بعضهم ولم يجدوا طريقة لكى يخلصوا منى سوىأن يضربونى علقة ساخنة ونفذوا اتفاقهم عند عودتى من المدرسة ولم يكتفوابذلك بل أصدروا «فرمان ومرسوم عيالى» بعدم دخولى الشارع ولكن تدخلتالمفاوضات التى رضخوا لها بصعوبة شديدة بعد تعهدى بأن أبتعد عنها ولاأحاول رؤيتها وأنا ضعيف لا حول لى ولا قوة ولا أستطيع أن أحاربهم فى لعبةالضرب والحرب، وعاش معى هذا الحب فترة تجاوزت السبع سنوات رغم كل محاولاتخصومى من الضرب والطرد والتهجير من الشارع، أى أنك تستطيع أن تقول إن حبىالأول هذا قد انضم إلى رفاق الطفولة الأخرى مع القصص والكتب والمجلاتوالأفلام.
ثم دخلت الثانوية أو كما كان يطلق عليها التوجيهية وبدأت القراءة تؤتىثمارها.. فقد بدأت فى كتابة الشعر والقصص والروايات وظهرت اهتمامات أيضابالعلوم لدرجة أنى أنشأت معمل اختبار داخل بدروم المنزل وأغرقت نفسى ليلنهار فى التجارب العلمية والتى كانت ستودى بحياتى أكثر من مرة بسبب حدوثبعض الحرائق وانفجارات صغيرة كل فترة.. وأغرقت نفسى بالعلوم التى كنتشغوفا بها مثل الكهرباء والبطاريات وجهاز التقطير والميكروفون والرسم علىالورق وتنفيذ اختراعات لأجهزة، أى أننى كنت لا أرتاح فى فترة الإجازة وهوما دفع والدى إلى أن يبيع هذا المعمل لخوفه على..
وأتذكر أننى كنت أتمنى دائما زيارة الغابات الاستوائية التى رأيت صورهالأول مرة داخل كتاب الجغرافيا الذى درسناه فى السنة الرابعة بالثانوية وقدتصفحت هذا الكتاب الكبير باهتمام شديد أكثر من عشر مرات، وعندما كان يسألالمدرس فى مادة الجغرافيا كان الجميع يقولون لن يستطيع أحد أن يجيب غيرمصطفى محمود فهو يعلم موضع كل حرف داخل الكتاب حتى إننى حصلت على سمعةكبيرة فى المدرسة بأننى محب لمواد الطبيعة والجغرافيا والعلوم «وهذا كانسبباً فى أننى كنت الأول على المدرسة فى الثانوية» وقرأت كثيرا عن أفريقياوبصفة خاصة جنوب السودان ونيجيريا ولم اكتف بذلك بل كنت أنزع صور القرودوالحيوانات الأفريقية لأزين بها حجرتى بدلا من كبار الفنانين والمطربينونجوم الكرة وأبطال الرياضات المختلفة التى كان إخوتى يعلقونها داخلحجراتهم.
وبعد تفوقى فى المرحلة الثانوية التحقت بكلية الطب جامعة القاهرة التىكانت دراستها قاسية وتحتاج إلى مجهود مضن إضافة إلى اعتراض أهلى الشديدعلى هذا الأمر لكونهم كانوا يرغبون فى التحاقى بكلية الحقوق- التى كانتتخرج الوزراء والباشوات وقتها- وتحملت كل ذلك لأنه كان لى أهداف أخرى مندراسة الطب غير أن أكون طبيبا.. فكما ذكرت فى السابق أن رحلتى من الشك إلىالإيمان أو اليقين صاحبتنى فى سن صغيرة..
الشك ظهر لأنى أريد أن أفهم ما يدور حولى، لم يكن طبيعيا أن يتقبل عقلى كلالأشياء والمعتقدات المتوارثة بسهولة.. مثلا مثالى الشهير الذى ذكرته منقبل هم علمونى وأنا صغير أن كل (مخلوق) فى الدنيا له خالق.. كل مصنوعوموجود له من صنعه ومن أوجده.. فكنت أنا أتساءل فى عناد: إذا كان كل شىءله خالقه فمن خلق الله ومن أوجده؟.. فإذا أجبتمونى بأنكم مؤمنون بأنهموجود بذاته فلماذا لا تؤمنون بأن أى شىء آخر مثل الدنيا قد أتى بذاته..
طبعا أنا ذكرت من قبل أن هذه الطفرات الذهنية وهذه المناطق المعقدة كنتأصمم عليها ليس من قبيل الزهو بعقلى وأفكاره المتطورة ولكن من أجل أن أصلإلى يقين يزيد من إيمانى.. وكانت أفكارى أو أسلوب تفكيرى أحد أسباباختيارى لهذه الكلية وهو ما تحقق بالفعل فيما بعد.. فبعد أن تعرفت علىالبكتريا التى تسبب الأمراض.. وكيفية علاجها.. وبعد وقوفى أمام الجثثالموجودة داخل المشرحة بالساعات.. وجدت نقطة البداية للإجابة عن كل مايدور فى فلك الحياة وكل ما يدور حولى وعرفت جيدا من أين جئنا وإلى أينسنذهب وكان الوقوف أمام الموت فى المشرحة البداية الحقيقية للإيمان..
ومن المضحك أن لهذا السبب تعلقت بشدة بالمشرحة، فقد كنت أول طالب يدخلهاوآخر من يغادرها، وفى يوم من الأيام كنت داخل المشرحة ولم أشعر بالوقتوأغلقوا على أبوابها دون أن أشعر أو يشعروا بوجودى ولكنى عندما انتهيت منالعمل ووجدت الأبواب مغلقة وكان الجو بارداً جدا ناديت على الحراس بأعلىصوتى لمدة ربع ساعة حتى سمعونى وفتحوا لى الأبواب وصارت القصة تتردد داخلأرجاء الكلية فى اليوم التالى: وبسبب تلك القصة أصدر عميد الكلية تعليماتللأمن بأن يتفحصوا المشرحة جيدا قبل غلقها وفوجئت عند دخولى المدرج ذاتمرة متأخرا وكان الدكتور صادق يشرح للطلبة بأن قال لى ادخل يا «مشرحجى» ومن بعدها وجدت الجميع يطلقون علىّ لقب المشرحجى .. وتعلقت بالتشريح وبهذاالعلم العجيب..
وأتذكر أننى من عشقى للجثث والتشريح قمت بشراء جثة إنسان ميت بـ٥٠ قرشاوحملته بصعوبة وكان وزنه ثقيلا لأنه تغمره مادة الفورمالين التى تحفظالجثة من التآكل أو إصدار رائحة كريهة.. وذهبت إلى المنزل وأنا سعيد جدابالجثة التى أحملها وبمجرد دخولى حجرتى وضعتها فى حوض من الفورمالين لكىينشفها وعندما شاهدتنى أمى «رقعت بالصوت» وأصابها الهلع والخوف وفقدتالوعى وأسرعت لها وعندما فاقت صرخت فى وجهى «إيه المصيبة اللى انت جايبهاالبيت دى؟.. بنى آدم ميت.. حرام عليك.. حرام عليك.. ترضى لما أموت حد يعملفىّ كده..
ويبقى إيه العمل لو أهله راحوا المقابر وملقوش جثته» فضحكت مما قالت وقبلتيدها أطلب منها السماح لأنى تسببت فى فزعها وقلت لها سامحينى يا أمى لابدأن أذاكر على هذه الجثة دروس التشريح طوال إجازة الصيف لكى أنجح بتفوق،وبعد ساعات من المحاولات بإقناعها بأن هذا لصالحى وافقت على أن تبقى الجثةفى البيت ولكن على شرط أن أقوم بتنظيف حجرتى بنفسى طوال فترة وجودهابالبيت لأنها لن تقترب منها ووافقت وأغلقت على باب حجرتى ووضعت تحت سريرىجثة إنسان رجل ميت عاش معى أربعة أشهر طوال فترة إجازة الصيف وكنت كل يومأقوم بوضعها على منضدة التشريح وأتدرب عليها وأدرس كتب التشريح وبعدالانتهاء أضعها تحت السرير فى الحوض الملىء بالفورمالين
وبعد انتهاء فترة إجازة الصيف أصبحت لا أحتاج للجثة المهلهلة من العمل بهاطوال أربعة أشهر فقمت ببيعها لأحد أصدقائى بـ١٥ قرشاً ولكن رائحةالفورمالين التى ظللت أشمها طوال أربعة أشهر تسببت لى فى أزمة صحية حيثظللت بعدها سنوات طويلة أعالج من النزلات الشعبية.. فالجثث والمشرحة لهافضل كبير فى تغيير طريقة تفكيرى..
وذلك لأن المفكر الحقيقى لا يجب أن يؤمن بالأشياء على طول الخط أو يكفربها على طول الخط ولكنه بطبيعته يعيد النظر دائما فى الأشياء ويصححالأخطاء مهما كانت ودائما يختلف المفكرون عن الذين ينظرون للأشياء بنظرةقلبية بلا أى شك لأن كل شىء من حولهم معرض للشك حتى يثبت له العكسوالإنسان الطبيعى والعادى حين يبدأ مشواره ورحلة الحياة فهو يبدأبالمسلمات الأولية التى أمامه مباشرة وليس أى شىء آخر ولا يشغل تفكيرهبـ«لماذا وكيف ومتى» ولكن الأشياء التى تقع تحت حسه هى التى يراها ويسمعهاويتعلم منها ولكنى تمردت على كل هذه الطريقة التقليدية والروتينية وبدأتفى طرح الأسئلة التى كنت دائما لا أجد إجابة عنها فرغم انهماكى فى موادكلية الطب إلا أنه كان يشغلنى دائما البحث عن إجابات لأسئلتى.. فى البحثعن اليقين.
لم يمنعنى كل هذا عن ممارسة هوايات كنت أحبها فقد كنت منذ الصغر أحبالموسيقى وكان صوتى جميلاً ووجدت أن الكثير من الفنانين تخرجوا فى كليةالطب ومن الممكن أن نرجع السبب فى كل ذلك إلى أن الأطباء دائمو الوقوفأمام الموت وهم أقرب إلى الميت من الآخرين فيرون كل يوم بأعينهم الموت وهويقبض أرواح البشر فى الوقت الذى يفر فيه الجميع منه ويهرولون حتى الأقاربوأقرب الأقربين والأصدقاء فى حين أن الطبيب الذى يعد أشجع إنسان تأتى بهالبشرية هو الوحيد الذى يواجه الموت ويحدق فى عينيه متحديا ومحاولا إنقاذالمريض هذا فضلا عن أنه الوحيد الذى يحضر ميلاد الإنسان ورحيله
وأول من يستقبل الإنسان فى الوجود وأيضاً آخر من يودعه من الوجود وبالفعلهى لحظات رهيبة تكون قادرة على أن تخرج من داخلنا مارداً كبيراً اسمهالكاتب والموسيقار والشاعر والراقص وقد ولد الفنان داخلى قبل هذه الظروفمنذ أيام والدى الذى عشقته وكان مصدر الإلهام الأول فى حياتى فقد كان يحولبصوته الجميل الأرقام الحسابية إلى نغمات جميلة وهو يقرأ ويراجع أعمالوحسابات الموظفين ولكنى ترجمت مشاعرى الفنية إلى أشياء واقعية وملموسةداخل مقام السيد البدوى بطنطا الذى نشأت بجواره وفى رحابه مع حلقات الذكروالتواشيح الدينية والابتهالات الصوفية والطبل والدفوف التى تصاحب أهلالذكر وبعد ذلك بدأت أعشق العزف على الناى فى شباك غرفتى أثناء الظلاموالسكون والهدوء الذى يسبق دخول الطائرات وسماع دوى صوت القنابل وانفجاراتغارات الحرب العالمية الثانية وكنت أشعر بأن هذا أنسب وقت لأخرج من داخلىمارد عازف الناى دون أن يراودنى شعور الخوف والاختباء فى الخنادق التى كانيسارع الناس إليها فى ذلك الوقت وكنت فى هذه الأيام بنهائى كلية الطب.
وقد شاء القدر أن أتعرف على الأسطى عبدالعزيز الكمنجاتى والراقصة فتحيةسوست وكانا أصحاب فرقة لإحياء الأفراح والطهور واتفقا معى أن أنضملفرقتهما ووافقت دون مقابل مادى وهذا ما أثار دهشتهما ولكنى قلت لهما أناأهوى العزف فقط ولا أنوى احترافه، كان لا يجب أن أخبرهما بالسبب الحقيقىكنت أفضل أن أحتفظ به لنفسى.. فقد كنت فى ذروة انفعالى التفكيرى.. عدماليقين بأى شىء نهائى– أنا كنت أحتاج أن أخوض التجارب، كل شىء أجربه وأحكمعليه.. وكان يأتى إلى البيت الأسطى عبدالعزيز وعندما تفتح له والدتى يقوللها قولى للدكتور الليلة فيه فرح فى درب البغالة أو فى الأنفوشى أو فىالسيدة وكانت والدتى تنزعج جدا وكانت تعنفنى وتغضب لما أقوم به ولم تستوعبأنى أريد أن أترك نفسى للتجارب والبحث عن اليقين.
وفى أحد الأيام حدث شىء طريف للغاية لم أنسه حتى الآن وكنت دائما أحكيهلأولادى ونضحك كثيرا من طرافة الموقف، حيث كنت أعزف مع الفرقة فى أحدالأفراح الذى كنا نحييه على سطح أحد المنازل بالأنفوشى وصادف أنه كان هناكمجموعة من الشباب يشاهدون الفرح من على السطح المقابل لهذا المنزل وفوجئتبأحد زملائى فى الكلية لا أتذكر اسمه يقف بينهم ويقول لى وهو ميت من الضحك «الله يا دكتور.. سمعنى يا دكتور.. اشجينى يا دكتور.. حلوة أوى الحتة دىيا دكتور.. يا سلام يا دكتور.. عشان خاطر الرقاصة عدها تانى» وتوقعت أنالمسافة من الإسكندرية للقاهرة ستمنعه من الحضور وإبلاغ أحد ولكنى فىاليوم التالى عندما ذهبت إلى الكلية وجدت أن طلبة كلية الطب ليس لهم حديثسوى هذا الموضوع وطبعا سمعت «تلقيح وكلام زى السم» وتردد بأن مصطفى محمودكان يحيى فرحاً بالأمس فى الأنفوشى بالإسكندرية حتى وصلت القصة إلىالدكتور صادق وكنت أحترمه وأقدره
وهو من أطلق على لقب المشرحجى وطلبنى فى مكتبه ودار بيننا حديث ونقاش طويليحاول أن يقنعنى بأن هواية عزف الناى شىء جميل ولكن لا يليق بى وأنا علىوشك التخرج فى كلية الطب وسأصبح طبيباً أن أحترف العزف فى الأفراح ولكنىشرحت له وجهة نظرى فلم يقتنع وخرجت من عنده لأجد الأسطى عبدالعزيزالكمنجاتى يطلبنى لفرح جديد.. ووافقت.. وعزفت بعد ذلك فى أفراح كثيرة.
محمد الجزار
2010-01-13, 01:38 PM
مذكرات د.مصطفى محمود ( الحلقة الثالثه()
الحلقة الثالثة.. حكايتى مع الموت
يا صاحبى ما آخر الترحال؟ وأين ما مضى من سالف الليالى؟ أين الصباح وأين رنة الضحك؟! ذابت كأنها رسم على الماء.. أو نقش على الرمال.. كأنها لم تكن.. كأنها خيال.. على متاع كله زوال.. على مسلسل الأيام والليالى فى شاشة الوهم ومرآة المحال..
■ إلهى يا خالق الوجد من نكون.. من نحن.. من همو.. ومن أنا. وما الذى يجرى أمامنا.. وما الزمان والوجود والفنا.. وما الخلق والأكوان والدنا.. ومن هناك ومن هنا.. أصابنى البهت والجنون..
■ ما عدت أدرى وما عاد يعبر المقال.
صمت الدكتور مصطفى محمود طويلاً عندما طرحنا عليه سؤالاً عن بداياته الحقيقية للكتابة والصحافة والأدب الذى خرج بشكل واضح فى مؤلفاته من روايات ومسرحيات وكتابات فكرية ونقدية فتنفس الصعداء ونظر فى الأفق البعيد..
وقال كان أول كتاب أتعلم منه قواعد الكتابة ومبادئ القصة هو القرآن الكريم وما حمل من قصص الأنبياء والرسل، والذى اهتممت بتناوله بشغف منذ أن تعلمت القراءة والتى تعلمتها قبل أن أتعلم أو أتمكن من الكتابة، فقد كانت القراءة فى حياتى تسبق الكتابة، ومنه كانت البداية، وقد كان أول قارئ لكتاباتى وناقدى الوحيد هو صديق الطفولة فرج، وهو كان صديقى الوحيد بالرغم من أننى كان لى زملاء كثيرون، ولكن الأصدقاء أنتقيهم عملاً بحديث رسول الله الذى كان يردده والدى على مسامعنا أنا وإخوتى «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» وقد ظل فرج صديقى الوحيد ولم نفترق حتى بعد التحاقه فى المرحلة الثانوية بمدرسة الصنايع العسكرية والتحاقى أنا بمدرسة طنطا الثانوية ولم نفترق لأننا كونا مصنعاً صغيراً، فقد كنت شغوفاً بالكمياء والطبيعة وكان هو يجيد صناعة القوالب من الصلب والنحاس وخلافهما من المعادن فوجدت أننا فريق يكمل كل منا الآخر،
وأتذكر أن فى تلك الفترة الزمنية كانت المدرسة مع بداية العام الدراسى قد قامت بتسليمنا محتويات معمل صغير للكيمياء، وعلى كل طالب أن يقوم بدفع مبلغ تأمين، ويقوم أيضاً برد المعمل إلى المدرسة فى نهاية العام والحصول على مبلغ التأمين، ولكننى لم أرد المعمل مرة أخرى ووضعته فى بدروم البيت، وقمت بتجاربى المعملية الفاشلة فى أحيان كثيرة، كما ذكرت قبل ذلك، والتى كانت تتسبب فى تمزيق ملابسى الجديدة والقديمة وكنت أفاجأ بأمى تصرخ فى وجهى وتقول: «إنت مش خايف إنك تموت من اللى انت بتعمله ده وبالطبع كان فرج يصاحبنى فى تلك التجارب المعملية بمحتويات معمله من مجمرة والتخمير، وكانت هناك تجارب معملية ناجحة وقمنا من خلالها باستخراج العطور والروائح الجميلة ومبيدات قاتلة للصراصير، تلك الحشرة الضئيلة التى كنت ومازلت أكرهها بشدة، وكانت هناك أيضاً تجارب معملية فاشلة ترتب عليها الانفجارات التى جعلت أبى يقوم ببيع المعمل خوفاً على من الموت المحتوم الذى كان يطاردنى، ويطارد فرج مع كل انفجار وكما ذكرت كان فرج هو القارئ الوحيد لكتاباتى،وفى أحيان كثيرة كان يشير إلى أن أغيّر من مضمون قصة وتحويلها من اللامنطق إلى المنطق حتى يتقبلها عقله، وأيضاً مرحلة النشر لما أكتب كانت مرحلة مبكرة فقد بدأت منذ أن كنت أقضى رحلة فى مصيف بورسعيد، وأرسلت إلى أخى مختار خطاباً أتكلم فيه عن الأيام التى أقضيها فى المصيف، وقد كان صديق أخى وقت ذاك محمود محمود الصياد الذى أصبح من نجوم تجويد القرآن الكريم بعد ذلك، وقرأ الخطاب وقال لأخى إن أخاك مصطفى سيكون له شأن كبير فى مجال الكتابة والأدب، وكانت شهادة فرحت بها كثيراً عندما أبلغنى بها أخى، والمرة الأخرى التى خرجت فيها كتاباتى إلى النور قبل أن أتخطى المرحلة الثانوية عندما أعلنوا فى مدرسة طنطا الثانوية عن مسابقة باللغة الإنجليزية وكان موضوعها يدور فى عن كتابة قصة عن أكثر الأحلام رعباً، وكانت مفاجأة أن أحصل على الجائزة الأولى التى كانت عبارة عن «خمسين قرشاً وشنطة مدرسية» وكان الحلم الذى ساعدنى فى الحصول على هذه الجائزة التى كانت كبيرة جداً فى هذه الأيام أننى كنت مريضاً ودرجة حرارتى منخفضة وضربات قلبى ضعيفةولذلك استدعت أسرتى الطبيب وكان ثقيل السمع عندما وضع السماعة على صدرى لم يسمع نبضات قلبى فظن أننى فارقت الحياة فتوجه إلى الأسرة بوجه شاحب يتصبب منه العرق قائلاً البقاء لله لقد مات ذلك الولد المسكين وما كان إلا أن «رقعت» أمى بالصوت وحزن جميع أفراد العائلة على فراقى وكفنونى ووضعونى فى النعش ولكننى استعدت وعيى بعد وقت قصير وفتحت عينىّ لأجد نفسى فى ظلمة دامسة وملتماً بالكفن فشعرت بالرعب الشديد لما أنا فيه وثارت فى ذهنى أسئلة متعددة وكان بينها: أين أنا؟ وكيف سأخرج من هذا النعش؟ وعندما استعادتنى الأسرة كانت فرحة بلا وصف وربما كان هذا الحادث داعيا لأن يطلقوا على لقب الممسوس أو الملبوس وسهل لى لقب المشرحجى فيما بعد.
وكان هذا الحادث إضافة لحادث وفاة أخى التوأم سعد الذى توفى قبل أن أراه ضمن عدة أحداث كانت محفورة داخلى وساهمت فى تشكيل أفكارى، ومنذ أن تناولت ذلك فى قصة «أغرب حلم مرعب» وأنا مؤمن بأن الموت هو الحقيقة والخلاص من هذا العالم وأن التابوت ليس الصندوق الخشبى الذى يحمل بداخله الموتى أو «الحجرى» فى العصر الفرعونى الذى تحفظ به المومياوات ولكنه يمثل الجسد الذى تسكن بداخله الروح وبمجرد خروجها يصبح هذا التابوت فارغاً وينتهى كل شىء.التحقت بكلية الطب، وخلال الدراسة مارست مجموعة من المواهب الخاصة بجوار دراستى بها كالغناء وعزف الموسيقى فى الأفراح كما ذكرت قبل ذلك كالناى، والعود الذى ذهبت إلى مدرس ليدربنى للعزف عليه، ونشرت بعض كتاباتى الأدبية بالجرائد والمجلات، ولكن كل هذه الأمور كان صعباً على أسرتى تفهمها خاصة والدتى بعد أن أصبحت مسؤولة عن البيت ومن فيه بعد وفاة أبى حيث كنت أصغر العائلة سناً وأكثرهم محبة للنكتة والضحك فكنت محبوباً من جميع إخوتى سواء أشقائى أو والدتى، وكانت أمى تصرخ فى وجهى وتقول «إنت هتموت نفسك بنفسك.. هو انت صحتك حمل كل ده» وكنت أشفق عليها خاصة وأنا أرى فى عينيها نظرات الخوف علىّ ولكنى كنت أتصرف بوازع من الرفض الداخلى الذى أتصرف به تجاه المسلمات، كذلك من أجل التميز والتفرد واكتشاف الجديد، فقد كانت رغبة جامحة لا يستطيع أحد أن يتصدى لها، وفى إحدى هذه الثورات المتكررة من والدتى اكتشفت أننى يجب أن أنسحب وأعيش فى حياة مستقلة لأننى لا أستطيع أن أمارس ما أريد بمنتهى الحرية فقمت بتحضير حقيبة ملابسى فى إصرار على الرحيل ولم يستطع أحد أن يقنعنى بالرجوع عن قراراتى التى كنت اتخذتها بعد تفكير طويل فتركونى متمنين أن أوفق فيما أريد.. تركونى لأواجه مصيرى، فذهبت أبحث عن بنسيون مناسب لإمكانياتى المادية المحدودة والمتواضعة حتى وجدت «بنسيون بسيط» فى حلوان فقمت بتأجير حجرة به وعملت محررا صحفياً بإحدى المجلات، وكان يجب أن أعيش حياتى بطريقتى، وليس بالطريقة التى يعيشها الصحفيون، وبدأت مرحلة عجيبة وغريبة وجديدة وقاسية جداً فى حياتى، فقد عملت بعد ذلك محرراً صحفياً بجريدة «النداء» براتب اثنى عشر جنيهاً شهرياً، وهى جريدة وفدية وكان يملكها ياسين سراج الدين، ووجدت أننى أعيش حياة الصعلكة التى يعيشها معظم الراغبين فى العمل بمهنة الصحافة فى بداية حياتهم وما لبثت إلا أن ظهرت ضريبة قراراتى وكل هذا العناد بإصابتى بمرض «التيفود»، ودخلت مستشفى الحميات بالعباسية وما إن أفقت من غيبوبة المرض حتى وجدت أخى مختار على رأس السرير الذى أنا طريح فوقه يقول لى «أدى أخرة المشى البطال وعدم سماع النصيحة والعناد.. خف بسرعة عشان ترجع البيت.. أمك هتموت عليك» وقد كنت فى ذلك التوقيت قد قضيت خارج البيت حوالى عام كامل، ولكننى تعلمت من هذه التجربة الكثير والكثير، وكان أهم ما خرجت به أن العمل بالصحافة دون الحصول على شهادة أو وجود مصدر رزق آخر تصاحبه أحلام المؤلف والأديب لا يكفى، خاصة أن المادة التى يحصل عليها الصحفى بعد عناء ويقوم بكتابتها يمكن أن يراها تزال أمامه وتحجب من النشر بمجرد ظهور إعلان مفاجئ لأمواس حلاقة أو روج أو دواء أسبرين، ووجدت أن مواصلة دراستى فى الطب الذى انقطعت عنه سنة كاملة وتعلم كيف أعالج المرض أكثر فائدة، ووجدت أيضاً أن فى عالم الصحافة الأحلام فى اتجاه، والأدب والمجد فى اتجاه، والهلس الصحفى فى اتجاه آخر، ومن الممكن أن يضيع عمرى فى أشياء لا تغنى ولا تسمن، وأننى لابد أن أنهى دراستى بالطب، وبعد ذلك أمارس الأدب والكتابة وأنه سيختلف الأمر بين أن أكتب وأنا لا شىء، وبين أن أكتب وأنا طبيب.ومرت سنوات وأصبحت معروفاً بين الوسط الصحفى وأصبح لى أصدقاء من بينهم كامل الشناوى، الذى قال لى بعد ذلك فى أزمة كتابى «الله والإنسان» جملته الشهيرة «إنت بتلحد وانت على سجادة الصلاة» وكان كامل الشناوى صاحب فضل كبير علىَّ، حيث كان أول من قام بنشر كتاباتى ومقالاتى فى «آخر ساعة»، وكنت أقوم بالإمضاء عليها بالحروف الأولى من اسمى «م.م» وأتذكر فى هذه الفترة أن صديقى العزيز أنيس منصور، كان يقوم ببعض المعاكسات معى، حيث كنت أنتهى من كتابة مقالى بتوقيع «م.م» فكان هو ينتظر حتى ينتهى الجميع من أعمالهم ويذهبوا، وينزل إلى المطبعة ويغير الإمضاء إلى «م.ع» وكنت عندما أقرأ المقال فى اليوم الثانى أفاجأ بالتغيير فأغضب مما حدث، وعندما أذهب للتعرف على حقيقة ما حدث أعرف أنه أنيس، كنت أقول له «يا أخى يعنى إنت مستكتر علىَّ حتى الحرف»، وكان يضحك وأنا أضحك من أعماله الجهنمية، وهنا يغوص مصطفى محمود فى موجة من الضحك، ويقول: أنيس منصور من الشخصيات التى اتفقت معى فى بعض أفكارى وهو من أصدقائى الذين أحببتهم منذ بداية عملى الصحفى فى جريدة «المسائية» وهى الجريدة التى أنشأها كامل الشناوى وفى بداية إنشائها استقلت من «آخر ساعة»، وذهبتُ معه أنا ومجموعة من الأصدقاء وهذه الجريدة لم تستمر أكثر من شهر، وفى هذه الفترة كان كامل الشناوى دائم القول بشأنى وبشأن يوسف إدريس «إنتم مش طلبة كلية الطب.. إنتم طلبة كلية طب الجميلة»، فى إشارة لكلية الفنون الجميلة، وأتذكر الشناوى رحمه الله، وكأننى أشاهده أمامى، وهو يضحك عندما ذهبت إليه فى يوم من الأيام لأدعوه لحضور حفل تخرجى فى كلية الطب، وكان يقول «بقيت دكتور؟ مش معقول.. أنا مش مصدق.. صحيح الروشتة اللى كتبتها مرة لأبوالعنين وكان أحد أصدقائنا وراح يصرفها وجد أنها أمواس حلاقة» ولبى دعوتى وحضر حفل التخرج فى كلية الطب وكان يقول وهو يضحك أنا مُصّر إن الموضوع ممكن يطلع نكتة صحفية كما أننى أثناء عملى فى مجلة «صباح الخير» قمت بتأليف رواية «المستحيل» ونشرتها حلقات مسلسلة وزرت بعد ذلك كامل الشناوى فى مكتبه فقال لى متى سنقرأ الرواية كاملة فى كتاب فقال عندما نجد الناشر لأن الناشرين فى تلك الفترة كانوا لا يدفعون مبالغ مجزية لأن القراء كانوا يفضلون قراءة الصحف والمجلات أكثر من الكتب وقد سبق أن قمت بطباعة كتب على نفقتى الخاصة.وواكب تخرجى أحداث ثورة يوليو ٥٢ وصدور مجلة التحرير وكان يرأس تحريرها ثروت عكاشة وبدأت أكتب بها وكان يكتب معنا حسن فؤاد ومجموعة كبيرة من الرسامين والأدباء الذين جمعتنى بهم صداقة متينة بعد ذلك ولا أستطيع أن أقول إن عملى بالصحف مع كامل الشناوى فى الصحيفة المسائية التى لم تستمر كما ذكرت أكثر من شهر أو فى آخر ساعة إلا أنه كان عملاً مؤقتاً فى بلاط صاحبة الجلالة، إنما بدأ عملى الفعلى بالصحافة فى «مجلة التحرير» وفى التوقيت نفسه بدأت أمارس مهنة الطب فى بعض المستشفيات الصغيرة إلى أن استقر بى الحال فى مصحة ألماظة للحميات التى هيأ لى العمل بها إلى العزلة لموقعها الجغرافى آنذاك كان فى الصحراء التى تتسم بالهدوء والتأمل وكانت كل هذه الظروف داعية لأن يولد الأديب والمفكر والفيلسوف الكامن بداخلى فخرج فى أول أعمالى «الله والإنسان» الذى أثار جدلاً واسعاً سنتكلم عنه بالتفصيل فى حلقة قادمة وداخل هدوء الصحراء وبين عنابر المرضى خرج كتابى «عنبر ٧» وبين رائحة المرض والأدوية والدم خرج كتابى «رائحة الدم» وكذلك كتب «أكل عيش» و«شلة الأنس» و«العنكبوت و«لغز الموت»...
محمد الجزار
2010-01-16, 04:47 PM
مذكرات د.مصطفى محمود ( الحلقة الرابعه )
الحلقـة الرابعة .. رأيت «ملك الموت»
أراد مصطفى محمود أن يدخلنا معه فى الحوار فسألنا عن الأفكار التى تشغل بال هذه الأجيال - يقصد جيلنا الحالى طبعا - فأجبناه عن كل تساؤلاته.. فكر بعض الوقت وكأنه لم يجد فيها ما يثير الانتباه.. أو أنه انتهى تفكيره إلى أنها ليست أفكاراً بالمرة فزم شفتيه ثم قال: أريد أن أتكلم عن أفكارى وأنا فى المرحلة ما بين دراسة الطب وبين الثلاثين.. كنت فى مثل عمرك تقريبا وما الذى شغلنى فى هذه الفترة وكيف كنت أفكر ثم أردف: كان هناك خليط من خطوات فكرية تنضج بداخلى..
أفكار عن (الغيب والموت والقدر والعدالة) هل كان صراع الأفكار هذا بداخلى نتيجة لازدحام الساحة بكم كبير من أفكار الفلسفة الوجودية المادية فى هذه الفترة.. ربما.. لكن المؤكد أن هذه الأفكار تشغلنى منذ طفولتى كما سبق أن أشرت- أى عشرينيات وثلاثينيات القرن المنصرم- بينما هذه الأفكار بدأت تأخذ طريقها إلى الساحة فى مصر بعد الحرب العالمية ضمن حلقات انتشارها على المستوى العالمى نتيجة ليأس الفلاسفة من كل المناهج المطروحة وقتها وكان يتمثل فشلها فى عجزها عن وقف بحر الدم والعنف الذى شهده العالم أثناء الحرب العالمية الثانية.. إذا أنا سبقت انتشار هذه الفلسفة والأفكار بحوالى عقدين من الزمن.
ولكن الحقيقة أن من أكثر الأفكار التى شغلتنى عموما منذ طفولتى حتى الآن فكرة الموت.. دائما كنت أتصور أن عمرى قصير جدا وأنى سأموت.. بين الحين والآخر كنت أقف أمام المرآة وعمرى عشر سنوات وأقول بصوت مرتفع جدا الموت يطاردنى يقف خلفى وأمامى وبجوارى ألا أستطيع الهروب منه.. أنا بالفعل كنت أرى ملك الموت وكأنه يحاوطنى.. وكنت أشعر كل صباح يوم جديد أن ساعتى قد حانت وكنت أخبر أهلى بذلك..
وهذا أثار خوف وقلق والدى وأمى على وذهبا بى إلى الأطباء وعندما لم يجدا علاجاً يشفينى «طبيعتى المختلفة عن أقرانى كانت تدفعهما دائما لتخيل أنى أقترب من الجنون» فذهبا بى إلى المشايخ والعرافين الذين كانوا يتواجدون بكثرة فى الريف ولكنهم أيضا لم يجدوا كلاما يقولونه غير أن يخترعوا أنى ممسوس أو «مخاوى جن» من تحت الأرض «لاحظوا أن شائعات الجنون وقربى من الجان تطاردنى منذ الطفولة» ولعل السبب فى كل ذلك أن المرض دائما يهاجمنى فأصبح بالنسبة لى يمثل مشكلة خطيرة جدا فما بالكم بطفل صغير لا يستطيع أن يجرى ويصارع من هم فى مثل عمره..
حالته الصحية متدهورة ولا تسمح بذلك والحقيقة أنى من أجل هذا اخترت كلية الطب دون غيرها من الكليات إضافة إلى أسباب أوضحتها سابقا حيث كانت كلية الحقوق فى ذلك الوقت من كليات القمة ويتخرج فيها الوزراء والسياسيون ورغم إلحاح الأسرة على بأن ألتحق بها إلا أنى تمردت على رغبتهم «الواضح حياتى كانت عبارة عن سلسلة من التمرد المستمر» واخترت كلية الطب لأننى حريص على التعرف على أدق تفاصيل وأسرار الأمراض والأزمات الصحية وكيف يمكن التخلص منها.
أردت أن أتعرف على طريقة أتخلص بها من عللى ومرضى المستمر الذى لم يستطع طبيب أن يشفينى منه واكتشفت فى هذا التوقيت أن الموت والمرض مشكلة كبرى بالنسبة لى فالمرض بالنسبة لى يمثل الموت وأن المؤشرات والعلامات التى تسبقه قد تتمثل فى موت العينين والساق والذراع والإحساس وعانيت كثيرا من أجل الوصول لما توصلت له وعندما مارست الطب سنتين بعد التخرج كنت أعتبر أنى حققت انتصاراً كبيراً على الموت عندما أتغلب على المرض الموجود داخل المرضى، ولكن كان يصيبنى الإحباط الشديد عندما ينتصر المرض على ويسوق أمامه للموت روح مريض وينظر لى ويخرج لسانه معلنا أنى لا أقوى عليه وذهلت عندما وقفت لأول مرة أمام طاولة التشريح.. أمام الجثة..
ولم تحدث لى عملية إغماء أو حتى مجرد شعور بالخوف كما كان يحدث لبعض زملائى وتعلمت من يومها أن كل إنسان يحمل الموت بداخله وبأنى أحمل الموت بداخلى أيضا حتى ولو كانت صحتى جيدة وأن الموت يسكن معى وتعلمت أن الإنسان كلما ازداد عمره سقطت الخلايا الميتة من جسده، وأن اللعاب الذى يطرده من فمه يحمل بداخله ملايين الخلايا الميتة وأن دم الإنسان يحوى كل ساعة ٦٠ مليون خلية من الخلايا الحمراء والخلايا البيضاء وبعد صراع مرير تقتل خلايا الدم البيضاء البكتيريا الموجودة بخلايا الدم الحمراء وتسوق جثث الموتى إلى الكبد الذى يمكنه التعامل مع هذه الجثث ويحولها إلى مرارة وصفراء والجسم يتعامل مع كل هذه الجثث.. يحللها ويستفيد منها ويحولها إلى عصارات مختلفة.. ووجدتنى أسأل نفسى هل كان الموت يعمل داخلى طوال هذه السنوات ليل نهار وأنا لا أدرى بحقيقة المعركة الدائرة بداخلى؟
وعرفت من يومها بأن الموت أكبر من أن يكون كلمة فهو واقع يدور داخلى وأن عملية الهدم والبناء تتم دون أن أدرى وأن الهدم داخلى وداخل كل إنسان منذ الولادة ولكن البناء غالب عليه حتى يحدث التوازن فى سن الأربعين ثم تبدأ عملية النزول والهدم التى تتزايد وبالتالى إذا كان البناء غالبا فأنا شاب وإذا كان الهدم غالبا فأنا دخلت مرحلة الشيخوخة وقد كنت منذ طفولتى أشعر بأن الموت قريب منى وأسمع خطوات أقدامه وهى تقترب منى كل يوم وكنت باستمرار أحدق فى الموت وأنظر إليه وأصرخ فيه كما كنت أفعل أمام المرآة وأنا طفل صغير «أنا أرى الموت..
أرى ملك الموت ولست خائفاً فكنت أتحداه دائما وأحدق فيه لدرجة أننى كنت أتوقع دائما أننى سأموت مبكرا ولم أتوقع أن أصل إلى الـ٨٨ عاما من عمرى وكنت دائما أقول سأموت فى سن الثلاثين ولكن «أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد» ورغم كل هذا ظل الموت معى يأكل ويشرب ويعيش ويتنفس بين ضلوعى ويسيطر على وجدانى وأصبح مشكلة وكارثة تصاحبنى أينما ذهبت.. ففى خلوتى الأخيرة التى امتدت لعشرين عاما ظهر لى كثيرا وواجهته كثيرا وتغلبت عليه وكنت أنا المنتصر.. وفى تكوينى وفكرى الموت مرتبط بشكل كبير بالفن والدين وبالفعل كان هو السبب فى تكوينى وفكرى وحبى للموسيقى.
والحياة بالنسبة لى كما يعرفها المقربون منى منذ الصغر نظام دقيق للغاية ومرتب، فليس هناك شك أن الحياة والموت ليسا النهاية، ولكن البداية الحقيقية فى حياة البرزخ وهى الحياة التى تظل الأرواح جميعا متعلقة بها إلى أن يأذن الله بالفناء للبشرية الموجودة على الأرض ولهذا فإنى كنت دائما حريصاً على أن أفعل شيئا ما دام هناك متسع من الوقت يكفى لذلك وكان من الأسباب التى تدفعنى للعمل والإنجاز إحساسى بالموت الذى يقترب منى كل لحظة وكل ثانية.
كما أخبرتكما أن هذه الأفكار كانت تنتابنى وأنا طالب جامعى وكانت تظهر فى شكل مقالات مسلسلة فى مجلة (روزاليوسف) التى كانت منبراً صحفياً كبيراً وقتها لأنها تمردت على السياق العام للصحافة فى مصر.. كنت أنشر هذه المقالات سواء كانت فكرية عامة أو فلسفية بالخصوص إضافة إلى كتابة القصة القصيرة.. وبعد أن أنهيت الجامعة عملت فى مستشفى أم المصريين لمدة عامين..
فى هذه الفترة كانت حركة الضباط الأحرار فى عام ١٩٥٢ والتى رحبت بها كثيرا لأنها تمثل تمرد الجيش والشعب على النظام الملكى الفاسد فكان التمرد على الواقع هو ما يلفت انتباهى دائما ولكن خذلتنا هذه الثورة بعد ذلك فقد حررت الدولة المصرية لاستعباد الشعب المصرى وكنت وقتها أداوم على نشر مقالاتى فى «روزاليوسف» عندما فوجئ إحسان عبدالقدوس باستدعائه من قبل رجال الثورة «كان هذا أول صدام بينى وبين جمال عبدالناصر» للتحقيق معه حول ما نشر بمجلته وكيف يقوم مصطفى محمود بنشر هذه الأفكار فى مجلته
محمد الجزار
2010-01-16, 04:50 PM
وقال إحسان لهم «أنا أعطى الحرية للكتاب الذين يعملون داخل مجلتى وأؤمن بالحرية التى تؤمنون بها والتى تنادون أنتم بها.. من الممكن أن أكون غير متفق مع مصطفى محمود فى أفكاره وفيما يكتب لكننى لا أستطيع تقييد حريته والأمانة الصحفية تمنعنى من التدخل بل وأن أعطيه مساحة ليعبر عن رأيه وليس هو وحده ولكن هذا ينطبق على كل الصحفيين فى مجلتى وحق الرد متاح للجميع».
أنتم تلاحظون أن إحسان عبدالقدوس قد دعمنى ووقف بجانبى وقت أن كان هو العملاق عبدالقدوس ولم ينس رجال الثورة وعلى رأسهم عبدالناصر هذا الموقف لإحسان وردوا عليه بعد ذلك بسحله وسجنه وكيف أنهم لم يستطيعوا أن يدينونى أيام المقالات وظهر موقفهم عندما جمعت هذه المقالات فى كتابى الأول «الله والإنسان» عام ١٩٥٦ إذا غضضنا النظر عن المجموعة القصصية الأولى «أكل عيش».
على الرغم من أن الإعلام لم يكن بمثل هذا الحجم وكان الاعتماد كله على الصحافة الورقية إلا أنك تستطيع أن تؤكد أن الحياة فى مصر قد توقفت بالفعل بعد إصدار الكتاب ورواجه.. لم يعتد الناس على مثل هذه الأفكار أو على الأقل هذه الطريقة فى طرحها.. انقلبت الدنيا من حولى.. أصبح كل واحد يكتب عن الموضوع بمزاجه، من وصفنى بأننى فيلسوف العصر الجديد ومن وصفنى بالملحد والشيوعى والكافر و.. و.. وهنا ضحك مصطفى محمود حتى دمعت عيناه اللتان أصابهما المرض مؤخرا.. وقال من الطريف أن دارا حكومية «دار الجمهورية للنشر» هى التى وافقت على طبع الكتاب ونشره وكان يشرف عليها فى ذلك الوقت أنور السادات وحقق الكتاب رواجا كبيرا..
والطريف أيضا أن المفتى كان قد قرأ هذا الكتاب وأبدى رأيه بأن هذا الأسلوب يبشرنا بكاتب كبير وعالم ومفكر وكان هذا اعترافا رسميا من الدولة بهذا الكتاب وقيمته ولكن قضاة التفتيش الجدد رفضوا الكتاب وثاروا وهاجوا وسبوا وقالوا هذا الكاتب أصابه الجنون أو كفر وقدموا مجموعة الشكاوى ضدى للقضاء وتمت مصادرة النسخ المعدودة المتبقية فى الأسواق من الكتاب بعد أن تخاطفه الكثير من المصريين الذين كانوا يرغبون فى من يكسر لهم الظلام ويطير الخفافيش التى تتزايد داخله ويفسر لهم حقيقة ما يجرى لأنهم سئموا من أن تفرض عليهم الأشياء باعتبارها «واقع ولازم يقبلوه»..
وتحولت الدعاوى التى قدمت ضدى إلى قضية كبرى تناولها معظم صحفيى مصر ، وظلت القضية تنظر أمام محكمة أمن الدولة شهوراً خرجت خلالها شائعات كثيرة ومتعددة وكان من بينها «أنهم سيحكمون بكفرى وارتدادى عن الدين ومن ثم إعدامى،
وآخر أن علماء الأزهر انتهوا بالفعل للحكم علىّ بالكفر والارتداد عن الدين» وظلت الشائعات تظهر شائعة تلو الأخرى وتتردد فى أرجاء مصر حتى تقرر إصدار الحكم فى القضية فى شهر رمضان وذلك بغرض تشديد الحكم وعدم استخدام الرأفة وأتذكر أيامها أن إحسان عبدالقدوس استعان بمحام كان اسمه محمود وكان قد اشتهر وبرع فى الترافع عن جرائم النشر وكان يتحدث عما يجرى من أعمال قمع وقهر وإرهاب وديكتاتورية ومصادرة الكتب والأفكار
وأذكر أيضا أنه أثناء المرافعات قال لى إن ما كتبته فى كتابك هذا كلام يستخدمه كبار الصوفية وبعد سلسلة مرافعات طويلة استغرقتها المحاكمة التى كانت تتداول فى حجرة مغلقة وسرية واستغرقت المرافعات ساعات طويلة ولكن لا يستطيع القضاة فى ذلك الوقت الحرج فى تاريخ مصر إلا إرضاء جمال عبدالناصر الذى أصدر حكمه من أول يوم بمصادرة الكتاب ورغم كل المرافعات وما استندت إليه من أقوال الصوفية فقد أصدرت محكمة أمن الدولة الحكم بمصادرة الكتاب وعدم خروجه للنور وبالطبع خرج الحكم دون حيثيات ورغم ذلك صادروه بأمر جمال عبدالناصر.
وتقبلت اتهامى بالكفر وأنا فى بداية حياتى بأن أغلقت على نفسى باب شقتى.. واعتزلت من هول الصدمة حيث كانت عواطفى مازالت حساسة فلما أخذت الأفكار تهاجمنى.. لقد كفرونى لأنى امتلكت نفس ما امتلكوه.. نفس مؤهلاتهم.. القدرة على جذب الانتباه.. القدرة على جعل الآخرين يستمعون ويؤمنون بما أقول.. كفرونى.. قالوا نقضى عليه وهو صغير.. وناجيت روح أبى.. لقد اتهمونى بالكفر يا أبى.. أنا ابنك اصطحبتنى إلى المسجد وأنا ابن الثالثة وألبستنى الطاقية والجلباب الصغير.. أنا الذى حفظتنى القرآن والحديث بينما مازال من فى مثل عمرى يلعبون فى تراب الشارع..
أين أنت يا أبى لتدفعهم بعيدا بأيديك الكبيرة الحانية.. لا تدفعهم بعيدا عنى فقط بل تدفعهم بعيدا عن هذا البلد الطيب.. الذى يحاوطونه كالسرطان.. وجعلوا من يفكر يكفر.. جاءت أمى إلى.. جاءت بجلبابها وطرحتها.. افترشت سجادة الصلاة وأخذت رأسى فى حجرها.. وظللت فترة طويلة على هذا الحال.. ورغم أن معظم أفكار الكتاب لم تقترب من الأساسيات والثوابت مثل الله بل كانت فى (مسألة القضاء والقدر والجنة والنار والصواب والخطأ وقضايا الجبر والاختيار والبعث والخلود) إلا أن رجال الدين يعتبرون أن مجرد التفكير فى مثل هذه الأشياء هو الكفر ولكنهم لا يعلمون أن التفكير فى مثل هذه الأشياء منتهى الإيمان لأننى مفكر أبحث عن أشياء تزيد من إيمانى وتعلقى بالله سبحانه وتعالى وقديما كانوا يفكرون فى هذه الشكوك دون أن يعرضوا للرجم أو القتل .
فى بعض الأحيان قادنى تفكيرى لأتساءل هل كان ضروريا نزول الوحى والإلهام بواسطة جبريل على النبى صلى الله عليه وسلم ولماذا لم يلهمه الله مثلما ألهم الفنانين والموسيقيين والعلماء فى لحظات الإبداع والاختراع؟ وكانت قصة الوحى تشغلنى بشكل كبير وكنت دائما أفكر فيها ولكن بمجرد أن طرحت السؤال وبدأت البحث عن إجابة تعالت أصوات بتكفيرى مرة أخرى وكأنه لا توجد تهمة للمفكرين والباحثين عن الحقيقة غير التكفير وهذه القضايا تغير تفكيرى فيها بعد وصولى لليقين فسبحانه وتعالى كان لابد أن يميز رسوله عن بيتهوفن وجوخ وبيكاسو وقيس وعنترة،
وبعد بحث طويل فى القرآن أحسست أنه كتاب عجيب دستور لكل البشر وذلك لأنى حين قرأت كل الأديان أحسست أنها جميعا تتحدث عن شىء واحد لاشك فيه هو وحدانية الله ولكن اكتشفت أن الأديان القديمة مضت عليها القرون وتم تحريفها ودخلتها مصالح الكهنة وكانوا هم السبب فى كل هذه الفروق بين دين وآخر فكل واحد منهم يريد أن يستغل الدين لأغراض ومصالح شخصية حتى فى مصر القديمة «الفرعونية» كانت الديانة توحيدية والدليل هو كتاب الموتى ولكن الكهنة الذين يريدون أن يشيدوا المعابد اخترعوا آلافاً من الآلهة ليحصلوا من ورائها على القرابين وهذا ما حدث مع الأنبياء أيضا فكلما مات نبى خرج المنتفعون وحرفوا ليستفيدوا بالمكاسب المادية وجاء بعد ذلك عصر الملوك والرؤساء والسياسات المختلفة التى نعرفها الآن والتى زادت الأمر سوءا حيث إن العلمانيين يرددون شعارهم «كيف أسير إلى الأمام وأنا ألتفت إلى الخلف» ومن هنا يقولون العلم يتناقض مع الإيمان وقد نسوا أن كتاب الله سبحانه وتعالى يقود إلى أفضل طريق.. إلى الله..
وبعد مصادرة كتابى وجدت الماركسيين فى مصر يرفعوننى إلى السماء ويعلنون أنى أصبحت من كبار مفكرى الماركسية والشيوعية فى مصر وازداد إعجابهم بى وتأييدهم لى عندما كتبت قصة عن رجل زبال ونشرتها فى مجلة صباح الخير وكانت المجلة فى بدايات إصداراتها وبعدها وجدت أن الشيوعيين يصفوننى بأنى أعظم كاتب وأكبر مفكر وقيل عنى يومها إن تشيكوف مجددا يظهر فى مصر يحمل اسم مصطفى محمود وكنت مندهشا لكل ما يحدث حولى ومندهشا أكثر لإعجابهم بهذه القصة رغم أنها قصة عادية للغاية ولم أشترك معهم أو أنضم إليهم بل تجاهلتهم بعد ذلك بأن حذفت هذه القصة من جميع مؤلفاتى،
ولكنهم سرعان ما تحولوا ضدى بعد ذلك ووجهوا إلى الكثير من الاتهامات ومنها الردة الفكرية وكانت مدرسة ظهرت فى ذلك الوقت على يد محمود أمين العالم وكانت ترغب فى أن ينادى الكتاب جميعهم بالاشتراكية العلمية والشيوعية والماركسية ومن يخالفهم لا يعد أديبا أو مفكرا وأكبر دليل أنهم رفعونى إلى السماء ولذلك قرأت عن الفكر الماركسى بإمعان فلم أشعر باقتناع ودار داخلى حوار طويل ووجدت أنه يجب أن أغلق على نفسى باب حجرتى وظللت أمارس قراءتى فى معظم كتب الفلسفة وعلم النفس مثل (أفلاطون وأرسطو وهيجل وبكارل وماركس ووليم جيمس) وقراءة الأديان (الفيدات الهندية والبوذية والزرادشتية)
وفى النهاية وصلت إلى الإيمان فى حين أن اليسار فى الستينيات كان قد أصبح اتجاها قوياً موجوداً على الساحة وله ثقله وقد توغلت يده إلى الأدب والسينما والمسرح فتسبب نظام الاقتصاد الشمولى الذى طالب به فى الفقر والجوع للمصريين وهذا ما توقعته ولكنهم بعد ذلك وفى دقائق معدودة وجدوا صحف العالم والإذاعات والشعوب تنادى بسقوطهم.. سقوط الشيوعية..
وسقط هؤلاء الأشخاص الذين عندما تمردت على أفكارهم وانتقدتهم اغتالونى فى موهبتى وفكرى وجردونى حتى من لقب الكاتب واتهمونى بالتخلف وهذه هى أفكارهم وطباعهم لأن الشيوعية والشيوعيين تنظيم إذا صادف فى طريقه كاتبا يميل لأفكارهم فإن مهمتهم تكون جذبه إليهم ومن بعد ذلك بدأت أعيد النظر فى كل شىء حولى وبدأت بمراجعة كتابى الأول «الله والإنسان» ووجدته مليئاً بالثغرات التى عدلت عنها وصححتها فى كتب أخرى.. وأنا هنا أعلن لأول مرة أننى تراجعت عن كل الأفكار المادية التى لا ترتبط بالدين والتى جاءت بكتابى الأول «الله والإنسان».
■ كفرونى لأنى امتلكت نفس ما امتلكوه.. نفس مؤهلاتهم.. القدرة على جذب الانتباه.. القدرة على جعل الآخرين يستمعون ويؤمنون بما أقول.. كفرونى.. قالوا نقضى عليه وهو صغير
■ أغلقت على نفسى باب شقتى.. وناجيت روح أبى.. لقد اتهمونى بالكفر يا أبى.. أنا ابنك الذى اصطحبتنى إلى المسجد وأنا ابن الثالثة.. أنا الذى حفظتنى القرآن والحديث بينما مَنْ فى مثل عمرى لم يتخطوا مرحلة اللعب فى تراب الشارع.. أين أنت يا أبى لتدفعهم بعيدا عنى بأيديك الكبيرة الحانية.. لا تدفعهم بعيدا عنى فقط بل تدفعهم بعيدا عن هذا البلد الطيب.. الذى يحاوطونه كالسرطان.. وجعلوا من يفكر يكفر
■ جاءت أمى إلىّ والتى كانت تتمثل فى شخصية أختى الكبيرة زكية.. جاءت بطرحتها وجلبابها.. افترشت سجادة الصلاة وأخذت رأسى فى حجرها.. وظللت فترة طويلة على هذه الحال.. حتى نهضت من جديد
■ كان يجب ألا أترك الساحة لخفافيش ظلام جدد.. لقضاة فى محاكم تفتيش جديدة
■ إن الناجح هو ذلك الذى يصرخ منذ ميلاده: جئت إلى العالم لأختلف معه.. لا يكف عن رفع يده فى براءة الأطفال ليحطم بها كل ظلم وكل باطل.
vBulletin® v3.8.11, Copyright ©2000-2026, Jelsoft Enterprises Ltd by Support-ar.com